بسم الله الرحمن الرحيم
متابعة سياسية
الوساطة الأميركية في ترسيم الحدود بين لبنان و"إسرائيل"
بتاريخ 9 أيلول/سبتمبر 2020 نشر الموقع الإليكتروني لوزارة الخارجية الأميركية بيانًا موجزًا لديفيد شنكر مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأوسط، جاء فيه: "نقترب من التوصل إلى اتفاق بشأن إطار للحدود البرية والبحرية بين إسرائيل ولبنان"، وأضاف: "لن أخوض في التفاصيل حول ما يعيق (التوصل لاتفاق)؛ لكنني آمل أن أتمكن من القدوم إلى لبنان ثم توقيع هذه الاتفاقية في الأسابيع المقبلة". وهذا في الحقيقة هو حجر الزاوية الذي تسعى الولايات المتحدة لإعادة هيكلة النظام اللبناني وتخفيف ثقل حزب الله في الحكومة من أجله، وسط الضغوط القصوى على حزب الله وشركائه شعبيًّا وخارجيًّا بعد تفجير مرفأ بيروت. حيث أن النزاع الحدودي مع الكيان الغاصب هو ذريعة حزب الله في التمسك بسلاحه، وإن إنهاء هذا النزاع يجرد الحزب من مبرراته التي تعطيه القدرة على التحكم بمفاصل الدولة والمجتمع اللبناني وتحول دون ضم لبنان إلى جبهة التحالف والتطبيع مع "إسرائيل".
وفيما لو تمكنت الولايات المتحدة من حسم "النزاع" وهو المرجح وإن طال الوقت، فإنها لا تُمهد لفتح قنوات اتصال بين لبنان والكيان المجرم وإزالة العوائق أمام التطبيع فقط، بل وطي صفحة الجبهة الشمالية التي تؤرق "إسرائيل" وتحول دون استهدافها من لبنان إلى الأبد، لا سيما وأن مشروع حزب الله لا يتجاوز استعادة الأراضي اللبنانية المحتلة وينتهي بطي ملف "النزاع".
وفي ضوء الضغوط الدولية التي يتولى ماكرون ممارستها بالإنابة عن الولايات المتحدة والتي استنفرت القوى السياسية المساندة لحزب الله خوفًا على مستقبلهم، قال رئيس حركة الشعب نجاح واكيم لقناة الميادين: "ماكرون أرسله الأميركيون إلى لبنان وهو تعمد توجيه إهانات للطبقة الحاكمة...الإهانات التي وجهها ماكرون لمدعي السيادة تدعو إلى الخجل"، ومن جانبه قال الوزير اللبناني السابق وئام وهاب رئيس حزب التوحيد العربي عبر تلفزيون الجديد صباح يوم الجمعة 4 أيلول/سبتمبر2020: إن "مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأوسط ديفد شنكر أهان القادة الرسميين اللبنانيين على الفساد وعدم الإصلاح، ووبخ قوى المجتمع المدني لعدم قدرتهم على حشد الجماهير في الشارع كما ينبغي"، وهذه الاتهامات تنسجم في الحقيقة مع سياسة التغيير عن طريق الشعب التي تنتهجها الولايات المتحدة في ثورات "الربيع العربي" بما في ذلك التغيير في لبنان، حيث لم يُخفِ شنكر ذلك عندما قال: "إن التغيير يجب أن يبدأ من الداخل".
وكان وهاب قد أكد على أن قادة الحراك يتعاملون مع السفارات الخارجية طلبًا للدعم المالي والسياسي. واتهم القوى السياسية في لبنان بالجبن والانحناء للرئيس الفرنسي ماكرون الذي تفاهم مع الولايات المتحدة حول الأجندة اللبنانية بحسب قوله، وهو ما أكده أيضًا مساعد وزير الخارجية الأميركي ديفيد شنكر بقوله: "إننا على اتصال دائم مع الفرنسيين حول لبنان. إن الولايات المتحدة وفرنسا يهمهما لبنان جدًا. إنها الزيارة الثانية للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، كما أن نائب وزير الخارجية الأميركي ديفيد هيل كان هناك، وأنا أمضيت وقتًا طويلًا مع مايك بومبيو وزير الخارجية، قبل توجهي إلى بيروت، فهو مهتم جدًا ويركز كثيرًا على التطورات في لبنان"، مؤكدًا أن "الفرنسيين والأميركيين يفكرون بوضع عقوبات على الشخصيات التي تتعامل مع حزب الله.
وتكشف انتقادات نجاح واكيم ووئام وهاب للرئيس اللبناني الجنرال عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري، بالإضافة إلى قول وهاب أنه يقف إلى جانب الشعب ومطالبه في نبذ الفساد والنظام الطائفي عن مقدمات انشقاق في صفوف حركة 8 آذار، كما تكشف عن ضعف جبهة ما يسمى بالمقاومة لصالح وكلاء المشروع الأميركي وحياد لبنان.
وفي حديث ل"النهار" يعبر عن الموقف الأميركي من حزب الله وإيران ويؤكد استهدافهم وتحجيمهم قال ديفيد شنكر، إنّ "حزب الله" "ليس ميّالًا للإصلاح، وإنّما استفاد من الفساد أيضًا" وأنه "لا يهمه الإصلاح بل الدفاع عن إيران"، مضيفًا: إنّ "حزب الله" "اعتمد على الفساد من خلال عدم دفع رسوم المرفأ وامتناعه عن دفع رسوم الجمارك، وتقويض النظام المصرفي"، ولفت إلى أن "هذه الحكومة يجب أن تطبّق الإصلاحات، حكومة دياب لم تفعل أي إصلاح، ربما بسبب معارضة سياسيين أساسيين فاعلين، لكنّ هذا يجب أن يتغير".
إن مجمل ما تقدم يؤكد ما ذهبنا إليه بشأن الموقف السياسي في لبنان قبل التفجير وبعده، ويؤكد ارتباط ما يجري في لبنان وسوريا والعراق وإيران بمشروع الشرق الأوسط، على صعيد الترتيبات الأمنية والتحالفات السياسية والصيغة العقدية والمجتمعية والأدوار الوظيفية للأنظمة وأذرعها، بما يتلاءم مع الحل الإقليمي لقضية فلسطين، وبما يضمن مصالح الولايات المتحدة على المدى البعيد، علاوة على استثمار الرئيس ترمب ونتنياهو في نتائج المشروع، وهو ما يُستشف من تصريح ديفيد شنكر: "إننا نعمل مع (مجموعة الدعم الدولية)، وكل الأطراف الفاعلة، للمساعدة على هذا، وندعو كل الحكومات المستقبلية في لبنان لتبني الحياد".
والمقصود بالحياد هو عزل إيران عن التأثير في المنطقة عبر أذرعها، ونقل لبنان إلى معسكر التحالف والتطبيع، وهو ما يتضح من ربط شنكر للضغط على إيران بحياد لبنان حيث قال: "لم نستطع أن نقنع روسيا والصين بتمديد الحصار العسكري على إيران. لكن الولايات المتحدة تعمل على هذا الأمر: حياد لبنان".
وكانت أميركا قد انتقدت موقف أوروبا من العقوبات على إيران بأشد من ذلك حين وصف وزير خارجيتها بومبيو أوروبا بأنها "تدافع عن ملالي إيران". وعلى ذلك فإن هدف الولايات لمتحدة هو تحييد لبنان من خلال إعادة هيكلة النظام تمهيدًا لمواءمة موقفها السياسي مع مخرجات الحل الإقليمي، وهو ما وجدت حياله استجابة من الكنيسة المارونية التي دخلت في صدام مع حزب الله وشركائه بعد التفجير، حيث دعا البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي إلى "حياد لبنان" وطالب السلطات بـ "أن تعتبر كارثة مرفأ بيروت بمنزلة جرس إنذار، فتبادر إلى دهم كل مخابئ السلاح والمتفجرات ومخازنه المنتشرة من غير وجه شرعي بين الأحياء السكنية في المدن والبلدات والقرى". وقال: "إن وجود هذه المخابئ يمثّل تهديدًا جديًّا وخطيرًا لحياة المواطنين التي ليست ملك أي شخص أو فئة أو حزب أو منظمة". فيما رد عليه إعلام حزب الله بأنه "يسوّق للسلام مع العدو و يتماهى مع الدعاية الإسرائيلية ضد المقاومة".
وفي لجة هذا الحراك السياسي نجد تطابقًا بين الموقف الفرنسي والأميركي من جهة، وتطابق موقف الدولتين مع مطالب الحراك اللبناني والعراقي والقوى العميلة للولايات المتحدة في لبنان والعراق من جهة أخرى، مما يؤكد أن تحريك الجماهير في المنطقة كان موجهًا ومُستغلًا ولم يكن بريئاً.
وأما موقف حزب الله والجنرال عون وحركة أمل فقد ازداد ضعفًا، ولم تعد سياسة كسب الوقت التي قاموا بممارستها من خلال حكومة دياب تجدي نفعًا مع الموقف الحازم للولايات المتحدة بشأن التغيير، وهو الأمر الذي جعل تشكيل الحكومة الجديدة برئاسة مصطفى أديب تحسم في أسبوعين على خلاف عادة تشكيل الحكومات اللبنانية.
وليس من المتوقع أن يعرقل حزب الله الإصلاحات في ظل الضغط الكبير، والإصرار الذي تمارسه الولايات المتحدة والذي ظهر على لسان مساعد وزير الخارجية الأميركي مُكرَّرَاً : " إن المبادئ هي التي تهمنا في تشكيل الحكومات" ملوحًا بالعقوبات في حال عدم تنفيذها.
وقد ظهر الضعف في موقف حزب الله من خلال امتناعه عن اتهام اسرائيل بالمسؤولية عن التفجير خشية أن ترتد الكرة إلى ملعبه ويُتهم من قبل خصومه بأن تهديده لـ"إسرائيل" هو سبب العدوان الإسرائيلي على لبنان ولا بد من تحييد سلاحه.
وهكذا ما تزال أميركا والغرب الكافرين يملكان، ليس في لبنان وحسب، بل ومعظم بلاد المسلمين الكلمة الفصل في مصير الأمة، وما كان ذلك ليحصل لو كانت قوى الأمة الفاعلة تضع ثقلها وتسخر قوتها من أجل تحرير أمتها من قيود أعدائها, عوضًا عن إسهامها الفاعل في إسناد أدوات أميركا والغرب الكافرين في التغول على الأمة ومنعها من أخذ زمامها بيدها .
23/محرم/1442هـ
11/9/2020م