بسم الله الرحمن الرحيم
متابعة سياسية
حول سوريا والدور الإيراني في المنطقة
جاءت الضربات الإسرائيلية ليلة الرابع من أيار/مايو بالتزامن مع الضغط على إيران للخروج من سوريا، ومع تصنيف ألمانيا لحزب الله "منظمة إرهابية"، ومع محاولة تفكيك الحشد الشعبي في العراق وانشقاق عدد من الفصائل العسكرية التابعة للحشد الشعبي ومحاولة دمجه في القوات العراقية وقطع تبعيته لإيران بدعم من المرجع السيستاني الذي بات يدرك المسعى الإيراني لتفكيك المرجعيات الشيعية خارج إيران وإخضاعها لسلطتها.
كما جاءت وسط تغييرات مرتقبة في "الائتلاف الوطني السوري" وتولي أنس العبدة ملف المفاوضات، وهو الذي شن هجومًا لاذعًا على إيران في 4 أيار/مايو مطالبًا بإخراجها من سوريا.
وتأتي الضربات الإسرائيلية أيضًا بالتزامن مع زيادة تركيا لحشودها العسكرية في محيط إدلب ومناطق سيطرتها، وعقب تغير في لغة الخطاب الإعلامي الروسي المقرب من بوتين حيال النظام السوري وبشار الأسد.
ورافق ذلك أيضًا تراجع جبهة النصرة المفاجئ يوم الخميس 7 أيار/مايو عن موقفها من الدوريات الروسية التركية على طريق إم 4، وتوقفها عن دعم اعتصام الكرامة المندد بالدوريات الروسية التركية، وتوقفها عن التصعيد مع تركيا الذي وصل حد المناوشات المسلحة.
وبالنظر إلى تقرير منظمة حظر الأسلحة الكيماوية بشأن الهجوم على اللطامنة في ريف حماة في عام 2017 واتهامه للنظام السوري، واعترافات الجنرال جميل الحسن بمسؤولية بشار عن المجازر، واحتدام الخلاف بين بشار وابن خاله رامي مخلوف الذي يُعتقد أنه مرتبط بعلاقات ومصالح مع الإيرانيين، وكذلك قانون سيزر الأميركي، وعدم تدخل روسيا لمنع الضربات الإسرائيلية للقواعد السورية والإيرانية؛ كلها مؤشرات دالة على أن ثمة توافق روسي أميركي على إنهاء دور إيران في سوريا، وقد تشي هذه المعطيات أيضًا بانتهاء دور بشار الأسد وإخراجه من معادلة الحكم وصيغة النظام القادم.
فقد صرح وزير الدفاع الإسرائيلي في مقابلة تلفزيونية مع قناة "كان 11" الإسرائيلية الثلاثاء 5 أيار/مايو أن "إيران لا شأن لها في سوريا ولن نتوقف قبل أن يغادر الإيرانيون سوريا". وكان قد صرَّح قبل إسبوعين: "إن إسرائيل انتقلت من مرحلة إيقاف التموضع الإيراني في سوريا، إلى مرحلة إخراجها بشكل كامل".
ولا شك أن التصريحات الإسرائيلية مصحوبة بضربات عسكرية يتوقع لها أن تستمر مع صمت الروس "الذين رغم سيطرتهم على النظام السوري يعتقدون أن السوريين كانوا يأخذون كل شيء من الاتحاد السوفييتي باستثناء النصيحة" هي رسالة لبشار الأسد أن عليه الاستعداد لقبول الصيغة السياسية، وإبداء المرونة اللازمة للتغييرات الدستورية التي عرقلها، وأنَّ عليه الانصياع لها.
ويتفق ذلك أيضًا مع تصريح المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا جيمس جيفري "إذا كانت إيران قلقة حقًا بشأن صحة وسلامة الشعب السوري، فستدعم العملية السياسية التي تقودها الأمم المتحدة بموجب قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254 وسحب الحرس الثوري الإيراني، وحزب الله، وباقي (القوى الإرهابية) الأخرى تحت قيادتها من سوريا بالكامل". وتأكيده أيضًا على التوافق مع روسيا "وقيامها بالضغط على النظام السوري للتفاوض على دستور جديد يمهد الطريق لانتخابات جديدة بإشراف الأمم المتحدة".
وأما بشأن إيران فهي تدرك أنها مستهدفة بمقتضى "صفقة القرن" ليس في سوريا فقط، بل وفي العراق ولبنان، وأن عليها الانكفاء داخل حدودها كما صرح بذلك وزير الخارجية الأميركي بومبيو، الأربعاء 6 أيار/مايو خلال مؤتمر صحفي "إنه ينبغي على الإيرانيين مغادرة سوريا وليس جنوبها الغربي فقط" مضيفًا "لقد قلنا لروسيا ولنظام الأسد، إن على الإيرانيين الرحيل. وعلى إيران الاهتمام بشعبها داخل حدودها".
وما صرح به كذلك المبعوث الأميركي جيمس جيفري حيث قال: "إن العمليات الإسرائيلية ضد التواجد الإيراني في سوريا تحظى بدعم الولايات المتحدة" ما يعني انتهاء دور إيران في سوريا والعراق ولبنان، لا سيما بعد اغتيال قاسم سليماني وتحديد وظيفتها في إفزاع الخليج العربي لتبرير التوافق الخليجي مع الكيان الغاصب وإدماجه في المنطقة.
لقد تجاوزت إيران حدود وظيفتها في المنطقة مندفعة بطموحات قومية ومذهبية واقتصادية، معتقدة أن التفاهمات مع روسيا وأميركا تتيح لها الفرصة لتثبيت أقدامها، ولم تدرك أن سياسات الدول الكبرى تحكمها الحسابات النفعية وليس التفاهمات.
ففي لبنان بات النظام الطائفي الذي تغذيه إيران عقبة في وجه المشروع النيوليبرالي الذي بدأه رفيق الحريري لتمكين الرأسمالية العالمية من التحكم في لبنان سياسيًّا واقتصاديًّا، إذ استأثر أمراء الطوائف بالاقتصاد والسياسية على حساب القوى الخارجية والشعب، وهو ما أوصل الاقتصاد اللبناني إلى الانهيار واستدعى تحرك الولايات المتحدة لتفعيل أجندتها وتفعيل مركزة الهوية الوطنية عوضًا عن الهوية الطائفية المعيقة لمشروع اللبرلة الاقتصادية والأهداف السياسية المتعلقة بالحل الإقليمي والضغط لتطبيق مقررات مؤتمر "سيدر" لمنح القروض وشروط صندوق النقد والبنك الدوليين، وهو ما نادى به سعد الحريري يوم الخميس 7 أيار/مايو رافضًا المشاركة في اجتماع القيادة اللبنانية وحلولها المقترحة منذ أيام. حيث قال: "نحن لم نضيع فرصة مؤتمر سيدر بعد، وإذا طبقنا شروط البنك الدولي سنحصل على الأموال".
وأما بشأن العراق فإن الولايات المتحدة جاءت لتفكيك المنطقة وإعادة تشكيلها كما قال كون باول وكوندوليزا رايس، في إطار مشروع الشرق الأوسط الكبير. وقد استثمر الجناح الإيراني المحافظ في إيران في عمقه المذهبي في المنطقة مستغلًا المخطط الأميركي بغية الحفاظ على رصيده في الداخل والخارج، وبخاصة في العراق التي تضم النجف المنافس لمرجعيتها المذهبية المشحونة بالمشاعر القومية، بخلاف ما تريده أميركا التي تجد الإصلاحيين الإيرانيين أطوع لها من المحافظين، وبخاصة بعد أن استنفدت جل أغراضها من التعبئة الطائفية في المنطقة، وبعد أن ترسخت "الفزاعة الإيرانية" في الوعي المجتمعي العربي "السني".
وقد عملت أميركا على تقليم أظافر إيران في الخارج عبر الاحتجاجات الشعبية المناوئة لها في العراق، وضد أذرعها في لبنان، وعبر اغتيال سليماني، والضغط على الحشد الشعبي العراقي عسكريًّا وسياسيًّا لقطع صلته بطهران، وضرب المليشيات التابعة لها في العراق سوريا، وتصنيف ألمانيا لحزب الله في خانة الإرهاب، وتجاهل الحقوق الثقافية للشيعة في أفغانستان في الدستور، والضغط عليها بالعقوبات أيضًا.
أما لماذا لم تستجب القيادة الإيرانية التابعة لأميركا، فبسبب الصراع بين الإصلاحيين والمحافظين، الذين يرفضون تغيير سياساتهم الداخلية والخارجية، ولهذا وجه وزير الخارجية جواد ظريف "خلال اجتماع في وزارة الخارجية في ديسمبر /2019 قبل اغتيال قاسم سليماني" نقدًا لاذعًا لسياسة المرشد والحرس الثوري قائلًا: "لسوء الحظ، فإن الوضع في العراق، بسبب الدعاية وسوء السلوك من قبل الإيرانيين، أصبح الجو السائد والعام في العراق معادٍ لإيران، وتراجعت صادرات إيران الحالية إلى العراق بشكل حاد جدًا مقارنة بالعام الماضي" بينما قال موقع "سحام نيوز" التابع للإصلاحيين في إيران، معلقًا على خلاصات ظريف بالقول إنها تكشف أن "تأثير إيران في المنطقة قد تراجع بشكل حاد جدًا، وأن السياسة الخارجية للحرس الثوري قد وصلت إلى طريق مسدود، والدول التي استثمرنا فيها اقتصاديًّا وعسكريًّا تُحرق فيها صور المرشد الأعلى، والجو السائد فيها أصبح معاديًّا على نحو كبير لإيران".
وعليه فإن المعطيات كلها تدل على عزم الولايات المتحدة على تغيير سلوك النظام الإيراني بالقوة الصلبة والناعمة، وتحجيم دوره في إطار تخويف دول وشعوب الخليج وابتزازهم، وفي إطار ما يلزم السياسة الأميركية بشأن النفط وأسعاره وتوزيع تكاليف أمن طرق الإمداد البحرية والانتشار الأميركي فيها.
وأما على صعيد الوجود التركي في سوريا فينطلق من الحفاظ على الأمن القومي التركي الذي يهدده الجيب الكردي، وموجات الهجرة السورية، التي باتت تؤثر على الاقتصاد التركي، وتُستغل من قبل خصوم أردوغان. ورغم أن روسيا وأميركا تستثمران في هذه التهديدات كل بحسب أجنداته وأهدافه إلا أن تركيا تدير بدورها العلاقة مع أمريكا وروسيا وأوروبا من صلب هذه الملفات مدركة لحاجة الروس إليها في التباعد مع حلف الناتو وحاجة الولايات المتحدة إليها في إعادة صياغة النظام السوري.
فروسيا إلى الآن توازن بين علاقتها بتركيا وبين علاقتها بالنظام السوري ولا تريد أن تخسر تركيا، وتحاول المحافظة على العلاقة بها؛ لتوهين صلتها بحلف الناتو، بينما تحاول أميركا الحد من الاندفاع التركي نحو روسيا، مع محاولة استردادها إلى حظيرتها على قاعدة أن تركيا "العضو في حلف الناتو" أكبر من أردوغان المعاند لها، سيما وأنها تسعى في هذه المرحلة إلى البناء على وقف النار في إدلب لحل النزاع، عبر دعم عمل اللجنة الدستورية للتفاوض على دستور جديد يمهد الطريق لانتخابات جديدة بإشراف الأمم المتحدة لا بإشراف النظام السوري، وهو ما أدلى به المبعوث الأميركي إلى سوريا جيمس جفري .
المستجدات التي طرأت وألقت الحجارة في المياه السياسية الراكدة في الملف السوري هي عدم اليقين بشأن عودة ترمب إلى الحكم في الولايات المتحدة بسبب أزمة كورونا، وهناك مخاوف من عودة الديموقراطيين الذين يرفضون سياسة ترمب تجاه إيران.
وكون الروس لم تكن لديهم الرغبة في إخراج الإيرانيين لحاجتهم لهم على الأرض، بات الآن من مصلحتهم إخراج إيران، وبخاصة بعد استرجاع معظم الأراضي السورية من أيدي المعارضة حتى لا تنافسها في السيادة أو المصالح وأهمها إعادة الإعمار، ولأنها أصبحت نقطة ضعف بعد استهدافها من قبل أميركا.
ولذلك فقد توافقت إرادة كل من روسيا وإسرائيل والولايات المتحدة على حسم القضية الإيرانية في سوريا، وإخراج إيران ولو بقوة السلاح، وفك ارتباط بشار بإيران، أو التسريع بمرحلة انتقالية تزيح بشار وتأتي بقيادة تجتث التغلغل الإيراني من مفاصل سوريا.
ومع ظهور بوادر مرونة من قبل روسيا أثنى عليها المبعوث الأميركي إلى سوريا بشأن التواطؤ على ضرب المليشيات الإيرانية في سوريا، وبروز ضغطها على بشار، تلقت روسيا رسالة تطمين من أحد قادة الائتلاف الوطني السوري بضمان مصالحها إن هي استجابت لمطلب المعارضة السورية بشأن إيران وبشار الأسد، وهو ما قد يدفع الأمور بما لا يشتهي النظام السوري الذي بات رهانه على إيران خاسرًا.
وأما مآل التسوية السياسية المقبلة لسورية فتتلخص في خروج المستعمر من الباب، وعودته من شباك إعادة الإعمار الذي يطل برأسه عند كل حديث عن التسوية السياسية، وهو ما دعا إليه المبعوث الأميركي إلى سوريا جيمس جفري مؤخرًا، والهدف من إعادة الاعمار هو الاستعمار الناعم من خلال رهن اقتصاد سوريا للديون تحت إلحاح العوز، ورهنه للشركات العابرة من بوابة الخصخصة وللنُخب العميلة المتآمرة، وتجريد الشعب من هويته باسم الديموقراطية الليبرالية فيُترك له الحرية في اختيار من يريده وما يريده المستعمر، ويتحول الشعب برمته إلى متسول أو أجير في بلده في أحسن الأحوال لا غاية له ولا قضية سوى العمل من أجل البقاء.
فالى متى سيبقى الكفار يتلاعبون بهذه الأمة, ويتقاذفونها كالكرة بأقدامهم؟! وإلى متى سيبقى الرجال القادرين على إحداث التغيير غافلين عن قدراتهم وإمكانياتهم على إنقاذ أمتهم؟!
{ألم يأن للذين ءامنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق}
17/رمضان/1441هـ
10/5/2020