تابع
وما كانت الدوائر الغربية لتقوم بما قامت به لولا أن الإسلام بوصفه عقيدة عقلية ينبثق عنها نظام للحياة صار هو الفكرة الوحيدة التي تشكل تهديدا حقيقيا للأنظمة القائمة في العالم الإسلامي ، وأن تيار الإسلام بوصفه تيارا سياسيا قد فرض وجوده .
9ـ من جانب آخر فإن الغرب الكافر وعلى رأسه أميركا هو الذي يقف اليوم وراء الحرب الشرسة التي تشن على الإسلام والمسلمين ، وهو الذين يطلقون ـ ولو على ألسنة عملائه ـ صرخات التحذير من خطر ما يسمى " بالأصولية " على المنطقة برمتها وعلى العالم بأسره ، للوقوف في وجه تيار الإسلام ومقاومته بإعلان الحرب على حملة الدعوة الإسلامية في كل مكان وتأليب الرأي العام العالمي على الإسلام والمسلمين باسم " محاربة التطرف والإرهاب " أو عن طريق الأعمال السياسية .
ففي الجزائر بلغ حقد الفئة العلمانية الحاكمة مداه متمثلا بأعمال القتل وسفك الدماء وهتك الأعراض بوحشية لم يسبق لها مثيل ، وفي مصر لم تكتف السلطة بملاحقة حملة الدعوة الإسلامية وزج الآلاف منهم في السجون والمعتقلات ، بل أعطت الأوامر لأجهزتها الأمنية بإطلاق النار على حملة الدعوة في الشوارع والطرقات ، وقامت بإعدام الكثيرين منهم .
أما في تركيا فقد صرح العسكريون أن إصرارهم على تطبيق الحظر الذي فرضوه على ارتداء الحجاب في الجامعات إنما هو من أجل حماية العلمانية بكل أشكالها ومظاهرها ، ولأن الحجاب يُعَد ـ على حد تعبيرهم ـ مظهرا من مظاهر عودة الإسلام للحياة السياسية ، وأكثر من ذلك فقد طالب العلمانيون بتتريك قراءة القرآن في الصلاة وبتتريك الأدعية التي يدعى بها للميت حتى يتأتى للميت فهم هذه الأدعية !! هذا إلى جانب عمليات الإقالة الجماعية من الجيش التي تطال منذ سنوات من تصفهم المؤسسة العسكرية بأنهم ذوو ميول أصولية .
وفي إيران ينشب صراع حاد بين الفئة العلمانية الحاكمة المدعومة من الغرب وبين تيار الإسلام الذي يقف بقوة في وجه التحول نحو العلمانية باسم الانفتاح الحضاري أو الانفتاح على الثقافات الأخرى .
وما الاجتماع الدوري الذي يعقده وزراء الخارجية العرب لوضع الخطط ورسم الأساليب للحيلولة دون عودة الإسلام إلى معترك الحياة تحت شعار ( مكافحة التطرف والإرهاب ) إلا عمل من أعمال هذه الحرب الشرسة .
هذه المؤشرات البارزة تدل بشكل واضح على أن فكرة إيجاد الإسلام في واقع الحياة قد بدأت بالتحول فعلا من قوة روحية في الأمة إلى قوة مادية ، وأن تيار الإسلام أصبح يقف في وجه القوى الأخرى المعادية ، وأن الإسلام أصبح عند المسلمين دينا منه الدولة ، والعقيدة الإسلامية في نفوس المسلمين ارتبطت بأفكار الحياة وأنظمة التشريع ، أي أصبحت العقيدة الإسلامية في نفوس المسلمين عقيدة سياسية . فما على الحزب إلا أن يعمل على استكمال هذا التحول حتى يتم نقلها إلى التطبيق الفعلي في واقع الحياة .
محاولة أخذ قيادة الأمة
حتى تطبق الأفكار في واقع الحياة لا بد من تحويلها من فكر مجرد إلى قوة دافعة في الناس ، فتؤمن بها جمهرة الناس وتفهمها وتحملها ، وتكافح في سبيل تطبيقها ، وحينئذ يصبح تطبيقها أمرا حتميا ونتيجة طبيعية .
لذلك كان لزاما على الحزب أن يستكمل دور التفاعل أو دور تحويل الفكرة إلى قوة دافعة في الناس بمباشرة القيام بمحاولة قيادة الأمة الإسلامية للعمل من أجل تحقيق الفكرة الإسلامية في معترك الحياة تحت قيادته . والمحاولة تكون بقيادة الأمة كلها بوصفها أمة لأن تحمل معنا الدعوة الإسلامية لإقامة دولة الخلافة ، وتقف مع الحزب وتحت قيادته في وجه الكفر والكفار ، والعملاء والمنافقين ، فلا ينفرد الحزب في كفاح من يقفون حائلا دون تطبيق المبدأ ومن وضعوهم أمامهم من الفئات الحاكمة والظلاميين والمضبوعين بالثقافة الأجنبية ، فإذا نجح الحزب في هذه المحاولة تكون الأمة حينئذ قد اتخذت مبدأ الحزب مبدءا لها ، والحزب قائدا لها ، فينتقل الحزب إلى نقطة الارتكاز انتقالا طبيعيا ، ويقود الأمة لأخذ الحكم كطريقة لتطبيق المبدأ على الأمة ، ثم يقودها لحمل الدعوة الإسلامية إلى العالم بالجهاد .
أما كيف نقود الأمة بمجموعها للعمل من أجل تحقيق الفكرة الإسلامية في معترك الحياة ؛ فإن لكل عمل يقوم به الإنسان سببين يتعاونان معا في إيجاد الإرادة التي تُعيِّن العمل ، والثاني هو السلطة التي تُنفِّذ .
والإرادة توجَد نتيجة لتحرك الطاقة الحيوية ، والاندفاع على وجه معيَّن . والذي يثير الطاقة ويحركها هو الواقع المحسوس المثير للمشاعر ، أو الفكر المعبِّر عن واقع مثير للطاقة . فإذا ثارت الطاقة تطلبت الإشباع ودفعت الإنسان لتحقيقه ؛ فكان لا بد لكل من يحاول قيادة الناس ليقوموا بأعمال معينة من تقصُّد إثارة شعور الجماعة بتطلب الإشباع ، أو مباشرة قيادتها حال شعورها بتطلب الإشباع .
أما الاندفاع للإشباع على وجه معيَّن فإنه يحصل جرّاء ارتباط المشاعر بالمفاهيم ؛ لأن الإنسان يندفع للإشباع على الكيفية التي تمليها عليه مفاهيمه ، والمفاهيم هي التي تعين للإنسان نوع المشاعر الدافعة وكيفية السير . على أن هناك فرقا بين الحماس والإرادة ينبغي التنبه له حين العمل على إيجاد الإرادة عند الأمة للقيام بأعمال حمل الدعوة لإقامة الدولة ، ذلك أن تحرك الطاقة الحيوية بمثير ما ينتج رغبة في الإشباع ، أو أمنية لتحقيق الإشباع قد ينتج عنهما حماس واندفاع للقيام بأعمال ، لكن هذا الحماس سرعان ما يخبو إذا لم توجد الإرادة ، لأن إرادة القيام بالعمل تعني التصميم على إنجاز العمل مهما كان شاقا ومضنيا ، كما تعني الثبات على ذلك والاستمرار فيه ، وحتى توجد الإرادة لا بد أن تكون إثارة المشاعر قوية ودائمة مع استمرار ربط هذه المشاعر والعامل الخارجي المثير بالمفهوم المعيَّن الذي يحصل به الإشباع ، فيصمد أصحاب هذه الإرادة للعواصف التي تستهدف إطفاء جذوتها في النفوس ، قال تعالى : الذين قال لهم الناس إنّ الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل ، فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله ، والله ذو فضل عظيم ، إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين وقال تعالى : الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله وكفى بالله حسيبا .
فإذا كانت العقيدة الإسلامية حية في نفوس المسلمين فهي كفيلة بإيجاد قوة روحية هائلة تؤدي إلى إيجاد إرادة خوض الصراع وحمل الدعوة ، لكن إذا فقدت نفوسهم تصوير العقيدة لما بعد الحياة من عذاب ونعيم وانطفأت جذوتها في النفوس وأصبحت العوامل الخارجية الأخرى أشد تأثيرا في الطاقة من المفهوم المعيَّن كأن يكون عقاب السلطة أقوى تأثيرا في نفوس المسلمين من عذاب الله ، أو يكون متاع الدنيا وزخرفتها أقوى تأثيرا من ترغيب القرآن الكريم بالجنة وترهيبه من النار ، فإنه لن توجد عندهم إرادة القيام بأعمال حمل الدعوة ،
فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ