بسم الله الرحمن الرحيم
متابعة سياسية
تطورات الوضع في ليبيا بعد استعادة طرابلس
بعد أن استعادت قوات حكومة الوفاق السيطرة على جميع مدن الساحل الغربي والسيطرة على قاعدة الوطية، في 18 أيار/مايو، وتطهير طرابلس من بقايا قوات حفتر، ودخول قوات حكومة الوفاق لمدينة ترهونة صباح يوم الجمعة 5 حزيران/يونيو، أصبح الطريق ممهدًا لتنفيذ توصيات مؤتمر برلين التي من شأنها تهميش الدول الكبرى، وتكبيل الفصائل المقاتلة بأغلال الحلول السياسية بعد أن حققت أميركا معظم أغراضها من القتال بالوكالة.
أولًا وقبل كل شيء، إن سعادة المسلم بارتفاع الظلم والقتل عن المسلمين واندحار عميل مجرم باغٍ كخليفة حفتر، الذي جلب المرتزقة والكفرة الروس والفرنسيين لقتل المسلمين، هو مما يتفق مع الفطرة السليمة وأخوة الإسلام، رغم إدراكنا أن حكومة السراج أداة في المشروع الأميركي تمامًا كخليفة حفتر، وإدراكنا كذلك أن أميركا تدفع من خلال تجريد حفتر من انتصاراته قربانًا لتنفيذ توصيات مؤتمر برلين التي ستنهي مبرر وجود الفصائل المقاتلة، وتُفرد حكومة السراج بالحكم، وهذا ما ينطوي عليه تصريح وزير الداخلية الليبي فتحي باشاغا عقب تحرير طرابلس والانطلاق نحو المعقل الأخير لحفتر في مدينة ترهونة، حيث دعا إلى "العودة إلى شرعية الدولة" وأضاف أن: "وزارة الداخلية ستباشر على الفور تأمين المناطق المحررة حديثًا، وستنتشر عناصر الشرطة وفقًا لخطة معدة مسبقًا، وسيقومون بتفعيل مديريات الأمن ومراكز الشرطة، بما يضمن حماية مكتسبات التحرير، وتحقيق الأمن، وتطبيق القانون".
إن أميركا هي التي سمحت لروسيا بالتواجد في إفريقيا وجنوب المتوسط؛ لصرفها عن التركيز على وسط وشرق آسيا، وتوهين علاقتها بالصين وخلق تنافس بينها وبين الصين في إفريقيا، ومنع تحالفهما، وخلق تنافس بينها وبين أوروبا، وبخاصة فرنسا، وتوسيع الفجوة بين الأخيرة وبين ألمانيا؛ لإشغالهم وتحجيمهم جميعًا، وتبرير عمل حلف الناتو وتمكينه من الإمساك بملف الأمن لجنوب القارة الأوروبية، وهو ما تحرص عليه أميركا، وعبر عنه قائد القوات الجوية الأميركية في أوروبا الجنرال جيف هاريغيان أن روسيا إذا استولت على قاعدة عسكرية في الساحل الليبي، فإن الخطوة المنطقية المقبلة ستكون نشر قدرات دائمة بعيدة المدى. وحذر الجنرال الأميركي من أنه إذا تحقق ذلك فسيخلق مخاوف أمنية حقيقية للغاية على الجانب الجنوبي من القارة الأوروبية. وواضح من هذا الكلام أنه لدق إسفين بين روسيا وبين تركيا، وهو ما بدا واضحًا في تصريح السفير نورلاند الذي قال فيه "إن التصعــيد الحقيقي في ليبيا بدأ مع تدخل مرتـزقة فاغنر من روسيا في أكتوبر الماضي والتدخل التركي جاء رداً على ذلك"، لا سيما أن خروج تركيا من التبعية لأميركا بات يفرض التعامل معها بمنطق المصلحة والتوافق والاستمالة والإغراء، دون التخلي عن تهديد وحدتها من أجل فدرلتها كما هو مخطط لها، وهو ما ظهر مؤخرًا في محاولة أميركا إضفاء الشرعية على الفصائل الكردية وتوحيد صفوفها ودمجمها تمهيدًا لإشراكها في المفاوضات السورية المقبلة، وهو ما رفضه أردوغان، فيما تمارس تركيا السياسة بالمنطق البراغماتي وفن الممكن لا من منطلق العقيدة.
فأردوغان وإن كان على خلاف مع أميركا لتدخلها في الانتخابات التركية لإسقاطه، ودعمها لخصومه، وتشجيع رجالها لتمزيق حزبه، وكسر احتكاره للخطاب المحافظ، وتفتيت قاعدته الحزبية والانتخابية والشعبية، والضغط عليه اقتصاديًا ورغم خلافه معها بشأن الكيان الكردي وشرق الفرات، لكنه تدخل في ليبيا بغطاء أميركي من منطلق مصالحه السياسية، ومصالح تركيا القومية والاقتصادية، ومن منطلق المصالح المشتركة مع الولايات المتحدة التي تجد في تدخل أردوغان عاملًا مشجعًا في احتواء الفصائل الليبية، وعنصرًا مهما في الضغط على روسيا بشأن بشار، وبخاصة أن روسيا ما تزال تبتز أردوغان وتضايقه بموجات الهجرة وتُحْرِجُه في الملف السوري.
ويتمثل الضغط التركي على روسيا من خلال تباطؤ تركيا في تصفية ملف جبهة النصرة في إدلب، ومؤازرتها لأوكرانيا، وبالتقرب من أميركا التي تحاول جر تركيا للمساعدة في إتمام صفقة القرن من بوابة نقل نفط كردستان العراق إلى كيان يهود عبر موانئها، ومغازلة كيان يهود المتلهف لعودة العلاقات الدافئة مع تركيا المؤثرة في حماس والعالم الإسلامي، ومحاولتها خلط الأوراق بين روسيا وكيان يهود الغاصب من جهة، وبين روسيا وإيران في ملف نقل السلطة في سوريا وإلحاقها بقافلة المستسلمين للحل الإقليمي تحت وطأة قانون سيزر وتبدل موازين القوى وإغراءات إعادة الإعمار من جهة أخرى.
وكل ذلك يشي بتحريك سياسي متسارع قبيل الانتخابات الأميركية التي باتت كابوسًا يفرض على ترمب حشد مزيد من الأوراق الخارجية للتعويض عن فشله في إدارة الأزمات الداخلية المتلاحقة. لقد كانت النتائج التي حققتها حكومة الوفاق الليبية برئاسة فائز السراج منسجمة مع تصريح السفير الأميركي، ريتشارد نورلاند، وقوله إن "الولايات المتحدة تريد أن ترى نهاية للهجوم الذي تشنّه قوات حفتر على طرابلس، ووقف دائم لإطلاق النار، وحل سلمي تفاوضي للنزاع" وتصريح وزير الخارجية الأميركي بومبيو إن "الحل الوحيد يكمن في العودة إلى المسار السياسي، وضرورة الالتزام بنتائج مؤتمر برلين".
وأما تصريحات الاتحاد الأوروبي الإيجابية بشأن الاتفاقية التركية الليبية وتصريحات فرنسا وروسيا بشأن وقف إطلاق النار والعودة إلى المسار السياسي، فهو من قبيل الهروب إلى الأمام، بعد أن عكست تركيا ميزان القوة لصالح حكومة الوفاق بمباركة أميركية، وهو ما يؤكده تصريح أحمد معيتيق النائب بالمجلس الرئاسي عقب انتهاء الاجتماعات مع الجانب الروسي حيث قال: "لدينا قناعة اليوم أن روسيا شريك مهم في استقرار ليبيا".
كما يؤكده ما رشح من تفاهم بين روسيا والجانب الليبي من معلومات حول تفاهم الجانبين على "إخراج جميع أفراد مرتزقة فاغنر الروسية من ليبيا خلال اليومين القادمين، وتنسيق الجهود بين الطرفين سياسيًّا واقتصاديًّا وعسكريًّا" لقاءَ "النظر مجددًا في قضية الروسييْن المعتقليْن في طرابلس". غير أن ذلك كله لا يعني انتهاء دور حفتر كليًا في هذه المرحلة التي برهنت الولايات المتحدة من خلالها على فشل التخطيط العسكري لروسيا وفرنسا وأوروبا مجتمعين في حسم الموقف لصالح حفتر عسكريًّا، وتلطيخ سمعة السلاح الروسي التقليدي بالوحل على يد تركيا؛ لأن المطلوب تحقيقه أميركيًّا هو أجندة حفتر في لجم القوى المعارضة في الغرب الليبي، واحتوائهم ودمجهم أو إقصائهم، وهو ما يمكن تحقيقه سياسيًّا عبر توصيات مؤتمر برلين بضم حفتر إلى الحكومة أو بإقصائه.
كما أن ذلك لا يعني إنهاء الوجود الروسي والفرنسي في ليبيا تمامًا؛ لأن حضورهم يبقيهم ضمن التوظيف الأميركي ويحقق لأميركا الأهداف المتعلقة بالعلاقات فيما بينهم كما أشرنا آنفًا، لا سيما وأن مرونة استراتيجيات أميركا الخارجية قابلة لاستيعاب مخرجات الأحداث وإعادة استثمارها كمدخلات لمراحل لاحقة، رغم أنها تتيح هامشًا لكافة الأطراف في تحقيق مكاسب جانبية بل وقابلة للفشل أيضًا.
إن الأحداث تثبت يومًا بعد يوم أن المسلمين لا يزالون وقودًا في معارك ليست معاركهم، ولن يبرحوا الوهدة التي تردوا فيها ما لم يعتمدوا على أنفسهم، ويسدوا الذرائع أمام تدخلات الدول الغربية الاستعمارية التي لا تتدخل إلا لمصالحها، وأولى تلك الثغرات هي اختلاف القوى السياسية في النظرة إلى الحكم تبعًا لاختلافهم في النظرة إلى الحياة وتبنيهم لمنتجات الفكر السياسي الغربي الذي يحرف بوصلتهم ويعمق خلافاتهم ويزيد في تمزقهم واحترابهم وتحكم أعدائهم بهم.
إن الخطوة الأولى في خلاص أهلنا في ليبيا بعد أن تحول ميزان القوة لصالحهم وسط تضارب مصالح أعدائهم، ووسط دخول تركيا على الخط، هي إصرار الفصائل المقاتلة، التي يراد تصفيتها أو دمجها تحت قيادة السراج العميلة، على إفراد تركيا في هذه المرحلة بالنفوذ والتأثير في حل الأزمة مع حث قيادتها على حمايتهم وتمكينهم من إنفاذ إرادتهم وفق شريعة الله.
فتركيا وإن كانت دولة علمانية تنطلق من مصالحها القومية وتفاهماتها الدولية، لكن شعبها مسلم محب للإسلام ويمكن استغلال شعار الأخوة الإسلامية الذي ترفعه قيادتها وامتحان إرادتها وصدق شعاراتها في حماية إخوانهم في ليبيا وتقاسم الثروة معهم وتقوية تركيا ذاتها ومشاركتها التحرر والاستقلال والقوة، بدل أن يدفع أهل ليبيا الجزية لأعداء الأمة من قوتهم.
وعلى تركيا التي نجحت في كنس مرتزقة العميل خليفة حفتر وتعهد رئيسها أردوغان بالأمس بأن لا يترك أهل ليبيا تحت رحمة السفاح خليفة حفتر ومرتزقته أن تحصن ليبيا من التحول إلى ساحة حرب بالوكالة، أو تترك ثروة الأمة نهبًا لكل طامع، وهي قادرة على ذلك إن أخلص قادتها العمل لله، واستندوا إلى الأمة التي تؤازرهم وتعقد الآمال عليهم إن هم قطعوا مع النظام الدولي وتوكلوا على الله الذي قال {ومن يتوكل على الله فهو حسبه}.

13/شوال/1441هـ من إصدارات حزب التحرير
5/6/2020