بسم الله الرحمن الرحيم
متابعة سياسية
حالة عدم الاستقرار في اليمن وسيطرة المجلس الانتقالي الجنوبي على سوقطرة
اقتحمت يوم الجمعة 19 يونيو/حزيران قوات تابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي المدعومة من دولة الإمارات مبنى السلطة المحلية في سقطرى. وأكدت مصادر لقناة الجزيرة "سيطرة قوات الانتقالي على مبنى إدارة الأمن في مدينة حديبو (مركز محافظة سقطرى)، مع استمرار الاشتباكات بين القوات الحكومية ومسلحي الانتقالي عند البوابة الغربية للمدينة".
وقال مصدر حكومي يمني لقناة الجزيرة "إن الرئاسة اليمنية تواصلت مع السلطات السعودية للتدخل في سقطرى، ولكنها لم تتلق أي رد".
إن ما يجري في اليمن يندرج في الإطار العام للمشروع الأميركي في المنطقة ويدخل تحديداً في سياق تصفية ذيول "ثورات الربيع العربي" عن طريق الدولة العميقة، والقوى المضادة لإرادة أهل المنطقة، الذين لم يسمح لهم بالانتفاض على الأنظمة، ويحظون بالدعم والتأييد الغربي إلا لتفريغ احتقانهم وتيئيسهم من النهوض والانعتاق، وإعادتهم إلى حظيرة الطاعة، تمهيداً للتحول نحو شرق أوسط عاجز عن الفعل إزاء التفكيك المذهبي والعرقي والمناطقي والفدرالي، وإزاء تزييف الهوية ومسح الذاكرة وضياع الثروات على نحو غير مسبوق، وإزاء اندفاع الأنظمة العربية الرسمية للتحالف مع كيان يهود وتواطئهم في تصفية قضية فلسطين، وتأمين مصالح الغرب في المنطقة.
وهو الأمر الذي انعكس في قلب موازين القوة وضرب أصحاب التوجه الإسلامي بعد استهلاكهم في احتواء الانتفاضة وتأطيرها، كما انعكس في تحول بوصلة العداء من كيان يهود إلى إيران، التي أتقنت هي الأخرى دور الفزاعة لدول المنطقة، بالإضافة إلى هرولة الحكام في التعامل العلني مع يهود والترتيبات التي تصب في خطة ترمب في سوريا ولبنان والعراق والأردن.
وفي إطار هذا التحول الاستراتيجي الذي نقل قيادة المرحلة من قطر وتركيا إلى السعودية والإمارات يندرج الصراع اليمني، الذي يهدف إلى تصفية القوى المحسوبة على الثورات العربية واستكمال مراحل فك وتركيب المنطقة، سيما وأن الفاعل الرئيس في الأحداث (السعودية والإمارات ومصر) هم الأنظمة المتضررة من الثورات، والأشد عداء لأهل المنطقة، ولما يسمى ب"الإسلام السياسي"، وبخاصة حركة الإخوان في مصر، وحركة النهضة في تونس، وحزب العدالة والبناء والجماعات المقاتلة في ليبيا، وحركة الإصلاح في اليمن وحزب المؤتمر الوطني في السودان.
ولذلك ومع دخول قوات المجلس الانتقالي الجنوبي إلى مدينة حديبو، عاصمة محافظة سقطرى اليمنية يوم السبت 20 يونيو/حزيران أعلن المجلس الجنوبي عن استكمال السيطرة على محافظة سقطرى ممن وصفهم بـ "المليشيات الإخوانية".
ورغم أن الفدرالية هي عنوان المشروع الأميركي لدول المنطقة، إلا أن سابقة انقسام اليمن والصراعات المناطقية التي توفر وقودًا لانقسامه مجددًا كاستغلال حادث اغتيال قائد اللواء الأول التابع للمجلس الانتقالي، العميد منير محمود المشالي (اليافعي) في 1 آب/أغسطس 2019، من قبل نائب رئيس المجلس، هاني بن بريك، لاتهام حكومة هادي وحركة الإصلاح بضلوعهم في الاغتيال، والسعي إلى السيطرة على عدن، متجاهلًا تبني جماعة الحوثي لعملية الاغتيال، كل ذلك بالإضافة إلى الخطوات التي اتخذها المجلس الانتقالي الجنوبي منذ انقلابه على حكومة هادي كإعلانه في نيسان/إبريل الماضي، حالة الطوارئ والإدارة الذاتية للمحافظات الجنوبية، يدل بوضوح شديد على المضي قدمًا في تصفية فلول حركة الإصلاح والقوى العسكرية والقبلية التي أيدت الثورة وعلى رأسها نائب رئيس الجمهورية، الفريق علي محسن الأحمر، وإضعاف "شرعية" الرئيس هادي والدفع بخطوات عملية وقوية لفصل جنوب اليمن عن شماله لا سيما وأن تركيبة القوى المدعومة من السعودية والإمارات كانت ومنذ البداية تحمل بذور التنافس والتشظي بين قادة المجلس الجنوبي، وبين حكومة هادي وكانت مشحونة بثقل الصراعات المناطقية وأعباء حرب سنة 1994 على خلفية المواقف الجهوية بين أبْيَن التي ينحدر منها الرئيس هادي، والتي دعمت الشمال في التصدّي للانفصال، وبين الضالع التي كانت في جانب الانفصاليين .
وبالتالي فليس ثمة صراع بين السعودية والإمارات كما يتوهم البعض، بل هناك تبادل لإدوار يتخللها رغبات شخصية لابن سلمان وابن زايد في الظهور بمظهر النافذ في الشأن اليمني خدمة للسيد الأميركي، ولعل ما يؤكد تواطؤ السعودية والامارات في الأحداث الأخيرة للدفع بمزيد من الإضعاف للحكومة في عدن وتغليب المجلس الانتقالي على ما يسمى بـ "الشرعية" تمهيدًا لفصل الجنوب الذي بدأه المجلس الانتقالي بانقلابه على الرئيس هادي وإعلانه عن "الاعداد لإقامة دولة" بمباركة سعودية إماراتية في آب/أغسطس 2019 هو تشكيك سفير اليمن لدى منظمة اليونسكو، الدكتور محمد جميح بموقف الحكومة ومطالبته يوم الجمعة 19 حزيران/يونيو الجاري بمساءلة حكومة بلاده، حيث قال: "تشير تطورات الأحداث في اليمن إلى أن على اليمنيين أن يضعوا الشرعية في دائرة المساءلة" فضلًا عن اتهامات شيخ عشائر سوقطرة وبعض المسؤولين للسعودية والإمارات بالتواطؤ مع المجلس الانتقالي، سيما وأن القوات السعودية في سوقطرة وقفت موقف المتفرج إزاء ما يجري.
وهو ما يؤكد أن شكوك بعض القادة بالدور الخبيث الذي لعبته السعودية والإمارات في انقلاب المجلس على حكومة هادي لصالح المجلس الانتقالي في آب/أغسطس 2019، ومن ذلك تصريح عبد العزيز جباري، نائب رئيس البرلمان، الذي اتهم السعودية والإمارات "بذبح الشرعية من الوريد إلى الوريد"، واصفًا جريمتهم بأبشع مما فعله الحوثي حيث قال: "لم يفعل الحوثي بالشرعية مثلما فعلتم" بينما اتهم وزير الداخلية أحمد الميسري مؤسسة الرئاسة والمملكة السعودية بـ "الصمت إزاء انقلاب المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتيًا"، وهو ما يدل على تواطؤ الرئيس هادي مع الإمارات والسعودية والولايات المتحدة من خلال المندوب الأممي على تأزيم الموقف، ودفع البلاد نحو التقسيم، سيما وأن إضعاف الجنوب، وتوهين جبهته، وعرقلة المفاوضات بين الحوثيين والحكومة اليمنية من قبل المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة إلى اليمن مارتن غريفيث، وتبريده لجبهة المواجهة بين "أنصار الله" مع التحالف من خلال حصره للمفاوضات بمسائل إنسانية وصحية هامشية، من شأنه أن يمكن الحوثي من إحكام قبضته على الشمال، ويحول دون وحدة اليمن، ويضبط من جهة أخرى مسار التقسيم وإنهاء الحرب اليمنية على إيقاع ترتيبات انتقال الحكم في السعودية لولي العهد محمد بن سلمان الذي جعل من حربه على اليمن من لوازم ومؤهلات تسلمه للحكم.
غير أن السيناريو الأكثر قتامة هو أن الأحداث الأخيرة "السيطرة على سوقطرة من قبل المجلس الجنوبي"، موجه من قبل الإمارات في اتجاه تمزيق جنوب اليمن، وتحويله إلى فدرالية، وبخاصة بعد إعلان المجلس الانتقالي الجنوبي في 25 نيسان/أبريل توليه الإدارة الذاتية عن عدن والمناطق المجاورة وإعلانه المسبق عن نيته "استعادة دولة الجنوب الفدرالية المستقلة".
لقد ملأ هؤلاء الحكام العملاء قلوب المسلمين قيحًا بجرائمهم التي تفوق الحصر، وآن لرجال هذه الأمة المؤمنين بوعد ربهم وهدي كتابهم وسنة رسولهم، أن يجتاز رفضهم لهذه الأنظمة الكلام والاحتجاج إلى عمل منضبط ومنتجٍ يفضي إلى إنزال الحكام العملاء القتلة من صياصيهم ويحقن دماء أبناء هذه الأمة ويعيد لها وحدتها وكرامتها.
{يا أَيها الذين آمنوا إنْ تتقُوا الله يجعَل لكم فُرقاناً}
28/شوال/1441هـ
20/6/2020م