بسم الله الرحمن الرحيم
متابعة سياسية
حماس وحجة "الشراكة الوطنية"
{يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون}
مع فوز بايدن في الانتخابات الأميركية شهدت المنطقة حراكًا سياسيًّا يريد الحكامُ من خلاله أن يصوروا بايدن لأهل المنطقة بأنه المُخلّص، وأن يغلفوا خيانتهم بستار الانفراجة المكذوبة القادمة من بوابة فوز بايدن على ترمب، وبخاصة وأن الرئيس بايدن قد وعد بضخ الأكسجين في رئة الديموقراطية الأميركية التي يتنفس منها قادة العالم، بعد أن كتم سلفه أنفاسهم وصادر إرادتهم ومارس القمع والإذلال عليهم، ووعد بضخ الدماء في عروق العملية "السلمية" التي يحاول أطرافها التحضير لاستئنافها، بمن فيهم حزب غانتس المعارض الرئيس لنتنياهو في "إسرائيل"، وتركيا وقطر اللتان تملكان التأثير على حركة حماس، ويريدان تسجيل نقاط لصالحهما في مواجهة خصومهما الإقليميين، بالإضافة إلى روسيا التي يعنيها الحضور في ملفات الشرق الأوسط وعرض خدماتها لبايدن بصفتها أحد الضامنين مع تركيا ومصر وقطر لتوحيد الموقف الفلسطيني بشأن الانتخابات، وكذلك إيران التي تغازل إدارة بايدن وتذكره بقدرتها على الإسهام في استقرار المنطقة في الملفات التي على طاولته، ومنها أمن الكيان الصهيوني وحرب اليمن والملف السوري والعراقي واللبناني، ومسار العملية "السلمية" والتطبيع، من خلال تليينها لموقف حماس وغض الطرف عن ارتمائها في أحضان المستسلمين، وذلك أملًا بالعودة إلى الاتفاق النووي وإنهاء الحصار عليها.
فمع الإعلان عن فوز المرشح الديمقراطي بايدن بالانتخابات، قرر محمود عباس إعادة العلاقات الأمنية مع "إسرائيل"، بصورة بدت ترحيبًا بانتخاب جو بايدن الذي لا يملك إلغاء قرارات ترمب بشأن القدس ونقل السفارة، أو وقف التطبيع الذي تُجمع عليه كل القوى السياسية الأميركية والدول الأوروبية وروسيا والأنظمة الخائنة في بلاد المسلمين، ما يعني أن قرار عباس باستئناف التنسيق الأمني مع الكيان الصهيوني، والموافقة على إجراء الانتخابات الفلسطينية، إنما هو استجابة لاستحقاقات المرحلة المقبلة، ومواصلة استغفال أهل فلسطين وخداعهم، وتوفير الشرعية لتميم وابن سلمان وقطيع المطبعين من حكام البلاد العربية والإسلامية.
أما الحكومة الإسرائيلية فقد قابلت خطوة عباس هذه بالإفراج عن أموال السلطة المجمدة مطلع هذا الشهر؛ لفتح نافذة للتواصل مع إدارة بايدن، ولتمكين عباس من دفع رواتب جواسيس السلطة الأمنية وإنعاش الاقتصاد الفلسطيني، الذي يوشك على الانهيار، ويهدد بزعزعة استقرار الأمن الإسرائيلي، سيما وأن الانتخابات الإسرائيلية الوشيكة التي يرجو نتنياهو الفوز فيها للنجاة من المحاكمة، تمثل تحديًّا غير مسبوق أمام عودته إلى الحكم.
وفي أثناء ذلك، أعلنت حماس بشكل مفاجئ على لسان رئيس المكتب السياسي إسماعيل هنية عبر قناة الأقصى عن تنازلها عن شرط إجراء انتخابات "متزامنة" للمجلس التشريعي والرئاسة والمجلس الوطني لمنظمة التحرير، وأعلنت موافقتها على مطلب رئيس السلطة الوطنية محمود عباس بإجرائها على "التوالي"؛ أي بإجراء الانتخابات التشريعية أولاً ثم الرئاسية، ثم المجلس الوطني لمنظمة التحرير.
وجاء هذا القرار من جانب حماس بعد نحو شهر على فشل حوارها في القاهرة مع حركة فتح، بدعوى استئناف سلطة رام الله تنسيقها الأمني مع الكيان الصهيوني. غير أن تراجع حماس المفاجئ عن شرطها بشأن ترتيب الانتخابات رغم ما ينطوي عليه تأخير انتخاب المجلس الوطني من تداعيات على ملف اللاجئين، يدل على مراوغة قادة الحركة الذين برروا توقف الحوار حول الانتخابات والمصالحة باستئناف السلطة تنسيقها الأمني مع "إسرائيل"، إذ ما لبثت أن تراجعت عن قرارها رغم مواصلة السلطة تنسيقها الأمني، واتخذت من وعود الدول الضامنة (روسيا وتركيا ومصر وقطر) حجة لتبرير استدارتها المفاجئة، وهو ما يكشف عن تواطؤ لفتح الطريق أمام مسيرة الخيانة والتطبيع والاستسلام، سيما وأن الحركة تدرك أن سلطة عباس إنما تحاول إرجاء انتخابات المجلس الوطني لإفساح المجال للكيان الصهيوني لتصفية ملف اللاجئين بتوطينهم في الشتات، واستثنائهم من التصويت على المجلس الوطني.
وهذا كله يعيدنا بالذاكرة إلى قبول حماس حلَّ الدولتين على حدود 1967 في وثيقة التنازل المخزية التي أعلنها خالد مشعل في قطر قبيل انتهاء رئاسته للحركة، والتي رافقها انتقال قيادة الحركة إلى ما يسمى بالجناح المعتدل بقيادة إسماعيل هنية، ويحيى السنوار، الذي لا يمانع من العلاقة مع نظام بشار الدموي، ويمدح نظام السيسي القاتل، وينسق مع الخائن دحلان، وجيء بخليل الحية من أجل أن يعملوا جميعًا على إسكات "المقاومة" الداخلية وردع المخالفين.
وفي هذا السياق حاول يحيى السنوار وخليل الحية أن يمررا مطلب السلطة و"إسرائيل" بجعل قرار الحرب والسلم موحدًا، ففي لقاء مع النقابات المهنية بغزة في ٢٤/١٠/٢٠١٧ قال يحيى السنوار: "سلاحنا بالتأكيد يجب أن يكون تحت مظلة وطنية جامعة يشارك فيها الكل الفلسطيني، وهي مظلة منظمة التحرير"، وبشّر من يراهن من كوادر الحركة على محمد الضيف قائد كتائب القسام بأن "الضيف يدعم هذا التوجه"، بينما قال خليل الحية، عبر فضائية الأقصى بتاريخ ١٥/١٠/٢٠١٧ "نريد أن يكون قرار السلم والحرب موحدًا، وهذا لن يكون إلا عندما تكون مؤسساتنا واحدة وكلنا موجود فيها، عندما تصبح حماس والجهاد والقوى في منظمة التحرير، ولها برنامج واحد". وهو الأمر الذي تولت المخابرات المصرية فرضه كأحد بنود النقاش بين فتح وحماس عندما اقترحت إنشاء مجلس أعلى يملك "قرار السلم والحرب"؛ لتمكين حماس والفصائل المسلحة من التخلي عن خيار المقاومة المسلحة، وهم الذين يعرفون مسبقًا أن الغاية من "المصالحة الوطنية" وتوحيد "قرار السلم والحرب" تحت مظلة منظمة التحرير وسلطة عباس إنما يراد به إحالة "سلاح المقاومة" إلى التقاعد.
فالواضح من تراجع حماس مؤخرًا بشأن الترتيبات الانتخابية في ظل التطبيع الخياني، والحراك الإقليمي المبتهج بقدوم بايدن، وفي ظل المتغيرات التي ستفرزها الانتخابات الإسرائيلية، أن الوضع يسير نحو العودة لأجندة ضم حماس والفصائل المسلحة تحت جناح السلطة ومنظمة التحرير تمهيدًا لاستئناف المفاوضات العبثية ومواصلة تصفية قضية فلسطين على يد أوصياء المقاومة والجهاد وبشرعية منهم.
وبما أن "المصالحة الوطنية" والسير في الانتخابات هو الإسم الحركي للتنازل والاندماج في الوسط السياسي العميل، وعنوان التفريط والخيانة التي لم تعُد خافية على حماس وفصائل المقاومة، ولم تعد خافية نهايتها التي تشير الدلائل بأنها ستؤول إلى سيادة إسرائيلية على الأرض ووصاية فلسطينية أردنية على السكان بصيغة يتم التوافق عليها في حينه. والواجب الذي يحتمه هذا المسار على حماس والفصائل المسلحة إذا كانوا جادين في الحفاظ على خيار المقاومة، أن يرفضوا العملية الخيانية الجارية على الأقل، وأن يرفضوا الانخراط في الانتخابات أو المشاركة في سلطة لا تعدو عن كلب حراسة للعدو. وأن لا يخضعوا للإملاءات التي تحوّل وجهة السلاح عن العدو الغاصب إلى إخوة العقيدة والدم والسلاح لكسر رقابهم التي هدد السنوار بكسرها إذا وجد اعتراضًا منهم على ما سيُقدم عليه من"تنازلات صاعقة ومفاجئة، وكل تنازل سيكون أكبر مما سبقه" بخصوص المصالحة وتبعاتها بحسب قوله حينما تولى منصبه.
إن التنازل الذي قدمته حماس في أجواء التحضير لاستكمال بايدن ما بدأه ترمب، ليس تنازلًا لشركاء الوطن كما تزعم، بل هو تفويض سلطة عباس للتنازل وتصفية القضية، وهو ما يجعلها شريكًا في الخيانة إن حصل. وإن من المؤسف أن تنهج حماس التي تقدم نفسها حركة جهاد ومقاومة، نهج الأنظمة والحركات الوظيفية، وأن تندمج في اللعبة الخيانية بحجة "الإجماع الوطني".
ومن الخزي أن تراهن على الأنظمة الخائنة بدل المقاومة والجهاد، والذي تعلم يقينًا أن لا تحرير للأرض والمقدسات بغيره.
ومن المخجل أيضًا لحركة تعرف مقتضيات الجهاد أن تستثمر في الضعف لتبرير موقفها في الوقت الذي ترفع فيه شعار القوة "وأعدوا"، وتنقض غزلها في "الإعداد" بعد قوة أنكاثًا، وأن تلوذ بباب "الضرورة" التي إن جاز أن تلوذ بها لوقف مقاومتها، لا يجوز أن تتخذ منها حجة للتفريط والتنازل والسير في ركب العملاء وتفويضهم بتصفية القضية التي تحمّل أبناؤها الحصار والجوع والعناء وضحوا بآلاف الشهداء لأجلها.
وإن كانت مخلصة، فمن السذاجة أن تظن بأن عملاء الولايات المتحدة في قطر وإيران يقدمون لها الدعم بلا مقابل، وأنهم لا يتاجرون بـ"المقاومة" ودعمها للتقرب إلى الصنم الأميركي، وتقديم فلسطين لأعداء الله ثمنًا لاحتفاظهم بعروشهم.
إن ما يجب على المسلمين وكوادر التنظيمات الإسلامية هو أن يحذروا حكامهم الخونة المجرمين، وأن لا يطيعوا قادة تنظيماتهم المشبوهين وأن يأخذوا على أيديهم، وأن لا يرضونهم بسخط الله الذي قال: {فاتبعوا أمر فرعون وما أمر فرعون برشيد يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار وبئس الورد المورود}
ونسأل الله لإخوتنا المخلصين من أبناء الفصائل الجهادية المقاومة للاحتلال الصهيوني أن يهديهم إلى أرشد أمرهم.
29/جمادى الأولى/1442هـ
13/1/2021م