بسم الله الرحمن الرحيم
متابعة سياسية
المستجدات في سوريا وليبيا

أولًا: المستجدات في الواقع السوري وترقب نفاذ قانون قيصر
لا شك أن الفدرالية هي الرؤية الأميركية للحل في سوريا بعد فصل الشمال السوري بشريط جغرافي يمتد من البحر الأبيض إلى حدود العراق، مما يعتبر من الترتيبات الأساسية لإقامة كيان كردي يجمع مناطق من العراق وتركيا وإيران مستقبلًا، والذي تم تأجيله والبدء بفدرالية سورية كخطوة على طريق فصله لاحقًا، تمامًا كما فعلت بالعراق لا سيما وأن القضية الكردية متعلقة بفدرلة تركيا وليس سوريا في المنظور الأميركي.
وتبرز جدية أميركا بشأن الكيان الكردي في محاولة إسقاطها لحكم أردوغان والتضييق على تركيا، ومن خلال محاولتها إيجاد نواة للكيان الكردي عبر استفتاء كردستان العراق على الاستقلال، وعبر تأسيسها لجيش كردي كامل العتاد بذريعة محاربة تنظيم الدولة. وهو ما عمل أردوغان على إعاقته بسد الذرائع الأميركية وضربه لتنظيم الدولة، ثم شنه عملية نبع السلام بعد أن واصلت أميركا دعمها للأكراد، مما أسفر عن إقامة تركيا لمنطقة فاصلة لشرق الفرات عن غربه، وتعزيز نفوذها الاقتصادي بواسطة الليرة التركية التي باتت ملاذًا آمنًا للسكان، وتقوية وجودها العسكري في إدلب، وتفويت الفرصة على قيام كيان كردي مطل على البحر الأبيض وقابل للحياة.
كما أسفر عن تجميد أميركا لمشروع الكيان الكردي والشروع بمعالجة الوضع السوري تحت إلحاح صفقة القرن التي من شأنها أن تعزز فوز ترمب في الانتخابات، وبخاصة أنها تحتاج إلى أردوغان في ملف إدلب لحرصها على بقاء منطقة حاضنة للمعارضة السورية، واستجلاب دعم أوروبا التي تحرص بدورها على إدلب كمنطقة آمنة للمهاجرين الذين تؤرقها موجاتهم "المفخخة بالإرهاب" كما تؤرق تركيا.
وكل ذلك يحصل في ظل اهتمام روسيا بإدلب لاعتبارات أمنية تتعلق بقواعدها العسكرية القريبة في الساحل السوري، ولاعتبارات تمكنها من الاحتفاظ بمقعد يضمن مصالحها الاقتصادية والسياسية والأمنية، ويمكنها من ابتزاز أوروبا وتركيا وهو ما جعلها تتمسك ببشار الذي يستمد بقاءه من التناقضات بين القوى الفاعلة في سوريا، ومن دوره المتمثل بالتحرشات العسكرية وخلط الأوراق السياسية نحو إعاقته للمفاوضات وصياغة الدستور، وهو ما جعل بقاءه وزواله مرهونًا بصراع الأطراف الخارجية وتوافقها.
ومع سيطرة أميركا على المناطق الزراعية والنفطية شرق الفرات التي تمثل عصب الحياة لسوريا، والدعامة الأساسية لقوات سوريا الديموقراطية "قسد" الموالية لها، شرعت بإزالة العوائق من طريق صفقة القرن وأهمها تحجيم الدور الإيراني، وتحريك المياه الراكدة في لبنان؛ لتغيير مراكز الثقل السياسي وتغيير الحكومة العراقية، وتحريرها من أغلال الحشد الشعبي الموالي لإيران، وتخفيف وزنه، بحيث لم يعد بعد شروعها بذلك حاجة لبقاء بشار في معادلة النظام باعتباره سبة تلطخ المشروع الأميركي الذي تريد الولايات المتحدة له القبول من قبل الشعب وقوى المعارضة والفصائل المقاتلة التي ألزمت نفسها بخلعه، فضلًا عن عدم قدرة النظام نفسه على البقاء بعد إغراقه ببحر من التحديات.
وقد تضافرت الشواهد على بدء العمل لإقصائه بالقوة الناعمة من خلال تفكيك الدائرة الضيقة لبشار، والضغط الاقتصادي، واستبعاد الفصائل المسلحة، لا سيما وأن المظاهرات التي انطلقت مؤخرًا في السويداء والجولان، والأصوات التي تنادي برحيله في الساحل "العلوي" ليست تلك المظاهرات التي رفعت شعارات إسلامية وأعلنت "الجهاد"، وهو ما جعل مناخ التغيير مهيئًا لفرض بديل محصن ضد تهمة "الإرهاب الإسلامي" التي تبرر التدخل الإيراني والروسي، وتُفزع الجانب الأوروبي وحكام المنطقة.
وبموازاة ذلك فعّلت الولايات المتحدة قانون قيصر المزمع تطبيقه غدا الاربعاء 17-6-2020م، والذي لن يطال النظام السوري بقدر ما هو سيف مسلط على روسيا وإيران والقوى الموالية للنظام في لبنان وإيران، والذي سيكون سدًا في وجه المنافسين لأميركا في إعادة الإعمار، ويحرم أهل سوريا من الانتفاع بخيراتهم، ويعمق معاناتهم ويسلب إرادتهم ويكتم أنفاسهم لكي يستقبلوا الحلول الخارجية بلهفة وخضوع تحت وطأة الفوضى الأمنية التي سيخلفها الانهيار الاقتصادي والتجويع الناجم عن ذلك القانون.
ولعل المؤشر الأبرز لانتهاء صلاحية بشار في ظل الوضع السوري القاتم وفي ظل المستجدات في ليبيا هو إعلان وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف عن استعداد روسيا للحوار الشامل مع الولايات المتحدة حول سوريا، وهو منعرج غير تقليدي يشي بأن روسيا لم تعد تبدي حرصًا على بشار في ظل تداعي الدولة وتفكك النظام ووشوكه على الانهيار، وهو ما يفسر اهتمامها بتفعيل "اللجنة الدستورية"، ويفسر تذمرها من بشار وزهدها ببقائه، وسعيها لمأسسة العمل العسكري لإضعاف قوات ماهر الأسد والقطاعات الموالية لإيران في الجيش والأمن لصالح وزارة الدفاع. وبات تفادي الغرق في مستنقع التردي الاقتصادي السوري وفاتورة تبعاته وحماية مصالحها وبخاصة قواعدها العسكرية على البحر الأبيض المتوسط هو جل اهتمامها وأولويتها، وذلك لإدراكها أن قانون قيصر يستهدفها كما يستهدف النظام السوري؛ لأن القانون سيعطل الحركة المالية والاقتصادية لسوريا بموجب تصنيفه للبنك المركزي السوري مؤسسة لغسيل الأموال علاوة على أن أميركا تشترط لتجميد القانون تنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 2254 والذي ينص على أنه "ما من حل دائم للأزمة الراهنة في سورية إلا من خلال عملية سياسية جامعة بقيادة سورية تلبي التطلعات المشروعة للشعب السوري، بهدف التنفيذ الكامل لبيان جنيف المؤرخ 30 حزيران/يونيو 2012، الذي أيده القرار 2118 (2013)، وذلك بسبل منها إنشاء هيئة حكم انتقالية جامعة تخوَّل سلطات تنفيذية كاملة، وتعتمد في تشكيلها على الموافقة المتبادلة، مع كفالة استمرارية المؤسسات الحكومية" كما يدعم "انتخابات حرة ونزيهة تجرى، عملًا بالدستور الجديد، في غضون 18 شهرًا تحت إشراف الأمم المتحدة" وهو الأمر الذي يجعل رهان روسيا على بشار الأسد خاسرًا.

وختامًا: رغم عظم المصائب على أمتنا الغائبة عن الفعل المنتج إلا أنه ليس هناك أعظم من ضياع دينها الذي كان لإضاعته الأثر الأكبر في طمع أعدائها بثرواتها وحكم العملاء والخونة لها وتلاعبهم بمصيرها. فنسأل الله أن يخيب مسعاهم ويرد أمتنا إلى دينها ردًّا جميلًا ويرزقها رشدها وهداها إنه ولي ذلك والقادر عليه.

ثانيًا: تأجيل زيارة وزير الخارجية الروسي لافروف ووزير الدفاع شويغو إلى أنقرة في غمرة الأحداث المتسارعة في ليبيا والتحديات التي تهدد نظام بشار الأسد
أرجأ وزيرا الخارجية والدفاع الروسييْن زيارتهما إلى أنقرة لبحث الملف السوري والليبي بعد أن أعلنا عن الزيارة بيوم واحد والذي كان مقررًا يوم الأحد 14 حزيران/مايو وذلك عقب اتصال هاتفي مع وزير الخارجية التركي جاويش أوغلو.
ورغم نفي أوغلو وجود خلافات في الملف الليبي إلا أن صيغة النفي تشي بغير ذلك حيث قال: "ما من مشاكل من حيث المبادئ الأساسية في المباحثات مع الروس". وأضاف أنه "لم تتزعزع الطاولة من أجل هذا السبب أو ذاك، لكن في هذه المرة هناك مسار قد يأخذ ليبيا إلى وقف إطلاق نار دائم وإلى العملية السياسية، ونحن بحاجة إلى الحديث عن تفاصيل أكثر". فبالنسبة "للمبادئ الأساسية" وهي تحريك المسار السياسي الذي يحظى هذه المرة بدعم أميركي يتجسد بالسماح لتركيا لدعم حكومة الوفاق وتقليص الدعم لحفتر من قبل مصر والإمارات وروسيا وتهميش فرنسا وإبراز مبادرة عقيلة صالح بتشكيل مجلس رئاسي من رئيس ونائبين، يختار كل إقليم من أقاليم ليبيا الثلاثة (طرابلس وبرقة وفزان) أعضاءه، بالإضافة إلى تفعيل لجنة 5+5 المتمخضة عن مؤتمر برلين.
بالنسبة لذلك كله فليس ثمة خلافات بين روسيا وتركيا، ولكن من خلال تركيز أردوغان على تنحية خليفة حفتر ورفض حكومة السراج التفاوض معه دل ذلك على أن ثمة خلاف حول البديل عن حفتر، حيث أن الإبقاء عليه يفرغ إنجازات أردوغان وحكومة السراج من مضمونها ويفقدها بريقها. فيما تحاول روسيا التمسك بحفتر لعدم وجود بديل يقبل بدوره سوى عقيلة صالح الذي يندرج النقاش حوله ضمن التفاصيل التي تحدث عنها جاويش أوغلو، مما يعني أن حفتر قد فقد حظه في البقاء في المشهد السياسي، لا سيما مع وجود مؤشرات تفيد في هذا الخصوص نحو الهجوم عليه من قبل عضو برلمان مقرب من النظام المصري حيث اتهم حفتر بإضاعة المصالح المصرية في ليبيا.
وأما الخاسر الأكبر في الملف الليبي فهي فرنسا وأوروبا التي انكشفت خاصرتها الجنوبية على التهديد الأمني والنفوذ الروسي والتركي، الذي سيمكن أميركا من إدارة مصالح الدول الأوروبية وأمنهم، وهو الأمر الذي دعا ماكرون إلى العويل والتشنج، واتهام تركيا بأنها تستغل عضويتها في حلف الناتو للتمدد في أفريقيا، لا سيما وأن اصطفاف فرنسا مع حفتر قد ذهب بحظوظها في القبول من قبل حكومة السراج التي أضعفت الدور الأوروبي في الملف الليبي من خلال رسالة السراج لمجلس الأمن الدولي، التي رفض فيها خطة الاتحاد الأوروبي لمراقبة حـظر توريـد السلاح إلى ليبيا في إطار عملية "إيريني"، بدعوى عدم التشاور بشأنها مع حكومته كما تنص قرارات مجلس الأمن.
وأما بخصوص العلاقة بين روسيا وتركيا، فلا يتوقع أن يغامر بوتين بخسارة تركيا التي يحرص على إبقائها على مسافة واحدة منه ومن أميركا وحلف الناتو، حيث يعتبر التعاون الاقتصادي والعسكري والسياسي الذي أنجزه مع تركيا اختراقًا للطوق المفروض عليه.
ولذلك فإن من المرجح أن لا تبدي روسيا تمسكًا بخليفة حفتر، طالما أن بقاءها في الملف الليبي يمكن الاحتفاظ به من بوابة عقيلة صالح، الذي صدر عنه إشارات تستجيب لمطامح روسيا، وتتفق مع الأهداف الأميركية للقضية برمتها.
24/شوال/1441هـ
16/6/2020م