بسم الله الرحمن الرحيم
متابعة سياسية
آفاق اتهام الصين بجائحة كورونا
والسجال الدائر بين الجمهوريين والديموقراطيين

إن القضايا السياسية التي تُثار من قبل الإدارة الأميركية في هذه الفترة لا تنفصل عن التعبئة للانتخابات الأميركية الرئاسية والنيابية ومجلس الشيوخ التي يفصلنا عنها ستة شهور من الآن، وهي مدة قصيرة، وما يدور فيها له تأثير في المزاج العام داخل الولايات المتحدة؛ لأن الاقتصاد هو العامل الحاسم في انتخابات الدول الرأسمالية، وهو كعب أخيل كل رئيس أميركي يطمح بالترشح لفترة رئاسية ثانية للولايات المتحدة.
والانتخابات المقبلة تمثل درجة عالية من الأهمية لترمب والحزب الجمهوري؛ لأنها لا تقتصر على الرئاسة، وإنما تشمل الانتخابات التشريعية لمجلس النواب وثلث مجلس الشيوخ، لا سيما وأن ترمب يواجه تآكلًا في رصيده الانتخابي بسبب جائحة كورونا، ويواجه مشاكل مع بعض مراكز القوى وأذرعها الإعلامية والاستخبارات، التي أعلنت الخميس 30 نيسان/إبريل، أنها توصلت إلى خلاصة مفادها "أن فيروس كورونا المستجد ليس من صنع الإنسان أو عُدِّلَ جينيًّا"، وحذّرت بأن الرئيس دونالد ترامب "يبحث عن دعاية لاستخدامها دوليًا في معركته المتصاعدة حول ذنب الصين في الجائحة للتستر على الأزمة"، والتي تشكل بدورها تحدٍ كبير لترمب على الصعيد الاقتصادي والأمن المجتمعي وتهدد حظوظه في الانتخابات المقبلة، حيث فاق عدد موتى كورونا ما فقدته الولايات المتحدة في حرب فيتنام، فضلًا عن الخسائر المالية التي بلغت ترليونات الدولارات، وارتفاع الدين العام الأميركي حتى اللحظة إلى ما يقارب 25 ترليون دولار، بالإضافة إلى انكماش الاقتصاد بنسبة 4.8% في الربع الأول من هذا العام، وانهيار أسواق الأسهم المالية، وشلل القطاعات الخدمية والصناعية، وفقدان الوظائف، وارتفاع نسبة البطالة إلى 15% بزيادة 30 مليون عاطل عن العمل أثناء الأزمة، هذا علاوة على عجز الدولة عن مواجهة الوباء على مستوى الإعداد الصحي كنقص الكوادر والمستلزمات الطبية.
وإدارة ترمب تدرك تأثير ذلك كله على نتائج الانتخابات في نهاية هذا العام وربما لهذا صممت إدارته مبلغ التحفيز الاقتصادي بقيمة 2 ترليون دولار كمرحلة أولى، وتستعد لاقتراض 3 ترليون دولار لسد عجز الميزانية وامتصاص الغضب الشعبي قبيل الانتخابات، وأما ما تحتاجه الإدارة لتلبية حاجة الاقتصاد الأميركي حتى بلوغ الانتخابات فقد يصل إلى 6 ترليون دولار بحسب الخبراء لترفع الدين العام الأميركي إلى أكثر من 30 ترليون دولار، وهو تحد غير مسبوق للولايات المتحدة، ولإدارة ترمب والجمهوريين في الانتخابات المقبلة، رغم أسبابه الموضوعية التي ورثتها الإدارة الحالية عن سابقاتها. وهذه المعطيات هي السبب في تحوّل لغة ترمب والإدارة الأميركية من الإنكار والتهوين للجائحة، رغم تحذير خبراء الأوبئة ومجمع الاستخبارات، إلى لغة التهويل والتضخيم والبحث عن شماعة لتعليق إخفاق الإدارة عليها، وهي السبب في انقلاب ترمب على مواقفه السابقة، ومزايدته في الحرص على اقتصاد المجتمع وأمنه، بحيث عرقل رسو سفينة أميركية تقل مرضى بالفايروس في كالفورنيا خشية تزايد أعداد المصابين، وألقى خطابًا قوميًّا متسرعًا بتاريخ 11 آذار/مارس "يعكس حجم الأزمة التي يواجهها"، ويحذر من عدو خطير يجتاح البلاد، وكل ذلك لتبرير سوء إدارته والتنصل من مسؤوليته عن التردي؛ لدرجة أنه علق تعثره في إدارة الأزمة على أوباما، وعلى الديموقراطيين، وعلى الوافدين الأجانب، واتهم الصين بالتواطؤ على نشر الوباء، ولعب على الوتر القومي ووصف الفايروس بالصيني، رغم أنه امتدح جهود الصين في احتواء الفايروس في 24 كانون الثاني/يناير الماضي وقال إن «الولايات المتحدة تقدر كثيرًا جهود الصينيين وشفافيتهم»، وشكر الرئيس الصيني شخصيًّا.
وقد يقود هذا الوضع المُفزع لترمب وفريقه إلى افتعال مزيد من المشاكل الخارجية والداخلية قبل الانتخابات؛ لتصدير أزمته وصرف الأنظار عن أخطائه. فاتهام الصين بالتسبب بانتشار الفايروس، ومغازلة بومبيو للوبي الصهيوني والإنجيليين في الولايات المتحدة، بشأن استعداد الولايات المتحدة الاعتراف بضم "إسرائيل" لغور الأردن، بالإضافة إلى تسويق ترمب لكل ما يلوح له كإنجاز لإدارته، هو في الحقيقة مرتبط بالتغطية على سوء إدارته التي استهترت بالجائحة، وأضاعت الوقت في الاستجابة لها، وتعاملت معها باضطراب، فهمشت خبراء الأوبئة المخالفين لتوجهها، وسيّست توجيهات الخبراء الذين هَوَّنوا من خطورة الفايروس، وذلك لاعتبارات اقتصادية تخص ترمب في عامه الانتخابي.
وهو ما استثمره الديمقراطيون كذخيرة ومعقد أمل في معركتهم الانتخابية المرتقبة، باعتبار أن التردي الاقتصادي وتفشي الوباء والخسائر الفادحة في الأرواح كان نتيجة لسوء إدارة ترمب، وهو الأمر الذي أشار إليه الأخير في شهر شباط/فبراير من هذا العام، باتهامه الديموقراطيين في استغلال الجائحة لأغراض انتخابية، وحرض الجماهير على التظاهر في الولايات التي يحكمها الديموقراطيون، كولايات فرجينيا ومنيسوتا وميشيغان، وتنصل من المسؤولية عن الأزمة بتاريخ 13 آذار/مارس في رده على أسئلة الصحفيين بشأن تباطئه في التعامل مع الأزمة قائلًا: "أنا لا أتحمل المسؤولية".
ورغم ذلك فإن طرق المسائل السياسية الخارجية من قبل إدارته، كاتهام الصين، والاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على غور الأردن، لا يعني عدم جدية أميركا بالاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على غور الأردن، وبخاصة وأن استعداد الولايات المتحدة للاعتراف بضم الكيان الغاصب لغور الأردن وبعض مناطق "ج" في الضفة الغربية هو استعداد حقيقي لارتباطه بالسياسة الأميركية العامة وخطة ترمب، ولا يعني كذلك عدم استغلال أميركا للجائحة، واتهام الصين بنشر الفايروس وشيطنتها وابتزازها ماليًّا، إذ يندرج ذلك في إطار السياسة الأميركية لاحتواء الصين وتحجيمها، وبخاصة أن ترمب يتعاطى مع السياسة بمنطق الصفقات وعقلية رجل الأعمال. إذ ما يزال حتى يوم الأحد 2 أيار/مايو في آخر تصريح له مع فوكس نيوز يشير بإصبع الاتهام إلى الصين، وما يزال يبرر ارتباكه في إدارة أزمة كورونا بأنه "بادر إلى إغلاق الولايات المتحدة منذ البداية رغم أن المعلومات الأولية قللت من مخاطر كورونا".
أما بشأن مقاضاة الصين بتهمة عدم الشفافية في تقديم المعلومات المتعلقة بالوباء، فإنه لا يوجد من ناحية قانونية ما يمكن أميركا من مقاضاة الصين على هذه التهمة، ثم إن الحصانة السيادية التي ينص عليها القانون الدولي تمنع ذلك إذ يشترط القانون الدولي موافقة الدولة المتهمة بالمثول أمام المحاكم والهيئات الدولية. غير أن الولايات المتحدة تملك إسقاط الحصانة السيادية عن الصين أمام محاكمها فقط، لتمكين الأميركيين وباقي الدول من مقاضاة الصين، وتملك وحلفاءها تجميد أصول وأموال الشركات الصينية المملوكة للدولة؛ لإجبار بكين على دفع تعويضات المتضررين وبخاصة الدول المدينة للصين ممن اضطرت إلى الانخراط في مشروع الحزام والطريق الذي تسعى الولايات المتحدة إلى عرقلته. وفي حال لجأت الصين إلى مقاضاة تلك الدول، يتم إذن الاحتكام إلى القانون الدولي فيما يخص الوباء ومسؤولية الصين عنه.
الإشكال القائم يتمثل في إثبات حجب الصين للمعلومات المتعلقة بالوباء عن العالم، وهو ما نفته منظمة الصحة العالمية التي لم تتمكن من إنكار تلقيها قدرًا من المعلومات عن الفايروس من الحكومة الصينية، وهو الأمر الذي استغله ترمب لقطع الدعم عن المنظمة واتهامها بالتواطؤ مع الصين وتحميل دول العالم نفقات المنظمة الدولية، وهو ما ألجأ الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، إلى حث الدول على "التبرع بالأموال لمبادرة عالمية للبحث عن اللقاحات والأدوية وتوزيعها ضد الفيروس التاجي".
وكما يبدو أن الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية جادة في ابتزاز الصين وربطها بالنظام الدولي كما تراه أميركا لا كما تشتهيه الصين، وجرها إلى ليبرالية السوق، وكسر سيطرة الحزب الشيوعي على استراتيجيات الاستثمار، وتحويل ذلك إلى القطاع الخاص، والوصول من ذلك كله إلى استعادة السيطرة على شبكات التموين الاستراتيجية (Strategic Supply Chains) والتي تسيطر الصين من خلالها على قدرات الدول المتقدمة في التزود الذاتي من السلع والمستلزمات ذات الصلة بالتكنولوجيا وبالأمن المجتمعي، حيث كشفت جائحة كورونا عجز الدول الغربية في هذا المجال بشكل مفزع.
وهو ما أكد عليه وزير الخارجية الأميركي بومبيو بتاريخ ٢٩/٤ بقوله: "إن أميركا تعمل مع عدد من الدول الصديقة ومنها الهند واليابان واستراليا لإعادة هيكلة شبكات التموين حتى نتجنب مثل هذه المعضلة مستقبلًا".
والمقصود من ذلك أيضًا حماية الانموذج الرأسمالي الليبرالي الغربي من بروز الأنموذج الرأسمالي الصيني الهجين بقيادة الشيوعيين، وهو الأمر الذي حذر منه كيسنجر سابقًا حين كتب لنيكسون بشأن دولة تشيلي "لا يمكن أن نسمح لإلندي أن يبين للعالم نجاح نظامه الاشتراكي ويجب منعه".
12/رمضان/1441هـ
5/5/2020م