أولا: بعد أن استكمل حزب التحرير بناءه الثقافي في نقطة ابتدائه بتجسيد مبدئه في أفراد، وتحويلهم إلى شخصيات إسلامية مركزة، تتجاوب عقلياتهم مع نفسياتهم، وبعد أن نجح في جعل الأمة تحس بوجود الدعوة، وبعد أن حاول أن يخاطب الأمة بالمبدأ في نقطة انطلاقه، ونجح في محاولته هذه، بنمو شخصيته، ووجود الميول الجماعية لدى أفراده، واستيقاظ الحكام والأوساط السياسية والأمة عليه كحزب سياسي معين له مبدأ معين، فانتقل إلى طرق باب المجتمع بضرب العلاقات فيه، أي بالتعرض لأعمال السلطة في تسيير العلاقات مستهدفا دخول المجتمع والإشراف على العلاقات فيه كإشراف الحكام والسياسيين سواء بسواء. وبعد أن انطلق طبيعيا إلى المجتمع فخاطبه بالمبدأ ليصهره به، وحاول أخذ قيادة الأمة لأجل تسلم السلطة وتطبيق المبدأ، أي انتقل إلى مرحلة استكمال بنائه السياسي بجعله قوة سياسية واسعة النفوذ دقيقة التنظيم ترتكز إلى جمهور الأمة وسواد الناس، أي انتقل إلى مرحلة التفاعل، وبعد أن تجمد المجتمع في وجه الحزب، بزيادة الأذى على شبابه، وعدم احتضان الأمة له، و بعد أن بدأ بطلب النصرة بقصد حماية الدعوة وتسلم الحكم، وبدأ بالتنظيم الشعبي، واستمر بالعملية الصهرية، وبعد أن تعملق الحزب، وانتقل من الناحية المحلية إلى الإقليمية ، وتحققت له العراقة الفكرية والسياسية. بعد هذا السير الرائع في معترك الحياة الفكرية والحزبية والسياسية، وبعد هذا الكفاح والنضال الطويلين ضد الأفكار والأعمال والأوضاع الشاذة، التي عرفتها الأمة منذ أزيل نظام الإسلام من حياتها، وتخلت عنه في ميادين الحياة والمجتمع والدولة، وبما أنه من طبيعة حزب التحرير _لأنه قائم على برنامج صحيح_ أنه يتطور، أي ينتقل من حال إلى حال، ويتشكل تبعا للوقائع في جسمه وفي المجتمع الذي يعيش فيه، فإنه لا بد من دراسة واقع الأمة الحالي، وما تقتضيه وتفرضه المرحلة التي يمر بها الحزب، حتى يكون على إطلاع تام على الواقع الذي يواجهه وهو ينتقل إلى مرحلته النهائية، التي يراد فيها أن توصل الحزب بشكل طبيعي وحتمي إلى الحكم، ليضطلع بمهمته العظيمة : تطبيق المبدأ ومراقبة الدولة و المجتمع في تطبيقه وحمله المبدأ إلى العالم بالدعوة والجهاد .
ثانيا: إن الحكم يؤخذ من الأمة عندما تتركز لديها أو لدى الفئة الأقوى فيها مجموعة من المفاهيم والمقاييس والقناعات، أي مجموعة من الأفكار عن الحياة تشكل وجهة نظر في الحياة. والحزب هو الجهة الوحيدة القادرة على إيجاد هذه المجموعة، لأنه كيان فكري فاعل. والكيفية التي توجد بها هذه المجموعة إنما هي العملية الصهرية التي يضطلع بها الحزب، أي عملية توحيد آراء الأمة وأفكارها ومعتقداتها توحيدا جماعيا إن لم يكن إجماعيا، على وجه يؤدي إلى توحيد عقيدتها ووجهة نظرها في الحياة و هدفها . وحجر الزاوية في العملية الصهرية هذه هو الاتصال الحي مع الأمة، والاتصال الحي هو الاتصال السائر مع وقائع الحياة مع الناس فرديا وجماهيريا بالأفكار، أي الاتصال بشكل طبيعي مع الناس بإنزال الأفكار على الوقائع المتجددة على نحو يوجد القناعة بمجموعة المفاهيم والمقاييس والقناعات التي يراد استلام الحكم على أساسها، ويهز القناعة بما هو سائد من أفكار أساسية و عرضية تتحكم بالمجتمع. والاتصال الحي - الجماهيري – مع غيره من الاعمال هو الذي يؤدي إلى إيجاد رأي عام للأفكار ويؤدي إلى أخذ الحزب لقيادة الأمة، إذ أن أخذ القيادة إنما معناه جعل الناس يعملون بالأفكار وللأفكار، والاتصال الحي هو الذي يوجد قوة للأفكار، لأنه إنما يعني وضع الإصبع على الواقع الذي دلت عليه الأفكار التي تم بثها في المجتمع، أي هو الذي يحول الأفكار التي يبثها الحزب إلى مفاهيم تحرك الجماهير للعمل بها ولها، فإن أرادوا أن يعملوا لها انقادوا للذي دعا للأفكار، أي للحزب، أي لأفراد الحزب الذين يقومون بالاتصال الحي، لا سيما للأفراد الأقوياء.
ثالثا: على أن انقياد الأمة للحزب في الأفكار لا تتحقق الغاية منه إلا إذا تم تنظيم الأمة تنظيما ملحقا بتنظيم الحزب، فانقياد الأمة للحزب في الأفكار لا يوصل إلى الحكم ما لم تتحول هذه الأفكار إلى قوة جماهيرية منظمة موحدة الإرادة. على أن الإرادة فردية في الإنسان، لأنها مزيج من الفكر والشعور، وهما فرديان، أي يقوما في الفرد، فتوحيد الإرادة، وبعبارة أخرى إيجاد الإرادة العامة يوجب إيجاد أفكار ومشاعر أو جهة تمثل مجموعة من الأفكار والمشاعر تتوحد عليها أفكار الناس ومشاعرهم، فتوجد بوجود هذه الأفكار والمشاعر أو هذه الجهة الإرادة العامة في الجماهير، وتنقلهم من حالة القطيع إلى حالة التنظيم الشعبي. على أن النظرة العميقة لأعمال الإنسان في الدنيا تري بأنه يلزم للقيام بالعمل وجود القدرة والإرادة، فالإرادة هي الدافع مربوط بمفاهيم – أي أنها مزيج من الفكر والشعور - والقدرة هي كمون التحرك لإشباع الدافع. فبغياب الدافع مربوطا بالمفاهيم، أو بغياب كمون التحرك فلن يتحرك الإنسان، وبألفاظ أخرى لن يقوم بالعمال . والأعمال الجماهيرية من جنس أيصال الحزب إلى الحكم تخضع لهذا القيد. فلا بد من توفر القدرة العامة، ولابد من توفر الإرادة العامة عند الجماهير لأجل أن توصل الحزب إلى الحكم، فلا يكفي أن تنقاد الجماهير للحزب بأن يؤثر في أفكارها ومشاعرها ويحدد لها الغاية، بل لا بد من تنظيم التحرك الشعبي لتوجد القيادة الشعبية المنظمة. والقدرة العامة عند الجماهير مهما كان عددهم ضئيلا قادرة على إيصال الحزب إلى الحكم مهما كان الحكم قويا. وما يرى من عجز الأمم والشعوب - ومنها الأمة الإسلامية، والشعوب الإسلامية - على هز الحكم في بلدان العالم إنما هو ناتج عن ضعف الإرادة العامة في الأمة أو الشعب، وليس ناتجا عن عجز هذه الشعوب، والملاحظ من سيرة الأنظمة التي سقطت بفعل تحرك الشعوب التي تحكمها أنه لم يكن متصورا سقوط هذه الأنظمة إلا بالأعمال المادية لقوة هذه الأنظمة من الزاوية المادية، أي لقوة بطشها بشعوبها، ولكن تحرك الشعوب سرعان ما أسقط هذه الأنظمة وجعلها جزءا من التاريخ.
بعد هذا الإدراك اليقيني لواقع القيادة الشعبية ، وبعد معرفة الداء أنه غياب الإرادة العامة صار لا بد من التفكير بكيفية إيجاد هذه الإرادة العامة، أي بكيفية إيجاد وحدة الأفكار والمشاعر أو وحدة الجهة التي تمثل هذه الأفكار والمشاعر عند الجماهير أي عند الأمة.
رابعا: إن القيادة بمعنى القدرة على التأثير في الأفكار والمشاعر مع تحديد الغاية، أي القدرة على ربط إرادة القائد بالمقود على وجه القناعة لأجل تحقيق غاية ، يلاحظ أنها أقوى ما تكون في حالة الانقياد لشخصية حقيقية تحمل مجموعة من المفاهيم والمقاييس والقناعات مبنية على الفكر الأساسي عند من يقاد، فالانقياد لشخصية حقيقية أقوى من الانقياد لشخصية معنوية، نتيجة لوجود مظهري السيادة و الخضوع في غريزة البقاء، والانقياد لشخصية حقيقية تحمل أفكارا عن الحياة مبنية على الفكر الأساسي عند من يقاد أقوى من الانقياد للشخصية الحقيقية بما هي شخص، وبمعنى أدق فالقيادة الفكرية أقوى من الزعامة الشخصية، لأن صورة الشخص قد تتزعزع، وقد تهتز، أما إذا كان الانقياد للأفكار التي يحملها الشخص فلا يمكن حدوث الزعزعة اللهم إلا بفقدان الثقة بأفكاره أو قدرته على أدائها، فالمقياس هنا هو الأفكار التي يحملها وقدرته على تمثل هذه الأفكار في قيادته للناس، وليس شخصه مجردا عن فكره. وبيان ذلك:
أن الإنسان فيه غريزة البقاء، وفيها مظهر السيادة، وبتأصل هذا المظهر لدى البعض لصفات معينة في شخصياتهم كالقوة، والقدرة على إدارة شؤون الناس فإنه يسعى لقيادة الناس، سواء بتأثير شخصيته أو أفكاره. على أن من مظاهر غريزة البقاء أيضا الخضوع للآخرين، لا سيما عند من لا يملكون قوة الشخصية أو يعجزون عن إدارة شؤونهم وشؤون غيرهم، فيخضعون لغيرهم ممن هم أقوى شخصية أو أكفأ قدرة على إدارة شؤونهم وشؤون الناس. فبوجود هذين النوعين من الناس : الذين يبرز فيهم مظهر السيادة، والذين يبرز فيهم مظهر الخضوع يتحقق طبيعيا وجود القيادة. على أن معظم النّاس هم ممن يؤثرون أن يخضعوا لغيرهم في إدارة شؤونهم، إما لعجز عندهم أو عدم فهم لمعنى إدارة الشؤون وتسيير الحياة، وقلة من الناس من يؤثرون قيادة الناس، لما في ذلك من مشقة وضنك، وإرهاق جسمي وعقلي، بالرغم من وجود اللذة العارمة من جراء وجود سلطة القيادة. على أن قدرة من يملكون الميل الطبيعي على القيادة على التأثير في الآخرين فكريا ونفسيا هو الذي يحقق لهم هذه القيادة فعلا، أي هو الذي يظهر قدرتهم التي تفوق الآخرين في التصرف في شؤونهم.
والشخصية الحقيقية تتمثل فيها طبيعيا هذه القدرة أكثر من الشخصية المعنوية، ذلك أن الشخصية المعنوية هي كيان، تأتلف فيه مجموعة من العناصر برابط معين، والعناصر في الشخصية المعنوية هي الأفراد بقطع النظر عن الرابط، فالذي يؤثر في الناس في الشخصية المعنوية ليس الأفراد أي الشخصيات الحقيقية بل هو الرابط الذي يربطهم. فالشخصية المعنوية من خصائصها أنها تذيب الناحية الفردية - الشخصية، بخلاف الشخصية الحقيقية التي تؤثر بوصفها إنسانا، لا بوصفها رابطا - سواء أكان أفكارا أم غيرها -.
والنتيجة اليقينية التي نخرج بها هو أن قيادة الناس من قبل شخصيات قيادية تحمل مجموعة من المفاهيم والمقاييس والقناعات مبنية على الفكر الأساسي عند من يقودونهم هو أعلى حالات القيادة مطلقا.



رد مع اقتباس