بسم الله الرحمن الرحيم
متابعة سياسية
دلالة تصريحات رئيس الوزراء الأردني بشأن حل "الدولة الواحدة"

في مقابلة مع صحيفة "الغارديان" البريطانية يوم الثلاثاء 21 تموز/يوليو قال رئيس الوزراء الأردني، عمر الرزاز، إنه "في ظل تعثر مساعي حل الدولتين منذ عقود، فإن الأردن قد يدعم إنشاء دولة فلسطينية - إسرائيلية واحدة، شريطة أن تمنح حقوقًا متساوية للجميع".
وأوضح "أن بلاده تنظر إلى هذه الخطوة بشكل إيجابي شريطة أن تكون الدولة، التي سيتم إنشاؤها ديمقراطية وأن يتمتع الشعبان بحقوق متساوية". وأضاف "أنت تغلق الباب أمام حل الدولتين، لذا يمكنني بالتأكيد أن أتفحص بشكل إيجابي اقتراح دولة ديمقراطية واحدة". وتابع مخاطبًا جمهور الاحتلال: "نعم، دعونا ننتقل إلى حل الدولتين، لكن لن يتم تنفيذه، لذلك دعونا نعمل معا من أجل حل الدولة الواحدة".
وبعد أن أثارت تصريحاته جدلًا واسعًا في الأردن اضطر إلى التعقيب عبر وسائل الإعلام أن الأردن "لن يقبل بترحيل الفلسطينيين، ولن يصبح الأردن وطنًا بديلًا، ولن يتخلى الأردن عن الوصاية على الأماكن المقدسة الإسلامية والمسيحية في القدس. هذه النقاط الثلاثة واضحة بالنسبة لنا".
والحقيقة أن تصريحات الرزاز تعبر عن حجم الضعف والأزمة التي يعيشها النظام، وانسداد الأفق أمام الصيغ التي تجنبه ردود الفعل الشعبية، كصيغة الدولة الواحدة بحسب اعتقاده. وهي الصيغة التي قد تُهدئ من روع المعارضة، وبخاصة "التيار الوطني" الرافض لتوطين الفلسطينيين وإعطائهم حقوق سياسية، فهي ليست أكثر من صرخة استغاثة وبالون اختبار، سبقها تصريح في نفس الاتجاه لفايز الطراونة، رئيس الوزراء الأسبق المقرب من القصر وأحد كبار المفاوضين في اتفاقية وادي عربة، حيث قلل من خطورة ضم كيان يهود للجهة الفلسطينية من غور الأردن.
ومن جهة أخرى يبحث النظام الأردني كعادته عن مبرر لرفع العتب، وعن ذريعة لتبرير خضوعه لإملاءات الولايات المتحدة وكيان يهود الغاصب بشأن الوطن البديل؛ لأنه يدرك أن خيار الدولة الواحدة مرفوض "إسرائيليًّا"، وأن رؤية نتنياهو وحكومته محصورة بحل "الوطن البديل"، من خلال ملكية دستورية تستوعب "المكون الفلسطيني" في الضفتين، وإدارة مشتركة لسكان الضفة مع السلطة الفلسطينية دون سيادة على الأرض.
وليس صحيحًا أن تصريحات الرزاز كانت محاولة لإشهار فزاعة "الخطر الديموغرافي" و"الفصل العنصري" لحل الدولة الواحدة كما يبرر البعض؛ لأنه أظهر موقفًا إيجابيًّا من حل الدولة الواحدة وتغزل فيها على أمل أن تجد صدى لدى الإدارة الأميركية وفي الداخل "الإسرائيلي"، سيما وأنه لم يطرح بإزائها معالجة لملف اللاجئين الفلسطينيين في الأردن، وهو ما يشي بقبول مسبق بمخرجات صفقة ترمب، التي تؤول إلى الوطن البديل، ويجعل من هذه التصريحات مجرد صرخة استغاثة وبالون اختبار، واستهلاكًا للوقت والرهان على عودة الديموقراطيين في الولايات المتحدة.
ولا غرابة إذ أن عمر الرزاز هو ربيب المؤسسات الدولية الراعية لمصالح الولايات المتحدة كمؤسسة كارنغي والبنك الدولي بشهادة نائب رئيس الوزراء الأسبق ممدوح العبادي الذي صرح بذلك لموقع عربي 21 يوم الثلاثاء 21 تموز/يوليو 2020. حيث يتشاطر رؤية حل الدولة الواحدة مع وزير الخارجية الأسبق مروان المعشر عضو معهد كارنغي، وهو الذي سبق وصرح أن حل الدولتين قد انتهى ولم يستبعد حل الدولة الواحدة.
إن تجاوز الولايات المتحدة لحل الدولتين لصالح خيار الوطن البديل قد جرى تفعيله من قبل إدارة ترمب، باعتبار أن الوطن البديل أحد الخيارات المطروحة، والمتوافق عليها بين الحزبين الجمهوري والديموقراطي، مع اختلاف ببعض التفاصيل وأسلوب التعاطي مع أنظمة المنطقة.
ويتفق خيار الوطن البديل مع معتقدات التيار الإنجيلي النافذ في الدولة العميقة، وينسجم كذلك مع الأجواء الفكرية والسياسية الأميركية، والظروف الدولية والشرق أوسطية السائدة، بحيث لم يعد الرهان على الديموقراطيين منتجًا سوى إبطاء نتنياهو الذي يغذي الجمهوريون المحافظون شهيته التوسعية، بخلاف ما كان عليه الوضع خلال إدارة كلنتون وأوباما، وحتى فترة الرئيس الجمهوري جورج بوش الأب الذي ضغط على الليكود وجلبهم لمائدة المفاوضات في مدريد.
وكانت إدارة أوباما قد قدمت بواسطة الجنرال ألين رؤية أمنية تقوم على معالجة مخاوف إسرائيل الأمنية عبر أجهزة استشعار، وطائرات من دون طيار، وأقمار صناعية، ووسائل تكنولوجية، ونشر قوات أجنبية، بما في ذلك قوات أميركية، على طول نهر الأردن، وامتنع أوباما في آخر عهده عن استعمال الفيتو ضد قرار مجلس الأمن بشأن الاستيطان في أراضي الضفة الغربية في محاولة منه لثني نتنياهو عن فرض رؤيته للحل.
ومن المحتمل أن يراهن جو بايدن في حال فوزه على دمج النتائج التي حققها ترمب، مع رؤية الجنرال ألين الأمنية، وتقديمها كحل وسط بديل عن ضم غور الأردن؛ لرفع الحرج عن الحكام العرب، وتبديد المخاوف الأمنية "الإسرائيلية". لكن ذلك مستبعد حتى لو فاز بايدن بالانتخابات في ظل تعنت نتنياهو الذي يرفض حل الدولتين وحل الدولة الواحدة، ولا يقبل عن الوطن البديل بديلًا بمقتضى تحالفاته الداخلية لمن يؤمنون بالنظرة التوراتية فضلًا عن طموحه الشخصي.
ووفق المعطيات العاصفة والملائمة على الجانب العربي المتهالك واللاهث للتحالف مع "إسرائيل"، وتقديم فلسطين قربانًا لقاء استمرار الحكام في السلطة، ومن ذلك تصادم القصر مع سنده التقليدي وهو العشائر، وزهد جهاز المخابرات بالملك وأسرته، وتواطؤ فريق من أجهزة الدولة على تسريب فضائح القصر، والنخب الليبرالية والقيادات الفاسدة التي يستغلها القصر في تمرير وصفات صندوق النقد والبنك الدوليين وأجندة أميركا في توطين الفلسطينيين، وكذلك حرص الملك على توريث ابنه وولي عهده الأمير حسين الحكم، كل ذلك يمثل مناخًا مشجعًا لنتنياهو لفرض رؤيته بشأن الوطن البديل.
ولهذا لا يمكن وضع تصريحات الرزاز في خانة الزلل أو النوايا البريئة، فهي بالإضافة إلى كونها بالون اختبار وصرخة استغاثة وكسب للوقت، هي أيضًا ساتر دخاني لحجب رؤية أبناء الأمة في الأردن عن الخطوات التي يتخذها النظام بمقتضى خطة ترمب.
وفي ظل هكذا نظام مرد على التآمر وأفقر العباد وباع البلاد لا بد أن يستنفر أهل الأردن أبناءهم المخلصين؛ للأخذ على يد الملك الظالم وأسرته وأعوانه، ومنعهم من مقايضة فلسطين والأردن بعرش لا حاجة لأبناء الأمة في الأردن به.
إن قضية فلسطين ليست قضية لاجئين يجري التفاوض على مصيرهم, وأبناء الأمة في فلسطين لا يصح المطالبة بدمجهم ضمن كيان يهود الغاصب، ولا يصح أن يجري الحديث عن وطن بديل لهم، ففلسطين والأقصى هي لكل المسلمين وهي قضيتهم جميعًا, والأردن وسوريا ومصر وغيرها من بلاد المسلمين هي بلد كل المسلمين، فهي بلد المسلم الذي ولد ونشأ في فلسطين والعراق وماليزيا، وقد نصت وثيقة المدينة التي عقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم مع يهود المدينة، وهي أول عهد بين المسلمين وغيرهم من الكيانات، على أن "المسلمين أمة واحدة من دون الناس". ولن تعود فلسطين إلا بالجهاد بعد أن تأخذ الأمة زمام أمرها بأيديها، وتقيم العدل بتحكيم شرع الله, بعد الأخذ بحزم على أيدي الظلمة وأعوانهم، ولاعقي أحذيتهم من المنافقين والمنتفعين ببقائهم، حتى تعود للأمة عزتها وكرامتها ومكانتها بين الأمم.
وقضية أبناء المسلمين في الأردن ليست استبدال نظام علماني بآخر من جنسه, ولا قضية فاسدين يُقدمون للقضاء، وليست قضيتهم استبدال ملك من دون صلاحيات بملك يملك صلاحيات، بل قضيتهم هي إقامة العدل بإقامة شرع الله الذي تُنبتُ تربتُه حكامًا صالحين بنوبون عن الأمة فيما يصلحها.

2/ذي الحجة/1441هـ
23/7/2020م