بسم الله الرحمن الرحيم
متابعة سياسية
أحداث الشغب في أميركا
لقد كان اختيار ترمب للرئاسة في أميركا يعبر منذ البداية عن فلسفة واستراتيجية الولايات المتحدة الموروثة عن الأوروبيين، والتي تقوم على مركزية "العرق الأبيض". فأثناء حفل تتويجه رئيسًا أحاط ترمب نفسه بمجموعة من ذوي البشرة البيضاء بما يُمثل ردة فعل أو تصحيحًا لخطأ تنصيب أوباما ذي الأصل الإفريقي رئيسًا في البيت الأبيض.
كما عكس مجيء ترمب إلى الرئاسة انسحابًا من الدبلوماسية السياسية لصالح استراتيجية المواجهة، المتمثلة بفرض الواقع وعدم الاكتراث بالمفاهيم المشتركة وعدم المرونة، وهي سياسة مبنية على أفكار كيفن فيلبس كبير استراتيجيي نيكسون فيما يعرف بالقطبية الإيجابية التي وصفها تقرير الكونجرس الأميركي في عام ١٩٧٠ "تأجيج العروق الخفية للخوف والعرقية والكراهية التي تختبئ في أعماق أميركا وتتمثل في احترام الماضي وعدم الثقة في المستقبل وسياسة الضد" والتي تعتبر أيضًا لبنة في صراع الحضارات ومعارك الثقافات التي بسطها صموئيل هنتنغتون في كتابه "صدام الحضارات"، واستغلتها القوى اليمينية في أميركا داخليًّا لإقصاء الآخر وصدرتها إلى الخارج.
ولا غرابة في ذلك؛ لأن تفوق العرق الأبيض سيما الإنجلو سكسوني هي فلسفة داروينية تُدرس في مدارس وجامعات الغرب، وتمثل ثمرة المنهج العلمي؛ لأنها ترسخ استعلاء الجنس الأبيض ومركزيته، وتعمق الشعور بالدونية والذلة في الأجناس الأخرى، وتبرر قتلهم وامتهان كرامتهم ونهب ثرواتهم.
إن قتل "جورج فلويد" بهذه الطريقة تحديدًا يؤكد مفهوم مركزية الجنس الأبيض في الوعي المجتمعي للولايات المتحدة؛ لأن خنق الشرطي لجورج فلويد على الأرض بركبته هو فعل مقصود يوحي بالرد على تصرف النجم السابق في نادي سان فرانسيسكو فورتي ناينترز "كولن كابرنيك" الذي جلس ووضع ركبته على الأرض في آب/أغسطس 2016 خلال عزف النشيد الأميركي احتجاجًا على قتل عدد من السود من قبل رجال الشرطة البيض، تلك الحادثة التي فجرت عنصرية ترمب في حينه وجعلته يصف النجم كابرنيك بابن الزانية ويدعو لطرده وطرد اللاعبين الذين آزروه.
ومهما يكن من أمر فإن قتل جورج فلويد لم يكن الحادثة العنصرية الوحيدة التي اقترفتها الشرطة الأميركية فقد قتلت ١٢٥٢ مواطن من أصول أفريقية منذ مطلع ٢٠١٥، وهي نسبة تزيد عن ضعف قتلى البيض، ولكنها جاءت وسط الاحتقان الناجم عن أزمة كورونا وتداعياتها الاقتصادية والمجتمعية الضاغطة على الشعب الأميركي، كما جاءت في ظروف السجال السياسي والتنافس الانتخابي الحاد بين الجمهوريين والديموقراطيين الذين أدى تراشقهم بالتهم إلى الاستقطاب ورفع مستوى الاحتقان الشعبي وإثارة النعرات العنصرية نحو تغريدة جو بايدن التي حرض فيها الزنوج الأميركيين على ترمب والجمهوريين، أعقبها هجوم عنيف من ترمب وحزبه على خصومهم وكان لذلك أثرٌ في تأجيج الاحتجاجات واتساعها.
وبينما يحاول ترمب استغلال الاحتجاجات لصرف الأنظار عن سوء إدارته لأزمة كورونا، وتعزيز سلطته، وتطهير مؤسسات الدولة من خصومه كما فعل في سلك القضاء، واستغلالها أيضًا في كسر الحظر، والإسراع بالعودة إلى الحياة الطبيعية، ومحاولته كذلك الاستفادة من الأزمة في تسويق نفسه عندما رفع "الكتاب المقدس" من أمام كنيسة سانت جونز، وحينما صرح في حديقة البيت الابيض الإثنين الأول من حزيران/يونيو أنه الرئيس الذي يوصف برئيس الأمن والقانون؛ لتعزيز مكانته لدى قاعدته والآخرين الذين يرفضون انزلاق البلاد إلى حرب شوارع. وبينما هو عاكف على ذلك، يحاول الديموقراطيون أن يربكوه ويثبتوا عدم كفاءته في إدارة الأزمات وتحميله مسؤولية التردي.
ورغم أن الأمور لا تسير لصالح ترمب في الوقت الراهن لكنها لا تعطي أفضلية لجو بايدن، وربما يضطر ترمب إلى اللجوء لمفاجأت داخلية وخارجية قبيل الانتخابات لقلب الأوضاع لصالحه على غرار ما فعله مع هيلاري كلنتون في الانتخابات الرئاسية السابقة.
ورغم تصريح وزير الدفاع الأميركي الذي أعلن أن المؤسسة العسكرية ملتزمة بحماية حقوق المواطنين والممتلكات، وأنه يعارض استخدام القوة لفض الاحتجاجات، ورفض المتحدثة باسم البيت الأبيض التعليق على تصريحاته وهو ما يشي بانقسام في مؤسسات صنع القرار، رغم ذلك كله فإن من المؤكد أن يتم تطويق الأزمة بعد تفريغ احتقان الشعب وتخديره بحلول ترقيعية، وقتل القضية بتشكيل لجان تحقيق وأكباش فداء من الشرطة. على كل حال في النظام الديموقراطي لا يتم التغيير إلا عبر صناديق الاقتراع، وما يجري لا يندرج في التغيير بل هو فوضى عارمة وصرخة ألم، ولهذا خرج أوباما وجورج بوش بتصريحات من شأنها احتواء غضب الجماهير وتوجيههم للتعبير عن رأيهم في الانتخابات من أجل الحفاظ على آليات الديموقراطية الليبرالية ومكتسبات الرأسمالية ومافيات المال والأعمال.
إن العرقية والكراهية التي تختبيء في أعماق أميركا كما عبر عنها تقرير الكنغرس الآنف الذكر هي حقائق تظهرها الأحداث, وهي من عوامل الهدم لبنية المجتمعات, والرأسمالية أو المذهب الحر الذي يحكم معظم العالم حاليًّا، لم يستطع أن يمحو العنصرية البغيضة من أعماق الدولة المتزعمة للعالم الرأسمالي والتي ترفع لواء الحرية والديموقراطية عنوانًا لإنقاذ البشرية وتصدع بها الرؤوس دون انقطاع، في الوقت الذي تشن به حربًا لا هوادة فيها على الإسلام والمسلمين الذين استطاع الإسلام أن يمحو من أعماقهم أية جذور أو عروق خفية للعرقية أو أية مظاهر للعنصرية بمجرد اعتناقه.
{يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائلَ لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم}
12/شوال/1441هـ
4/6/2020م