بسم الله الرحمن الرحيم
متابعة سياسية
حول أحداث الشغب في أميركا

أولا: معارضة وزير الدفاع الأميركي لنشر الجيش في المدن الأميركية
عقب معارضة وزير الدفاع الأميركي لتلويح ترمب بعصا الجيش لقمع الاحتجاجات كتب ٨٩ موظفًا سابقًا في المؤسسات العسكرية والمدنية الأميركية (منهم ٤ وزراء دفاع سابقين هيجل وكوهن وبانيتا وكارتر) رأيًا نشرته صحيفة الواشنطن بوست، هاجموا فيه ترمب، وحذروه بأن تسخير الجيش لإخماد الاحتجاجات سيؤدي إلى الإخلال بالثقة بين الشعب والجيش، مذكرين أن الجيش أُسس لمحاربة أعداء أميركا وليس مواطنيها.
وهذا وإن كان يعبر عن تقدير عال للمسؤولية، ورفض المساس بالعقيدة العسكرية، التي تعكس مركزية الشعب في فلسفة الحكم الديموقراطي، بخلاف مركزية الحاكم في الأنظمة الاستبدادية، إلا أنه لا يغيّر في حقيقة أنه يعكس عمق الانقسام في المجتمع الأميركي، رغم أن ترمب وخصومه يتصرفون من منطلق الحفاظ على مؤسسة الحكم الراعي لمصالح الطبقة الرأسمالية بمختلف توجهاتها.
فالدولة في النظام الرأسمالي تُعنى بمصالح الرأسماليين، وأما الحكام سواء من الحزب الديموقراطي أو الحزب الجمهوري فليسوا سوى أُجَراءَ عند أصحاب الأموال الذين يمولون حملاتهم الانتخابية، ونذكر هنا كيف انتصر كلينتون لشركة شيكيتا التي دعمت حملته الانتخابية وفرض على أوروبا غرامة بعشرات الملايين من الدوارات، كما نشير إلى أن الإدارات الأميركية دأبت عقب تسلم الحكم على الاجتماع بالشركات لإبلاغهم بأن الحكومة هي حكومتهم، علمًا أن أكبر ألف شركة في أميركا مسؤولة عن 60% من الناتج القومي الأميركي وهو ما يعكس أهمية الشركات وتأثيرها على صنع القرار في الأنظمة الرأسمالية.
والحال أنه إذا بقيت الملمات متعاقبة على ترمب فلا يُستبعد أن يتخلص الجمهوريون منه بأنفسهم للحفاظ على أغلبيتهم في مجلس الشيوخ، ومحاولة انتزاع مجلس النواب من الديموقراطيين، سيما وأنهم التزموا الصمت إزاء سوء إدارته، ولم ينبروا للدفاع عنه إلا في إطار الدفاع عن حزبهم في مواجهة الديموقراطيين، مع تمسكهم بمعتقداتهم العنصرية التي ما فتئت تتفاقم منذ ثورة نيوت جينجرش داخل الحزب الجمهوري، التي ورث أفكارها "حراك الشاي" بقيادة ساره بالين في الحزب الجمهوري.
وكما هو واضح فإن مركز تنبه ترمب هو كسب أصوات قاعدته الانتخابية الإنجيلية التي جاءت به إلى الحكم والتي يغازلها برفع "الكتاب المقدس" تارة، وبالتأييد المطلق لكيان يهود وبعدائه السافر للمسلمين والتفاخر بإذلال حكامهم تارة أخرى، وإهماله باقي فئات المجتمع الأميركي وهو ما دعا ماكونيل رئيس مجلس الشيوخ (من الحزب الجمهوري) إلى القول: "لكي نتفادى حائطًا أزرقَ كما حدث في انتخابات النواب النصفية يجب علينا الحصول على أصوات النساء وخريجي الجامعات" وأضاف قائلًا: إن "الديمقراطيين قتلونا"، بينما كتب جورج ويل المعلق السياسي المحافظ في صحيفة واشنطن بوست رأيًا خلاصته أنه "يجب إنهاء فترة إدارة ترمب".
إن دونالد ترمب هو رجل مرحلة، وبحسب مراقبين أميركيين فقد مكن ترمب الحزب الجمهوري من الاستحواذ على الرئاسة وعلى مجلس الشيوخ كما تمكن من إعادة هيكلة السلك القضائي بعد التغييرات التي أحدثها أوباما حيث كان الأخير قد قام بتعيين ٣٢٩ قاضيًا منهم ٢ للمحكمة الدستورية و٥٥ لمحاكم الاستئناف الفدرالية و٢٦٨ لمحاكم الدرجة الأولى, وقد طفق ترمب بإعادة هيكلة السلك القضائي في سياق التنافس على النفوذ في السلطة القضائية، وخدمة لمصالح الشركات ورؤوس الأموال من خلال تعيين قضاة أكثر تفهمًا واستيعابًا لنظرة الحزب الجمهوري في مسائل البيئة وحقوق المستهلك والتشريعات التجارية وغيرها، وذلك لأهمية السلطة القضائية في ترجمة المقاصد والمصالح من التشريعات التي ينتجها المجلس التشريعي (الكونغرس) والآراء القانونية التي ينتجها النظام القضائي، والأوامر التنفيذية التي يصدرها الرئيس لا سيما أن السلطة القضائية هي إحدى السلطات النافذة في النظام الأميركي.
وقد خلص بعض المراقبين إلى أن نجاحات ترمب وعصابته لم يقدر على تحقيقها ريجان، ولا بوش الأب والابن، لكن ذلك حصل قبل أن تُلجئه الأزمات والتهم بسوء إدارتها إلى إهمال القاعدة الحزبية، والتركيز على شعبيته وقاعدته الانتخابية شخصيًا واستغلاله لكل ما يداعب عواطف الجمهور كتغريدته الساذجة حول جورج فلويد وقوله: إن "جورج فلويد ينظر إلينا من السماء ويثني على الاقتصاد الأميركي". وبالتالي فإن الجمهوريين أمام تحدٍ قد يضطرهم إلى التضحية بترمب ما لم يتداركوا الموقف، ويقلبوا الطاولة على خصومهم بافتعال قضايا داخلية أو خارجية وهو الأمر الذي دأب عليه الرؤساء والأحزاب في أغلب الانتخابات الأميركية.
والحاصل أن التنافس بين الحزبين والانقسامات بين مجموعات الضغط والدولة العميقة المتمثلة بالمجمع الصناعي العسكري ولوبيات المال والبنوك وشركات النفط والإعلام، يدور حول مصالح الطبقة الرأسمالية، وأن ما يجري من احتجاجات هو تضخيم يُراد منه تفريغ احتقان الشعب، ولن يكون له تأثير على السياسة الخارجية لأميركا، التي حققت نجاحًا في ملفات خارجية مهمة وسط أزمات داخلية منذ حركات حقوق السود في ستينيات القرن الماضي، وحرب فيتنام التي انقسم حيالها الشارع الأميركي والتي تُعد أكبر من الأزمات التي تواجهها الإدارة الأميركية هذه الأيام.
إن ترمب رغم ردحه لخصومه ومعارضيه، وصفاقته التي تحرج الجمهوريين؛ لكنه مرغوب لدى المحافظين لتجانس أسلوبه مع منهجهم اليميني المتطرف، وهو في حراسته لمصالح الرأسماليين يشبه شبيحة بشار وبلطجية السيسي ومجرمي المافيات وحُراس المواخير، لكن بقاءه مرهون بقدرته على تفادي انخفاض شعبيته التي إذا هبطت ستقدمه الدولة العميقة قربانًا من أجل الحفاظ على مصالحهم.

ثانيًا: الانقسامات والتنافس بين قوى الضغط في أميركا
مما تجدر الإشارة إليه بشأن الانقسامات والتنافس بين قوى الضغط في أميركا, والتي تنعكس بدورها على الحزبين، فهي تتعلق بأولويات السياسة ومصالح القوى المؤثرة في صنع القرار حتى في داخل المعسكر الواحد.
ولم يكن الوضع على هذا النحو دائمًا، ولكن من تتبع مجريات السياسة الداخلية في الولايات المتحدة في العقود الأربعة الأخيرة ومنذ حرب فيتنام نجد اختلافًا لا يمس الجوهر بين الحزبين في توجيه البرامج السياسية بحسب وظيفة كل حزب، وتفاعل القضايا الخارجية والداخلية وتأثيرها المتبادل على مصالح نوادي النخب، وقوى الضغط بحسب متطلبات المرحلة بتقديرات أصحاب الشأن والقرار، فقد أصبح الجمهوريون يتولون قضايا الحروب وسياسة المواجهة والقوة الصلبة والتجارة والاصلاحات الضريبية التي تخدم الرأسمالية الأميركية وهو ما برز في ظل إدارة ريغان وبوش الأب والابن بشكل واضح، فيما أصبح الديمقراطيون يتولون الاصلاحات الاجتماعية والصحة والتعليم وسياسة الاحتواء والقوة الناعمة في الشؤون الخارجية التعاونية وهو أمر بارز في إدارة إدارتي كلينتون وأوباما.
ولذلك نادرًا ما نجد ديمقراطيًّا ينادي او يُعنى بالقوانين التي تقلص الضرائب، أو نجد جمهوريًّا يُعنى بالقوانين المتعلقة بالحقوق المدنية. ومهما يكن من أمر فإن حالة التيه وانعدام اليقين لدى الشعب الأميركي ستبقى ملازمة للحياة السياسية والمجتمعية لعدم إدراك الشعب بأن الرعاية السياسية التي يكتوون بنارها هي مخرجات القيم والعقيدة الرأسمالية التي يؤمنون بها، فهم لا يدركون بأن ظلم النظام وتغوله على الشعب إنما هو تنفيذ لمجموعة المفاهيم والمقاييس والقناعات وانعكاس لقيمهم وتجسيد لإرادتهم، وإن إدراك المسلمين بأن ما يطبقه الحكام عليهم لا يمت لعقيدتهم بصلة يجعل المسلمين متقدمين على باقي الأمم خطوة نحو الفكاك والانعتاق بإذن الله.

16/شوال/1441هـ
8/6/2020م