بسم الله الرحمن الرحيم
متابعة سياسية
أولًا: هل أوفت حكومة الرزاز بوعودها في محاربة الفساد؟!
ليست مصيبة بلد مثل الأردن في قلة الموارد، ولا قلة الطاقات، وليس وجود الحكام الفاسدين الذين يقودهم فسادهم إلى الإذعان للمشاريع الخارجية وابتزاز مافيات المال في الداخل هو ما يهدد مصائر الشعوب المغلوبة على أمرها فقط، بل إن سكوت الناس عن مواجهة الظلم والفساد المواجهة اللازمة, وإبعاد القيادات المخلصة عن قيادة الساحة السياسية هو المصيبة الأشد فتكاً بمستقبل الناس.
لقد أثارت النائبة الأردنية الدكتورة ديمة طهبوب قضية الـ 3 مليارات دولار التي وصلت الأردن ضمن مساعدات البنك الدولي، وجرى إخراجها من البلاد لملاذات آمنة في الفترة ما بين عام 1999 وعام 2010، حيث جاء ذكر الأردن في تقرير للبنك الدولي في الصفحة 43 ضمن الدول التي حصل معدّوا الدراسة أدلة عليها، ويذكر فيها أن أكثر من 2 مليار دولار خرجت من الأردن لملاذات آمنة (2042 مليون تحديدًا) وهو أعلى مبلغ يجري تحويله لملاذات آمنة من المساعدات الدولية من كل المبالغ التي تلقتها 24 دولة ورد ذكرها في دراسة البنك الدولي. في حين ذهب أكثر من مليار دولار إلى ملاذات غير آمنة (تحديدًا 1091 مليون دولار) ليكون الأردن الدولة الثانية من حيث أعلى مبلغ يجري تهريبه بعد كينيا (1784 مليون دولار) وفق الجدول في الدراسة ذاتها!!
إن الحكومة الحالية كسابقاتها، حكومة فاقدة لمصداقيتها لدى الشعب في وعودها لمحاربة الفساد، فهي حكومة صندوق النقد والبنك الدوليين، ومنذ عقدين متتاليين لم تترك هاتان المؤسستان الدوليتان في البلد غصنًا أخضر حتى جعلته حطبًا يابسًا، إذ عملت هذه المؤسسات وبطريقة ممنهجة على إفقار الدولة والشعب في آن معًا، بل فرضت على الدولة التخلي عن أصولها، وبيع مؤسساتها، وفرض الضرائب الباهظة، والتدخل في مناهج التعليم، وفي كل شاردة وواردة من السياسات الاقتصادية، والنتيجة الحتمية لهذه الوصفات هي جيش من العاطلين عن العمل، ومساحات شاسعة من الفقر الممنهج الذي جعل الناس يستجدون المساعدات من الحكومة والمنظمات، ويقفون طوابير أمام الجمعيات، فضلًا عن تفشي ظاهرة السطو المنظم والسرقة والرشوة بخلاف ما ألفه المجتمع من قيم محافظة على مدار قرون.
وكعادة الحكومات الفاشلة عندما تنتحل شعبية زائفة، قامت حكومة الرزاز بعدة خطوات لمواجهة أزمة كورونا، وبعد الإجراءات التي استعرضت بها على الشعب ظن البسطاء أنهم يعيشون في ظل حكومة حانية، وإذا بها وبعد أول اختبار تظهر على حقيقتها كعصابة جانية تستثمر في مصائب الناس وأمراضهم.
إن استغلال الحكومة لجائحة كورونا في إطالة أمد قانون الطوارئ، ولجم الشعب عن إبداء تذمره ومطالبته بالكشف عن الفاسدين الذين فرطوا بمقدرات الدولة وأفلسوها وتركوها عرضة للابتزاز الخارجي في قضايا تمس دينهم وثوابتهم، أصبح واضحًا لكل ذي عينين، مما جعل ترمب ونتنياهو يستسهلا ضم غور الأردن وشطب حق العودة للفلسطينيين وفرض الأمر الواقع، ولم يكن هذا ليحصل لو لم يكن مصير النظام الأردني الفاسد مرتهنًا بيد الولايات المتحدة والكيان المجرم.
إن قول الملك عبد الله الثاني بأن "ضم إسرائيل أجزاءً من الضفة الغربية سيؤدي ذلك إلى صِدام كبير مع الأردن" ليس إلا للاستهلاك الإعلامي ورفعًا للعتب، إذ أنه لن يثني الكيان الغاصب وأميركا عن مشروعهم ما دام النظام يستند إليهم اقتصاديًّا وسياسيًّا، وما دام منفصلاً عن شعبه عقديا مستبيحًا لثروته قاهرًا لإرادته.
لم يعد أمام أهل الأردن إلا أن يقتلعوا شوكهم بأيديهم بخلع الفاسدين وتقديمهم إلى القضاء بتهمة الخيانة العظمى، والحكم بما أنزل الله واسترداد ثروتهم المنهوبة وتوزيعها على الشعب توزيعًا عادلًا، وإلغاء كافة العلاقات مع الكيان المجرم وأميركا وتهديد مصالحها وتحمل ثمن استقلال قرارهم, وعودة كرامتهم ورضى ربهم كخطوة في طريق التحرر والنهوض إذ أنهم ما فتئوا يدفعون أثمانًا باهظة دون عائد يذكر على صعيد دينهم ودنياهم.

ثانيا: عملية "إيريني" والموقف الأميركي
جرى اتفاق بين الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي بتاريخ (26 آذار/مارس 2020) لإطلاق عملية بحرية جديدة في وسط البحر الأبيض المتوسط، تهدف إلى اعتراض الأسلحة غير المشروعة التي تدخل الأراضي الليبية. إذ تحل المهمة الجديدة، المسماة عملية إيريني (الكلمة اليونانية للسلام)، محل عملية صوفيا، التي انتهت ولايتها في نهاية آذار/مارس وفقًا لبيان صادر عن الممثل الأعلى للشؤون الخارجية في الاتحاد الأوروبي، جوزيب بوريل.
والحقيقة أن عملية "إيريني" هي محاولة أوروبية لدعم خليفة حفتر من خلال قطع الإمدادات العسكرية التركية لحكومة الوفاق، كما أنها تهدف إلى إيجاد سابقة عسكرية منفصلة عن حلف الناتو، ولذلك لم يلبث إعلان الدول الأوروبية عن انطلاقها حتى جاء الرد من قبل الأمين العام لحلف شمال الأطلسي ينس ستولتنبرغ، باستعداد الحلف لدعم "الحكومة الليبية الشرعية" أعقبه اتصال بين الحلف وحكومة الوفاق. وبالطبع فإن موقف الحلف يعبر عن موقف الولايات المتحدة باعتبارها صاحبة القرار فيه.
ولا يعني ذلك تأييد الولايات المتحدة للتدخل التركي في ليبيا بقدر ما يعني إفشال المحاولة الأوروبية التي تزعمتها فرنسا بالانفراد في الأعمال العسكرية والأمنية بمعزل عن الحلف، وبخاصة وأن حضور روسيا في الملف الليبي بتواطؤ أميركي ورفض حكومة الوفاق لعملية إيريني قد صُمم أصلًا لتبرير مهمة الحلف في شمال إفريقيا، ورهن الأمن الأوروبي من جهة الجنوب بيد الولايات المتحدة, مع محاولة أميركية لتأطير التدخل التركي وجعل الحلف هو المرجعية للأعمال العسكرية لأعضائه بمن في ذلك تركيا لضبط مستوى تدخلها على إيقاع سياسة الولايات المتحدة حيال الصراع في ليبيا.

24/رمضان/1441هـ
17/5/2020م