بسم الله الرحمن الرحيم
متابعة سياسية
هل فقدت الدولة العميقة السيطرة على الواقع السياسي الأميركي؟ أم أنها أعادت الأمور الى نصابها؟
اقتحم متظاهرون مؤيّدون لترامب مبنى الكابيتول عصر الأربعاء بتوقيت الولايات المتحدة 6 كانون الثاني/يناير وعطلوا جلسة المصادقة على فوز بايدن بالرئاسة، بعدما شاركوا في مظاهرة قرب البيت الأبيض دعا إليها الرئيس المنصرف احتجاجًا على هزيمته في الانتخابات التي ما زال يصر على أنّها "سرقت" منه.
ودارت بين المحتجين وبين قوات الأمن مواجهات، انتهت بمقتل 4 أشخاص، واضطر المجتمعون في الكابيتول للاحتماء ريثما وصلت تعزيزات أمنية واستعادت السيطرة على المبنى بعد حوالي 4 ساعات من اندلاع الفوضى.
تزامن ذلك مع خطاب بنس والبدء في مناقشة اعتراض إريزونا، ومع تغريدة ترمب بأن بنس قد خانهم، ومع رفض مجلس الشيوخ بأغلبية ساحقة الاعتراض الذي قدّمه مشرّعون جمهوريون على فوز بايدن في الانتخابات الرئاسية بولاية أريزونا.
وقد حصل ذلك على خلفية مزاعم ترمب بوجود فساد انتخابي كبير أدى إلى خسارته للانتخابات، والتي بدأ ترمب بالترويج لإمكانية تزويرها منذ صيف ٢٠٢٠ قائلًا "إذا خسرنا فذلك سيكون بسبب فساد في الانتخابات"، وهو ما يشي بأنه أدرك تخلي الدولة العميقة عنه، وبخاصة حينما تم استهدافه مبكرًا في عدة قضايا، كدفاعه عن ابن سلمان في مقتل جمال خاشقجي، وقضية استغلال السلطة في الضغط على أوكرانيا لمصالح انتخابية، وتلويح بعض الجهات بسحب الثقة منه وإسقاطه، حيث أشار حينها بأنه "يتعرض لخيانة".
كما يشي تلويحه المبكر بالتمرد أنه قد أضمر النية لإحداث بلبلة داخلية أو اللجوء لعمل عسكري خارجي ضد إيران. وهذا ما يؤكده التصريح الذي أطلقه بالأمس حيث غرد عبر تويتر "هذه الأحداث تقع عندما يُجرَّد الوطنيون العظماء، الذين عوملوا بطريقة سيئة وغير عادلة لوقت طويل، من فوز ساحق ومقدس بطريقة وحشية وغير قانونية" وتصريحه اليوم 7 كانون ثاني/يناير "على الرغم من أنني أختلف تمامًا مع نتيجة الانتخابات، والحقائق تؤكد ذلك، إلا أنه سيكون هناك انتقال منظم في 20 يناير".
غير أن نتائج المجمع الانتخابي قد أظهرت فوزًا مؤكدًا لبايدن، وهو الأمر الذي كان متوقعًا نتيجة انقسام الحزب الجمهوري على ترمب بين داعم ومعارض له، واستراتيجية الجمهوريين الانتخابية التي وجهت دعمها وعنايتها للفوز بمجلس الشيوخ، ونأي عدد من القادة الجمهوريين بأنفسهم عن ترمب. حيث صوت أكثر من نصف النواب الجمهوريين و٧ شيوخ لدعم الاعتراض، مما يدل على مدى تبني موقف ترمب داخل الحزب، بينما استغل قدامى الجمهوريين وبخاصة الشيوخ منهم التذكير بدور الحزب في حماية الدستور وليس الشخص، وهو ما يتضح في تصريحات عدد من النواب والشيوخ الذين استقالوا في الانتخابات النصفية الماضية مثل جيف فليك، والذين حملوا أعضاء الحزب الجمهوري مسؤولية السكوت عن أفعال ترمب وزعزعته الثقة بالمؤسسات الدستورية، متسائلين عن كيفية قيام الحزب باستعادة دوره بوجود أكثر من نصف أعضائه ما بين مؤيد ومدافع عن سياسات ترمب.
وبالنظر إلى المعطيات السابقة التي بدا فيها توجه الدولة العميقة لإنهاء حكم ترمب والاكتفاء بما حققه عى الصعيدين الداخلي والخارجي نحو "سن قوانين ضريبية وتعزيز نفوذ الجمهوريين في سلك القضاء وإصدار أوامر إدارية بالجملة" و"الانسحاب من بعض المعاهدات الدولية كالاتفاق النووي الإيراني وابتزاز أوروبا بشأن الناتو وشيطنة الصين وفرض وقائع جديدة في ملف الشرق الأوسط"، وبالنظر كذلك إلى حيثيات ما جرى بالأمس من اقتحام لمبنى الكابيتول، وردود الفعل الداخلية والخارجية، وتسليط الضوء على "الديموقراطية" التي اتخذ منها بايدن حجر الزاوية في برنامجه الانتخابي وسياسته الداخلية والخارجية، بالإضافة إلى ما بدا تواطؤًا من رجال الشرطة على خروقات المتظاهرين، غدا الأمر وكأنه يُوظف من قبل الدولة العميقة لتوحيد المواقف، وحشد الشعب حول السلطة، وإلصاق قذارة الحزب الجمهوري والولايات المتحدة بترمب وتحميله المسؤولية وحده، والتأكيد على الريادة الأميركية الديموقراطية ودولة القانون، وزعامة الولايات المتحدة لـ"العالم الحر"، وهو ما ينطوي عليه تصريح السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام "لقد طفح الكيل".
وللتأكيد على ذلك تم إبراز الدعوات المطالبة بتفعيل المادة 25 من الدستور، والمتعلقة بعزل الرئيس، وهي رسالة إلى الداخل بعدم شرعية أوامر ترمب، ورسالة إلى العالم مفادها أن أميركا دولة قانون. وقد تعمد الإعلام الأميركي وبشكل موحد، يوم أمس بتصوير خطورة الموقف بأحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر ٢٠٠١، وأنه هجوم على الحرية والديمقراطية الأميركية والمؤسسات، سيما وأن الكابيتول الذي تم اقتحامه يمثل رمزًا للسيادة والوحدة الأميركية، وأعلن عن إبطال جهازي تفجير تم زراعتها أمام مكاتب الحزب الجمهوري والديمقراطي.
كما ركز الضوء على خرق ترمب للقوانين وانتهاكه ومؤيديه للديموقراطية، من أجل استدراج ردود الفعل الداخلية والخارجية للمطالبة بالتزام الديموقراطية وآلياتها، باعتبار أن الولايات المتحدة هي قلعة الشفافية والحرية والديموقراطية. وهذا ما عبرت عنه روسيا والصين وتركيا وبريطانيا وألمانيا وفرنسا وقادة المؤسسات في الاتحاد الأوروبي الذين أدانوا الهجوم على "الديموقراطية" ، حيث غرد رئيس المجلس الأوروبي شارل ميشيل: "الكونجرس الأميركي هو معبد للديمقراطية، إن مشاهدة مشاهد الليلة في واشنطن العاصمة يمثل صدمة، نحن نثق في الولايات المتحدة لضمان انتقال سلمي للسلطة إلى جو بايدن".
أما في الداخل الأميركي فقد أدان زعماء الجمهوريين والديمقراطيين "السلوك الإجرامي" وشددوا على أن الفوضى لن ترهب الكونغرس، ولن تعيق الديمقراطية الأميركية. حيث صرحت نانسي بيلوسي رئيسة مجلس النواب الأميركي: "إلى من حاولوا صرف انتباهنا عن مسؤوليتنا: لقد فشلتم. وإلى من شاركوا في تدنيس معبد ديمقراطيتنا: العدالة ستتحقق". وشدّد زعيم الأكثرية الجمهورية بمجلس الشيوخ ميتش ماكونيل على أن المجلس "لن يتم ترهيبه". وأضاف "لقد حاولوا تعطيل ديمقراطيتنا وفشلوا". وقال زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس الشيوخ تشاك شومر إن ما جرى الأربعاء هو نتيجة لـ"كلمات وأكاذيب" ترامب، وستترك "وصمة لن تمحى بسهولة". وعلق السناتور الجمهوري ميت رومني مسؤولية ما جرى بترمب. وقال: "ما حدث اليوم تمرد بتحريض من رئيس الولايات المتحدة". أما جورج بوش فقال في بيان له: "هكذا يتم الطعن بنتائج الانتخابات في جمهوريات الموز، لكن ليس في جمهوريتنا الديمقراطية" كما هاجم الرئيسين السابقين كلنتون وأوباما تصرفات ترمب. وانتقد وزير الخارجية مايك بومبيو المقرب من ترمب عنف المحتجين واقتحامهم لمقر الكونغرس، وقال: بأنه " أمر لا يمكن التساهل معه لا في الداخل ولا في الخارج". في حين دعا زعيم الأقلية الجمهورية في مجلس النواب كيفن مكارثي إلى احتواء الموقف، وقال: "لقد حان الوقت لنظهر للأميركيين أننا قادرون على العمل معًا". ومن جهة أخرى جمد موقعا تويتر وفيسبوك، الأربعاء، حسابي ترامب "مؤقتًا" في إجراء غير مسبوق من منصتي التواصل الاجتماعي الشهيرتين.
وهذا الإجماع من قبل الحزبين على إدانة ترمب إنما يؤكد أن مرجعية القرار تعود للدولة العميقة في تقرير موقع القيادة، بخلاف ما يحاولون إظهاره للداخل الأميركي والعالم. فلم يكن ترمب ليتمرد على الديمقراطية لولا علمه بأنها مجرد غلاف وأن القرار هو قرار النخبة الرأسمالية وليس قرار الشعب. وهذه النخبة قد تصرفت بما تمليه مصلحتها وأرادت تأديب الرئيس الذي يحاول الاستقواء عليها بالشعب. بل وتحاول عبر هذه الأحداث التي يمارسها فئة من الجنس الأبيض وفي ظل التغيير العنصري والعرقي في المجتمع الأميركي تجنيد العنصر غير الأبيض وتحميله مسؤولية الدفاع وحماية الدستور والمؤسسات الأميركية في المستقبل وإيهامهم بأنهم يدافعون عن حقوقهم وأصواتهم ضد العنصريين والمتطرفين البيض؛ أي أن الدولة العميقة تريد خلق ردة فعل من قبل الفئات الأخرى لحماية مخرجات سياساتهم.
خلاصة الأمر هي طي صفحة ترمب ومحو خطايا الطبقة الرأسمالية في الداخل، وتعسف الولايات المتحدة وابتزازها لدول العالم، وإظهار أميركا ضحية على قدم المساواة مع دول العالم بشيطنة ترمب وتحميله وحده المسؤولية عن السياسات الأميركية وإبراء الدولة من جرائمه.
وأما ما يخص بايدن فإن أحداث أمس ستمهد الطريق لرؤيته في الداخل، وتسهل عليه المهمة في الخارج الذي سيستقبل حقبته بوصفها انفراجة عالمية.

23/جمادى الأولى/1442هـ
7/1/2021م