بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
قديما كانت الأمة الإسلامية تحكمها قوانين الإسلام، وكانت تسيّر حياتها ومواقفها بحسب ما أنزل الله تعالى. ولذلك اعتبرت الأمة رسالتها في الحياة نشر الإسلام، وإعلاء كلمة الله، وذلك بإزالة الحواجز المادية التي تحول دون ذلك. وجاء أمر الله تعالى لأمة الإسلام بالجهاد لتطبيق شرع الله في الأرض (( وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله )).(1). وهبّت الأمة الإسلامية لا يشغلها شاغل عن محاربة أعداء الله حتى تعلي كلمة الحق ـ كلمة الإسلام ـ ولو في أقصى العالم. عندها خاض عقبة بن نافع الأطلسي وقال: ( يا رب لو لا هذا البحر لمضيت في البلاد مجاهدا في سبيلك ).(2). وعندها بلغ المسلمون الصين وفرنسا في مائة سنة. وعندها علت مكانتهم بين الأمم فكانوا أعظم دولة في العالم لأكثر من ألف سنة.
وأما اليوم فقد انحطت أمتنا الإسلامية، وانخفض معها سلوكنا، واضمحلّ تفكيرنا حتى صرنا نرى في وضح النهار، الحق باطلا، والباطل هو الحق. وللأسف خضعنا لأفكار الكفر تغزونا وتعمل فينا هدما وتفريقا حتى هدمنا بأيدينا منارة عزّنا وسرّ حياتنا ومنبع كرامتنا، دولة الإسلام، حاميتنا وحاملة رايتنا. ولا زلنا نخضع لحكم الغرب حتى بعقولنا، ننشد الحياة في الغرب، ونتطلع إلى دولته قبلة أنظارنا، فمن قاتل يقول: أن الإسلام قد انتهى عهده إلى غير رجعة، وأن الأمم الراقية اليوم هي التي تسير وراء الحضارة الغربية، أو وراء العلمانية، والقومية. ومن قائل يقول: أننا يجب أن نشعر كما يشعر الأوروبي، ونحكم كما يحكم الأوروبي، ونعمل كما يعمل الأوروبي، ونصرّف الحياة كما يصرّفها أو قائل يدعو إلى ترك الإسلام وأمته ويتبنّى الشيوعية ويعتبرها مصدر فخر واعتزاز.. وهكذا..
حتى بلغ بنا الانحطاط درجة صرنا معها أن استعمار دول الغرب لنا وتحكمه في أراضينا، يمتص دماءنا ويسلب خيراتنا، ويذيقنا ألوان الهوان والذلّ طعنا وتفريقا، صرنا نرى فيه غاية الـمُنَى. وكيف لا ؟ ونحن نتمنّى أن نكون في حِمَى الغرب المتقدّم، وأن ندور معه حيث دار ولو تسلّط علينا وأعمل فينا حكم الكفر، واقتطع من بلادنا أعزّها وقدّمها لقمة سائغة لألدّ أعدائنا: اليهود، شذّاذ الأفاق ! ثم تجدنا نسعى إلى دول الشرق والغرب مستنجدين طالبين منهم أن يحلّوا لنا مشاكلنا التي صنعوها بأيديهم مكرا بنا وإذلالا لعزتنا، كي يتمكّنوا من العودة إليها ولا سيما بعد أن رأوا فيها بشائر نهضة ومعالم صحوة. نفعل ذلك كله مع أن أمر الله واضح لكل ذي عينين (( ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار ومالكم من دون الله من أولياء ثم لا تنتصرون )) (3).
وبعد أن كنّا نرى احتلال الكفار لنا عارا يلطّخ جبيننا ويلزم الموت دونه، وذلك استجابة لأمر الله تعالى: (( وقاتلوا في سبيل الله الذي يقاتلوكم.. )) (4) (( واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم.. )) (5). فاستجبنا لأمر الله تعالى. وهببنا للزود عن أحكام الإسلام وراية الإسلام وبلاد الإسلام، ورأينا كل ما عدا ذلك من العيش الرغيد رخيصا دون الإبقاء على دولة الإسلام ورايته. ولذلك رددنا الصليبيين على أعقابهم إذ جاؤونا غازين، وتصدّينا للمغول وقلبنا هم من كفار إلى مجاهدين في سبيل الله.
وأما اليوم، فقد صرنا نرى أن الاستعمار يقرّبنا من الغرب، وصرنا نرى في الغرب قبلة أنظارنا ومدار تفكيرنا وجلّ احترامنا وتقديرنا، حتى صرنا نتمنّى أن تأتي قوى الغرب على ضراوتها لحمايتنا وحلّ مشاكلنا، مع علمنا بأنّ الغرب هو الذي صنع لنا هذه المشاكل فأوجد لنا الحروب المحلية الداخلية كحرب لنبان، وأوجد لنا النزاعات على الحدود، وزرع اليهود شوكة في قلب فلسطين، وأوجد المنظمات الفدائية لتركيز هذه الدولة المسخ كي تقبل بها شعوب المنطقة على المدى الطويل، وبعد إدخال اليأس إلى النفوس من عدم جدوى الصراع مع إسرائيل. ومكّن النصارى من الاستيلاء على عذراء ماليزيا ( الفلبيين ) ومن العمل على تنصير المسلمين في آسيا وأفريقيا.. وهكذا أَغْرَقَنَا بالمشاكل وتَظَاهر بالعمل على حلّها كي يُحكِِم علينا الطوق ويُجْهِز على هذه الأمة الإجهاز الأخير.
وقد غفلنا أو غاب عنّا تحذير الله لنا من الوقوع في حبائل الكفار: (( يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردّوكم بعد إيمانكم كافرين )) (6). (( ودّ كثير من أهل الكتاب لو يردّوكم بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق )) (7). ولكن بالرغم من كل ما جرى، فإن هذه الأمة لهم تمت بعد وظنّ الغرب في أوائل هذا القرن أنها قد انتهت وقضي عليها، ولكن خاب فأله لما رأي الإسلام قد عاد يتحرك في النفوس ويحرّكها لإيجاده في مكان الصدارة بين الشعوب والأمم، ولا سيما بعدما أدرك المسلمون أن سبيل نهضتهم الوحيد هو في الإسلام، وفي استئناف حياتهم الإسلامية من جديد عن طريق إعادة دولة الإسلام إلى الوجود الدولي مرة أخرى.
ونحن اليوم ندرك يقينا أن الغرب إذا استطاع أن يغلبنا في وقت ضعفنا، فلم يكن ذلك راجعا إلى قوته، بل كان لانحطاط تفكيرنا وجهلنا، وعدم فهمنا لأفكار الإسلام. فاستطاع الغرب أن يضلّلنا ويغزونا بفكره ومن ثم بقواته. وأننا وقد أدركنا أن بعودتنا إلى الإسلام وأفكار الإسلام تكمن عزّتنا ويكمن تحريرنا من ربقة الاستعمار، فإن الأمل بحصول النهضة في كافة مجالات الحياة ابتداء من الارتفاع الفكري على أساس الإسلامي، و مرورا بالانقلاب التشريعي، وانتهاء بالنهضة التقنية والصناعية في مجال الصناعات الثقيلة، بما في ذلك صناعة الأسلحة. هذا الأمل قد بات وشيكا، وليس مستحيل الوقوع كما يظن بعد السطحيين السذّج من أبناء هذه الأمة، والله من وراء هذه الأمة، ولن يضيعها أو يتركها هكذا لقمة سائغة للكفار ( والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون ).
المؤلف


رد مع اقتباس