بسم الله الرحمن الرحيم
متابعة سياسية
رحلة الرئيس عبد المجيد تبون إلى الجزائر وعودته لاستكمال العلاج في ألمانيا

أعلن التلفزيون الجزائري الرسمي يوم الثلاثاء 29 ديسمبر/كانون الأول 2020 أن الرئيس عبد المجيد تبون عاد إلى البلاد "سالمًا معافىً" بعد تلقيه العلاج من كوفيد-19 بأحد المستشفيات الألمانية، في رحلة علاج استمرت شهرين منذ 29 أكتوبر/تشرين الأول الماضي.
وبعد عودته مباشرة قاد تبون اجتماعات الحكومة، ووقع قانون الموازنة لعام 2021، وصدق على التعديل الدستوري الجديد . ولم يمضِ وقت طويل على عودته حتى تم الإعلان عن سفره إلى ألمانيا مرة أخرى لاستكمال العلاج، دون أن يُعلن عن مدة محددة لغيابه، وهو ما يلقي بالشك على حقيقة وضعه الصحي.
وقد بدت عودته إلى الجزائر وسفره بعد أقل من أسبوعين لاستكمال العلاج وكأنها مهمة عاجلة للتوقيع على الدستور الجديد وقانون المالية لعام 2021، وتثبيت الواقع الذي تم تصميمه من قبل الجيش لاحتواء الحراك الشعبي ولجم الأحزاب السياسية، وإضفاء الشرعية على تركز السلطة بيد الوجوه الجديدة من الجنرالات الذين ورثوا الدولة العميقة، بقيادة الجنرال سعيد شنقريحة ورجاله، بعد صراع شرس وتصفيات بين الأجنحة المختلفة، بما في ذلك تصفية جناح رئيس الأركان قايد صالح، من خلال الانقلاب على رجاله والعمل على رد الاعتبار للرموز العسكرية التاريخية والأجهزة الأمنية، وذلك لتحييد الشارع الجزائري تمامًا.
كما بدت عودة الرئيس من ألمانيا ضرورة لتبديد الشائعات، وسد الذرائع أمام المطالبة بتفعيل المادة 102 من الدستور، والتي نادت بها بعض الجهات، وألمح إليها عبد الرزاق مقري، رئيس «حركة مجتمع السلم»، ذلك أن غياب الرئيس عن ممارسة مهامه يبرر عزله دستوريًّا.
ويتضح من ذلك أن عودة الرئيس تبون الذي لا يمثل أكثر من دمية وواجهة سياسية لحكم الجنرالات قد تمت بالتنسيق مع الجنرال شنقريحة؛ لقطع الطريق على أية مطالب تحول دون إقرار الموازنة وإقرار التعديل الدستوري الذي طال وظيفة الجيش، ولقطع الطريق على تقويض مسار الهيكلة الجديدة للسلطة أو عودة الكرة إلى الشعب بعد تنحيته.
لقد دشنت وفاة قايد صالح الغامضة بعد تسلم تبون الحكم مباشرة مرحلة جديدة من فصول الصراع على السلطة ومراكز القوة، وعلى صعيد احتواء الحراك الجزائري. فعقب وفاة القايد صالح قام الرئيس تبون بتغييرات كبيرة داخل الجيش الجزائري، طالت القيادات التي عينها رئيس الأركان السابق، وتعزيز عصابة الجنرال شنقريحة. ومن أبرز تلك القيادات التي سارع تبون والجنرال شنقريحة إلى التخلص منها هو مدير المخابرات واسيني بوعزة، الذي حاول دعم عزالدين ميهوبي منافس الرئيس تبون، وجاء التخلص من واسيني بوعزة في مصلحة مدير المخابرات السابق الجنرال محمد مدين (توفيق)، وبشير طرطاق منسق الأجهزة الأمنية، والسعيد بوتفليقة شقيق الرئيس، فكان ذلك مؤشرًا على تحرك مياه الدولة العميقة عبر شقوق السلطة.
وفي آب/أغسطس الماضي أطاح الرئيس تبون بعدد من كبار الضباط في ثلاث إدارات مهمة في وزارة الدفاع، من بينهم اللواء عبد القادر لشخم رئيس دائرة الإشارة وأنظمة المعلومات والحرب الإلكترونية، واللواء علي عكروم رئيس دائرة التنظيم والإمداد لأركان الجيش، واللواء رشيد شواكي مدير الصناعات العسكرية.
ويندرج ذلك كله في إطار طي صفحة المرحلة الانتقالية ورموزها وإعادة انتاج المواقع القيادية العسكرية، والأمنية؛ لضمان دور الجيش وإحكام قبضته على السلطة بعد أن تمكن من الالتفاف على الحراك عبر الانتخابات الرئاسية والتعديلات الدستورية.
ويندرج تحت ذلك أيضًا تسوية الخلافات مع الحرس القديم ورجالاته مثل الجنرال "توفيق"، الذي تجري إعادة محاكمته تمهيدًا لإبرائه أو تخفيف الحكم عليه، وعلى سعيد بوتفليقة المحسوب على الحرس القديم بعد أن جرى التمهيد لذلك بإبراء لويزة حنون، بالإضافة إلى إفراغ مذكرة الجلب التي صدرت بحق خالد نزار الذي عقّب على تعيين شنقريحة رئيسًا للأركان أن "الجيش صار في أيادٍ أمينة". ثم ما لبث أن تم إبراء خالد نزار بقضية غسيل الأموال في إسبانيا، وإلغاء الحكم الغيابي الصادر بحقه في الجزائر (لمدة 20 عامًا) قبل عودته إلى الجزائر بشهر، حيث عاد مؤخرًا إلى إحدى القواعد العسكرية الجزائرية على متن الطائرة الرئاسية لإعادة محاكمته حضوريًّا وإغلاق ملفه، وهو الأمر الذي استغله خصوم السلطة الحالية لتأليب الرأي العام عليها.
وهذه المعطيات تدل على أن تبون مجرد واجهة جاء به العسكر؛ وأن العسكر هم الحكام الحقيقيون للجزائر، وأن الانتخابات الرئاسية الأخيرة ليست إلا إجراءً لتسكين الشارع، وإعطاء المؤسسة العسكرية بعض الوقت لالتقاط أنفاسها، وإعادة إنتاج القيادة السياسية التي تلبي مصالح العسكر، وترضي من خلفهم، وتسيطر على الشارع، وتفكك الكتلة الصلبة للحراك الجزائري.
إن بقاء تبون في السلطة الآن مرهون بإرادة العسكر، وقدرتهم على الاستفادة من بقائه واجهة لإعادة ترتيب أوراقهم في الداخل، وإرسال رسائل طمأنة لمشغليهم في الخارج. أما انتقاد تبون للتطبيع ولهرولة بعض الدول لتوقيع اتفاقيات سلام مع كيان يهود، فهو لا يعدو كونه تماهيًّا مع الموقف الشعبي في الجزائر الرافض وبشدة للتطبيع، لا سيما وأن حكام الجزائر يستمدون بمعية الجيش شرعيتهم من مواقفهم من قضية الصحراء المغربية، ومن موقفهم المتماهي مع مشاعر أهل الجزائر تجاه قضية فلسطين، رغم أنهم يعلنون التزامهم بالمبادرة العربية وحل الدولتين.
ولا يخفى أن الجنرال شنقريحة قد استغل المستجدات الإقليمية في ليبيا التي تم فيها تهميش دور الجزائر ومصالح قيادتها عبر التقارب بين مصر وحكومة السراج، والالتفاف على الدور التركي المتناغم مع الجزائر، واستغل المستجدات المفاجئة من قضية الصحراء المغربية التي يغذي الجيش تدخله في السلطة من خلالها في الاستدارة علنًا نحو جناح الجنرال مدين (توفيق) وذيوله الأمنية، وترتيب عودة الجنرال خالد نزار، في محاولة لرد الاعتبار للجيش، وتفعيل دوره من بوابة القضية الصحراوية، وتقوية الأجهزة الأمنية وتوحيد صفوفها، وتمتين تماسك السلطة وإنهاء انقسامها الذي قاد الأجنحة إلى الاستثمار في الحراك الشعبي والاستقواء به، وأتاح المجال للتشغيب من قبل فرنسا على الوضع الجزائري والتحريض على الفوضى، وهو ما برز في تصريح ماكرون لمجلة jeune afrique الفرنسية في وقت سابق، حيث قال أنه: "يدعم الرئيس تبون في قيادة مرحلة انتقالية لمساعدة البلاد على تجاوز أزمتها السياسية". ما يعني حل جميع المؤسسات المنتخبة واستبدال مجلس تأسيسي يصوغ دستورًا جديدًا للبلاد بها، قبل إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية أخرى.
وبرز التشغيب على الوضع الجزائري أيضًا في انتقاد البرلمان الأوروبي لأوضاع حقوق الإنسان في الجزائر، وفي نشاط السفير الفرنسي فرانسوا غويات الذي ندد به عدد من أعضاء البرلمان الجزائري والقادة والأحزاب السياسية، ووصفوه بالتدخل الفرنسي في الجزائر، واتهمته النائبة أميرة سليم بأنه "يقوم باستقبال المروجين للمرحلة الانتقالية في مقر سفارته تحت حجة دعم حق التعبير السياسي الحر والدفاع عن حقوق الإنسان"، وقالت: "السفير الفرنسي يستغل الفراغ في مشهدنا السياسي لنشر الفوضى والتحريض، ولن نقبل بمرحلة انتقالية بأي ثمن وسيوقفه البرلمان". بينما عقب وزير الإعلام الجزائري عمار بلحيمر في تصريح لوكالة الأنباء الرسمية أن بلاده "تتعرض لهجمات كلامية من فرنسا".
وفي ظل هذه الأجواء تأتي هيكلة رئيس الأركان الجنرال شنقريحة للجيش والأجهزة الأمنية من أجل احتواء التدخل الفرنسي، الذي يحاول أن يطل برأسه ويحرض الأمازيغ على الانفصال، مستغلًا احتقان الشارع الجزائري من التردي الاقتصادي، الناتج عن تراجع الطلب العالمي على النفط بسبب كوفيد-19، والذي أثّر على موارد الجزائر النفطية وخفّضها بنسبة الثلث. وتراجع الاحتياطي الأجنبي من 200 مليار دولار عام 2014 إلى 44 مليار دولار. وخسارة الدينار الجزائري نسبة 20% من قيمته أمام اليورو في 2020. الأمر الذي دفع بعض الجزائريين إلى القول إن اليونسكو أعلنت عن العملة الجزائرية كشيء مهدد بالاختفاء!.
وتأتي هذه الهيكلة أيضًا من أجل توحيد موقف الدولة العميقة في وجه أي حراك شعبي أو تغييرات إقليمية في المرحلة المقبلة بشأن التطبيع وليبيا ودور الجيش في المهمات الخارجية، وبخاصة في مالي، التي تسعى الولايات المتحدة إلى تقويض الوجود الفرنسي فيها سيما بعد جنوح فرنسا إلى تشكيل قوة عسكرية موالية لها وممولة من قبلها لتفادي الخسائر البشرية في جنودها والتي ازدادت في الفترة الأخيرة.

5/جمادى الآخرة/1442هـ
18/1/2021م