بسم الله الرحمن الرحيم
متابعة سياسية
السيسي والجزائر وتهديدات التدخل في ليبيا
خلال تفقده الوحدات المقاتلة للقوات الجوية بالمنطقة الغربية العسكرية يوم السبت 20 حزيران\يونيو قال المجرم عبد الفتاح السيسي: "كونوا مستعدين لتنفيذ أي مهمة داخل حدودنا أو إذا تطلب الأمر خارج حدودنا" وذلك عقب فشله في إنقاذ قوات حفتر وتراجع الزخم والتأييد الدولي لإخضاع طرابلس لسيطرة خليفة حفتر، وعقب شروع قوات الوفاق الليبية بالتعبئة لاقتحام مدينة سرت بدعم تركي.
ويجري ذلك وسط سعي الرئيس الجزائري تبون لتعديل مهمة الجيش الجزائري والسماح له بمهمات خارجية في إطار "حفظ الأمن" والدفاع عن الأمن القومي الجزائري.
بينما علق فتحي المريمي، مستشار رئيس مجلس النواب الليبي عقيلة صالح، على تصريحات الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بشأن ليبيا في تصريحات لـ"rt"، يوم السبت 20 حزيران\يونيو: "البرلمان يؤيد ما جاء في كلمة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي"، مضيفًا: "نرحب بتأكيد السيسي على أن سرت وحقول النفط خط أحمر وأن مصر لن تتردد في التدخل العسكري إذا ما تجاوز المرتزقة والجماعات الإرهابية تلك المنطقة". وتابع: "أي تدخل مصري سيكون بدعوة من الشعب الليبي الذي تظاهر في عدة مدن دعمًا لتصريحات السيسي"، مضيفًا: "أي تدخل سيكون تحت إشراف الجيش الليبي وبترحيب شعبي".
فيما نشر المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني في ليبيا، بيانًا للرد على تصريحات الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي جاء فيه "تؤكد دولة ليبيا بأن التدخل في شؤونها الداخلية والتعدي على سيادة الدولة من خلال التصريحات الإعلامية لبعض الدول كما حدث من قبل الرئيس المصري أو دعم الإنقلابيين والميليشات والمرتزقة، هو أمر مرفوض ومستهجن ويعتبر عملًا عدائيًا وتدخلًا سافرًا وبمثابة إعلان حرب". وأضاف البيان "نذكر الجميع أن حكومة الوفاق الوطني هي الممثل الشرعي الوحيد للدولة الليبية ولها وحدها حق تحديد شكل ونوع اتفاقياتها وتحالفاتها".
ويأتي هذا الحراك الذي بدا أنه تصعيد مصري وتأهب جزائري للتدخل في ليبيا ضد التدخل التركي وسط خلاف بين روسيا وتركيا حول خطوط التماس التي يُراد وقف قوات الوفاق عندها، وهي مدينة سرت الساحلية شمالًا والجفرة جنوبًا، وحول بقاء حفتر الذي بدأ يتآكل حضوره في المشهد لصالح رئيس برلمان طبرق المنتهية مدته عقيلة صالح.
ومن الواضح أن حكومة الوفاق متواطئة في حصر النزاع على مدينة سرت دون الهلال النفطي وقاعدة الجفرة التي تتمركز بها مرتزقة فاغنر، وتشكل رادعًا لأي تقدم نحو الشرق ومناطق النفط لإبقاء ورقة الضغط الاقتصادي بيد عصابة حفتر والبرلمان وإرغام فصائل طرابلس ومصراتة على تقبل مخرجات مؤتمر برلين تحت إلحاح العوز والمعاناة المعيشية للناس، وهو ما تسعى إليه أميركا وتخضع له كافة الأطراف الخارجية وتتوافق حوله الولايات المتحدة وتركيا حيث بدا ذلك واضحًا في اشتراط تركيا وحكومة الوفاق من أجل البدء بالتفاوض أن تعود الأوضاع إلى ما كان عليه الحال قبل اتفاق الصخيرات سنة 2015 وهو خضوع مدينة سرت والجفرة لحكومة الوفاق.
إن تلويح السيسي بعمل عسكري في ليبيا وتبادل الأدوار مع الجزائر المتأهبة للوساطة والتدخل ليس تهديدًا لحكومة الوفاق ولا لتركيا بقدر ما هو رسالة لمن لا يزال يراهن على هزيمة الأنظمة المستبدة في المنطقة، وبقدر ما هو استعراض للقوة ورسالة إلى قوى "الثورات" في الداخل المصري والتونسي والجزائري، والتغطية على الفشل الذي لحق بالسيسي في الملف الليبي، ولتطمين عصابة حفتر ومليشياته خشية تفككهم بعد الفزع الذي أصابهم جراء خسائرهم المتلاحقة على يد قوات الوفاق المدعومة من تركيا، ولردع فصائل طرابلس ومصراتة من تجاوز حدود سرت والجفرة التي جعلهما السيسي خطوطًا حمراءَ.
فالسيسي يدرك بأن التدخل التركي في ليبيا يحظى بموافقة أميركية، ويدرك أن أميركا تريد وقف العمليات العسكرية الفاشلة لحفتر، وتفعيل العملية السياسية وفق توصيات مؤتمر برلين، كما أعلنت السفيرة الأميركية في ليبيا مؤخرًا. وذلك من أجل أن تحقق أميركا احتواءً مزدوجًا يطال قوى الثورة في طرابلس ومصراتة، ويطال تركيا التي تسعى لمصالح اقتصادية وسياسية في ليبيا وشرق المتوسط ، وهو ما ينطوي عليه تعليق عمرو موسى، العميل الأميركي والخبير في سياسة المنطقة، حول التدخل التركي في ليبيا حيث قال: "ما كان ممكنًا أن تقوم تركيا بما تقوم به في ليبيا، وأن تعبر أجواء مياه المتوسط، وأن تتواجد هناك بقوات عسكرية ومليشيات ومرتزقة من دون موافقة القوى العظمى". وأضاف مختصرًا للمشهد الراهن بقوله: "هناك وجود لقوى كبرى في ليبيا مثل الولايات المتحدة وروسيا ودول أوربية، وليس من الضروري أن تكون مصالح هذه القوى متناسقة، لكنها مجمعة على إبقاء الوضع الراهن على ما هو عليه حتى يتم تدبير الأمور". وتدبير الأمور بالنسبة لأميركا هو رسم الخطوط العريضة وأدوار اللاعبين وحدود تدخلهم، وحصر إدارة الصراع بيدها، بعد أن أخرجت فرنسا وجمدت روسيا في مربع المحافظة على التوازن العسكري بمعية تركيا بين القوى المتنازعة، وتفعيل الدور المصري والجزائري الأقل كلفة لرسم الخط الفاصل على الأرض بما يحقق أهداف أميركا وبخاصة احتواء تركيا من خلال دورها في ليبيا، والذي قد تنقلب عليه أميركا وتجعل من ليبيا ساحة لتأديب أردوغان عند الضرورة واستنزاف طاقته.
أما بشأن اتهام تركيا والتخويف منها وشيطنتها من قبل الأنظمة العربية، فيندرج ذلك في إطار استنفار وتعبئة القوى الليبرالية والعلمانية والدولة العميقة في وجه تركيا التي تمثل "الانموذج الإسلامي" في الحكم، وللجم "القوى الإسلامية" والشعبية ومنعها من استثمار نتائج التدخل التركي في حراكها. وإننا نتساءل هنا عن قيمة الهوية القومية التي نرفضها و"الأمن القومي" المزعوم الذي برر الحكام به جرائمهم، وصدعوا به رؤوسنا فيما هتكوا ستره ومزقوا هويتهم الموهومة واستذأبوا على أبناء "قومهم" وباعوا أوطانهم وجندوا أنفسهم كلاب حراسة لمصالح المستعمر، في ظل غفلة المسلمين عن تلاعب الكفار وعملائهم بمقدرات هذه الأمة وتحويل جيوشها إلى أداة لإذلالها وقتلها نيابة عن المستعمر.
{كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً ۚ يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَىٰ قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ} التوبة
غرة ذي القعدة/1441هـ
22/6/2020م