بسم الله الرحمن الرحيم
متابعة سياسية
تصفية قضية فلسطين، الخط العريض لما يجري في المنطقة
أولًا: تصفية قضية فلسطين هو التحدي وليس الحفاظ على الهويات الفرعية
لقد بات إسدال الستار على آخر فصول قضية فلسطين معلنًا فيما يسمى بصفقة القرن التي تعبر عن نفسها بالإجراءات التي اتخذها نتنياهو وترمب بشأن القدس والجولان، وقرار ضم 30% من أراضي الضفة، وإعلان نتنياهو خطوطه الحمراء بشأن القدس الموحدة، وملف اللاجئين، بل وتعبر عن نفسها بشكل جلي في المفاوضات التي تجري بين أميركا والكيان الغاصب بمعزل عن الأطراف العربية وفي ظل تواطئهم. بينما تحاول الأنظمة العربية حرف بوصلة "القضية الفلسطينية" عن قصد بجعل تحديات صفقة القرن موجهة نحو النظام الأردني والسلطة الفلسطينية، وحصر خيارات المواجهة في إطار التمسك بـ "حل الدولتين" حفاظًا على الهويتين الأردنية والفلسطينية بزعمهم.
ففيما تحظى دول الخليج وباقي البلاد العربية بمبرر التعامل مع الكيان المجرم، بل تفاخر بذلك كالإمارات دون تحفظ أو حرج، باعتبار أنهم خارج دائرة الصراع مع كيان يهود، بعد أن تبرعت إيران بأن تقيل الكيان الغاصب من دوره في إفزاعهم، ضخّم النظام الأردني والسلطة الفلسطينية من خطر ضم غور الأردن المحتل، وحصرا تصوراتهما ورهانهما لمعالجة القضية في نتائج الانتخابات الأميركية، وعودة الحزب الديموقراطي إلى الحكم، بعد أن خيب نتنياهو رجاءهما بحل "الدولتين"، وبعد تخلي دول الخليج عنهما والتضحية بهما لقاء مستقبلهم في الحكم، وهو ما سيتخذ منه النظام الأردني والسلطة الفلسطينية بدورهما مبررًا لمزيد من التفريط بالقضية.
وبالرغم من ظهور بعض المواقف الرسمية العربية الرافضة للضم مؤخرًا دون خطوات عملية لمنعه، إلا أن السياق الذي انطلقت فيه المواقف هو رغبة الولايات المتحدة بتأجيل الضم، وليس إلغاءه، مما يجعل الرفض العربي الرسمي متماهيًّا مع الرغبة الأميركية بالتأجيل، وللتعبير عن مخاوف الأنظمة من تداعياته، مستغلين الانقسام الأوروبي حياله، وضعف التأييد الدولي له، مع العلم بأن انقسام الموقف الأوروبي الذي تراهن عليه السلطة وبعض الأنظمة العربية هو انقسام حول مواجهة قرار الضم بالعقوبات "الشكلية" أو بـ"القلق" فقط.
والحال كذلك مع الحزب الديموقراطي الأميركي الذي تراهن عليه السلطة والأردن، إذ ينقسم قادته حول العقوبات كما ينادي ساندرز أو الاعتراض التقليدي الشكلي كما يريد بايدن، لا سيما وأن الضم يتعلق بموضوع الأمن والسيادة، ولا خلاف حول أمن كيان يهود وسيادته على الضفة من قبل الحزبين الجمهوري والديموقراطي إلا بالتدابير التي اقترحها الجنرال جون ألين، المستشار الأمني لوزير الخارجية الأميركي جون كيري سنة 2014 ورفضها نتنياهو.
ومن تأمُّلِ مقال سفير دولة الإمارات في واشنطن يوسف العتيبة المخزي والموجه إلى كيان يهود الغاصب عبر صحيفة يديعوت أحرنوت، والذي لم يتجاوز مضمونه التطبيع إلى التحالف فحسب، بل تجاوز كل ذلك إلى تسخير المنطقة أنظمة وشعوبًا لخدمة الكيان المجرم إلى الحد الذي جعل المبعوث السابق للرئيس الأميركي، دونالد ترامب، إلى الشرق الأوسط جيسون غرينبلات يعلق على مقال العتيبة قائلًا: "آمل أن تواصل الإمارات تطوير “بيت العائلة الإبراهيمية”. فالحديث يدور عن مجال سيكون مسجدًا، وكنيسة، وكنيسًا. وإني سأتأثر حين أصل هناك لأصلّي مثلما صلّيت في البحرين قبل سنة"، عندما نتأمل ذلك نجد أمتنا تقف أمام حالة فريدة من التآمر والخيانة تتجلى آخر فصوها في التنفيذ العملي والرفض الشكلي لخطة ترمب والحَرَد من ضم ما هو مضموم أصلًا ليس حرصًا على الأرض بقدر ما هو رفع للعتب وخوف من لوازم الضم وتداعياته على الحكام.
وما الفزع على الهوية الوطنية المزعومة إلا غطاء للفزع على المصالح الفئوية والحكم الذي لشدة هشاشته وانعدام شرعيته يحسب كل صيحة عليه.
إن المقبل بشأن قضية فلسطين يستوجب من المسلمين الجهر بتخوين من يفرط بشبر منها بدعوى العجز والضعف والاضطرار. وأما من لا يزال يهذي بالوطنية خشية ضياع الهوية والانقراض أو رغبة في الاستئثار بالمناصب، فهو منفصل عن دينه وأمته؛ لأن هوية المسلم هي الإسلام, وكل بلاد المسلمين هي بلاده، وقضية فلسطين قي حقيقة مستواها السياسي هي قضية الأمة الإسلامية وخفض مستواها إلى جعلها قضية عرق أو قطر هو تضليل بل هو تقزيم ومسخ لها.

ثانيا: الخط العريض لما يجري في المنطقة
الأحداث السياسية في منطقتنا قاطبة تعكس حقيقتين لا تُخطئهما العين:
الحقيقة الأولى: توافق غربي على إبقاء المنطقة مقيدة عصية على الانعتاق والنهوض ومنع عودة الإسلام إلى الحكم، وهو ما يبرز في تأييد الغرب للتيار العلماني والليبرالي والتوجيه الثقافي وبرامج الإعلام والتعليم، وتشويه الذاكرة والوعي، ودعم الأقليات الدينية والعرقية، وإثارة النعرات والعداوات الجهوية والقومية وإفقار الشعوب وإشغالهم بكفاح رخيص.
الحقيقة الثانية: هي تنافس الدول الاستعمارية على ثروات المنطقة بشتى الوسائل وتقاسمهم مسؤولية مواجهة أهل المنطقة وقمعها وإذلالها، بصرف النظر عن خلافاتهم الاستعمارية على المصالح.
أما حروب الوكالة فأطرافها مجرد دمى في مباريات تقيمها الدول الكبرى وتهدف إلى تغليب من يقدم نفسه عميلًا للغرب على من يقدم نفسه متواطئًا أو شريكًا لهم، كتغليبهم للسيسي على الإخوان الذين رضوا الدنية في دينهم والتوافق مع عملاء الولايات المتحدة.
وفي حال كان الفرقاء عملاء للغرب، ينحاز الغرب إلى الأكثر ولاءً لمصالحه، والأشد بأساً على شعبه، والأكثر عداءً للإسلام وبطشًا بالمسلمين، والأكثر جسارة في كسر المحرمات الدينية، وعلمنة المجتمع ثقافة وسلوكًا، كابن سلمان وابن زايد والباجي قايد السبسي، والأجرأ على التقارب مع الكيان الغاصب، كملك البحرين وعبد الفتاح البرهان. وتقوم أميركا والغرب بدعم الخائن العميل ما لم يفشل في مهمته أو تحول المصالح الاستعمارية دون دعمه، وتستوجب التخلي عنه بعد استهلاكه، كالقذافي وزين العابدين؛ أو لعصيانه وتمرده أو تحوله إلى عقبة في وجه مشاريعها، كصدام حسين وياسر عرفات وعبد العزيز بوتفليقة وبشار وأردوغان أيضًا، أو أن يكون الانحياز لخصومه أكثر إنجازًا ونفعًا لمشاريعهم من الانحياز إليه، كخليفة حفتر وعمر البشير وعلي عبدالله صالح، أو أن يكون المشروع الجديد ومراحل تنفيذه تستوجب التضحية به، نحو تضحية أميركا بمبارك وزين العابدين، والانحياز لحركة النهضة وجماعة الإخوان لضبط الشارع واحتوائه، وإعادة إنتاج الأنظمة وتدوير نفاياتها وإثبات فشل "الإسلاميين" في الحكم ضمن مشروع الشرق الأوسط الكبير. أو أن يصبح بقاءُ الحاكم خطرًا على مصالح الدولة الكبرى كالرئيس الأندونيسي سوهارتو، الذي استقال بعد ساعتين من اتصال تلقاه من مادلين أولبرايت وزيرة الخارجية الأميركية على إثر المظاهرات الطلابية العارمة التي اجتاحت شوارع العاصمة جاكارتا سنة 1998.
هذا هو مختصر الواقع السياسي وما يجري في المنطقة ولا سبيل للخروج منه إلا بالعمل على إيجاد الوعي السياسي وإعادة بناء الوسط السياسي الذي استطاب الذلة واستمرأ الخيانة. وبناء الوسط السياسي المخلص لا يحصل إلا عن طريق عمل المخلصين من أبناء الأمة على تحويل نظرة أمتهم إلى المصالح عبر تغيير نظرتها إلى الحياة على أساس الإسلام، والأخذ بيدها لتحقيق غايتها الأولى وهي استئناف الحياة الإسلامية.
25/شوال/1441هـ
17/6/2020م