بسم الله الرحمن الرحيم
متابعة سياسية
أولًا: تصريحات ملك الأردن عن الصدام مع يهود
في مقابلة له مع صحيفة ديرشبيغل الألمانية هدد الملك الأردني إسرائيل بصدام كبير مع بلاده حال ضمها المرتقب في تموز/يوليو المقبل مستوطنات الضفة والغور الأردني. ولكن الملك الذي رهن بلاده سياسيًّا واقتصاديًّا لأميركا لا يشكل موقفه هذا سوى مجرد بلاغ للناس، وليس موقفًا سياسيًّا حقيقيًّا يترتب عليه إجراءات تعرقل صفقة ترمب، فهو من قبيل رفع العتب عن نفسه أمام أبناء المسلمين في الأردن وفلسطين بخاصة والمنطقة بعامة.
لكن ذلك لا يعني أنه مع الضم، وأن مخاوفه ليست حقيقية على حكمه ومستقبل العائلة المالكة, ولكنه في النهاية يدرك أنه سيخضع لإرادة أميركا لقاء توريث ولده.
والذي يعزز أن موقف الملك هو من قبيل الإبلاغ ورفع العتب، هو أن أغلب الإجراءات التي يتخذها الملك ونظامه تسير ضمن تصفية القضية على حساب الأردن. سواء في ملف اللاجئين أو السير نحو الملكية الدستورية. وقبل يومين قال الأمير علي في لقاء تلفزيوني أن العائلة تتطلع لأن تكون مظلة وصمام أمان للمجتمع بمختلف مكوناته، وأنه يأمل أن تصبح الحكومة منتخبة من قبل البرلمان.
وبالطبع فإن هذا سيقود إلى تغييرات دستورية تطالب بها المعارضة، وسوف ينتج عنها تحديد صلاحيات الملك، مع ضمان نقل السلطة لولده، وشراء ذمم العشائر لقبول الأمير حسين ملكًا عليهم بعده.
أما يهود فإن قادتهم يدركون أنه ليس بمقدورهم التنازل عن القدس؛ لأنها تشكل جوهر المشروع الصهيوني، ويدركون أن مركز تنبه قطيع المستوطنين هو الأمن وما يستوجبه من احتفاظ بالجولان ومستوطنات الضفة والغور، وأنه عندما تعهد رابين بالتنازل عن الجولان قتل.
وفي هذا السياق فقد نشرت إحدى الصحف الإسرائيلية مقالًا جاء فيه:
(احتمال كبير أن يطاح بالملك عبد الله في يوم من الأيام، والنظام الذي سيخلفه سيلغي اتفاق السلام. الرد الإسرائيلي الصحيح على هذا الوضع ليس بإلغاء تنفيذ خطة السيادة التي تثبت مكانتها السياسية والأمنية حيال الأردن، وبشكل عام من خلال تخليد سيطرتنا في الحدود الشرقية. الرد الصحيح هو إعداد خطة مفصلة لليوم التالي للنظام الهاشمي. قال أشكنازي إنه من خلال خطة الرئيس ترامب للسلام، "فإنه يضع أمامنا فرصة تاريخية لتصميم مستقبل إسرائيل وحدودها" محظور السماح للملك عبد الله وتهديداته العابثة أن تقف في طريقنا في هذا الوقت).
وعلية فان على ملك الأردن أن يدرك أنه لا رهان على كيان يهود الغاصب؛ لأن يهود أهل غدر، غدروا بياسر عرفات، وأوعزوا لعملائهم في السلطة بقتله، ولم يغفروا له جبنه في التنازل عن القدس الشرقية، بعد أن أوشك كلينتون وباراك على انتزاع توقيعه على التنازل، رغم أنه مكنهم من أهم خطوة من محطات تصفية قضية فلسطين وهي الاعتراف بكيانهم اللقيط، ورغم تنازله عن معظم الأرض وتوفير الشرعية لوجودهم وبقائهم، وتكمن أهمية جريمة التنازل عن أرض فلسطين في كونها صادرة عمن يُسموْن "ممثلو أهل فلسطين".
إن تمرير "إلغاء حق العودة" و السكوت على ضم أجزاء من الضفة والسيادة على غور الأردن لا يقل خطورة عن الاعتراف بكيان يهود الغاصب.
وعليه فإن ما يجب على أهل الأردن القيام به في هذه المرحلة الدقيقة، هو رفض صفقة القرن ومؤامرة "الوطن البديل"، باعتبار أنها تنطلق من تصفية "القضية الفلسطينية" مع إعطاء الفلسطينيين المقيمين في الأردن حقوقهم على قدم المساواة مع إخوانهم الذين يقيمون في الأردن من المسلمين؛ لأن الأردن بلد كل مسلم دون فرق. وعلى كل مسلم عاقل أن يُلجم غرائزه وينبذ التمييز بين شرقي وغربي، سواء من يعتبرون الفلسطيني لاجئًا أو من يعتبرون الأردن بديلًا لفلسطين، أو غير ذلك من التصورات الخاطئة أو المنحرفة، ولأن الذكرى تنفع المؤمنين فإننا نذكر أبناء الأمة الإسلامية في الأردن بخاصة:
إن الصحابة الكرام رووا أرض الأردن بدمائهم الزكية؛ لتكون كلمة الله هي العليا لا لتكون كلمة سايكس وبيكو هي العليا، وكلمة الله العليا تقول: {وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون}، {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ). وإن السبيل للخلاص الحقيقي هو الاعتصام بحبل الله، والعمل على تطبيق شرعه والجهاد والقتال لتخليص حقوق الأمة من الكفار وأذنابهم في الأردن وكافة بلاد المسلمين.
{وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَٰذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِيرُ}.

ثانيا: استنفاد دور حفتر وتصفية قوى "الثورة" الليبية عن طريق السراج
التخلي عن حفتر وارد، لكنه لا يعني التخلي عن المشروع، فما لم تتمكن أميركا من فرضه عسكريًّا على حملة السلاح في الغرب الليبي سيتم فرضه بالمصالحة والتوافق ونزع مبرر الفصائل في امتلاك السلاح، حيث أصبح ذلك مطلبًا إقليميًّا بعد عجز حفتر عن المحافظة على مواقعه رغم محاولة دعمه، وقد برز مطلب تفعيل الحل السياسي عبر تونس والجزائر وعبر تراخي مصر في تأييد حفتر، كما أصبح مطلبًا ودوليًّا على لسان السفير الأميركي في ليبيا، وحتى من قبل تركيا وحكومة السراج التي تعمل في هذا الاتجاه.
فتراجع حفتر مقابل معسكر السراج هو تراجع للأسلوب العسكري لصالح الأسلوب السياسي، وهذا يعني سد ذرائع التدخل أمام فرنسا وروسيا إذ لم يعد حضورهما في الملف الليبي مقبولًا من قبل حكومة طرابلس التي لوحت بملاحقة الدول الداعمة لحفتر في المحافل الدولية.
وبرغم تراجع التهديد العسكري لحفتر إلا أن الضغط الاقتصادي سيستمر على الشعب الليبي، وبخاصة في الغرب من خلال ورقة النفط التي ستبقى بيد المسيطرين على الشرق الليبي.

29/رمضان/1441هـ
22/5/2020م