بسم الله الرحمن الرحيم
متابعة سياسية
حرب أسعار النفط سياسية واقتصادية

إن حرب أسعار النفط وإن كان طابعها اقتصاديًّا لكنها تنطوي بنفس القدر على هدف سياسي، إذ إن للقضية جذورًا متصلة باستراتيجية الاحتواء المزدوج الأميركية لكل من روسيا وأوروبا. فهي عملية جراحية دقيقة؛ لأن المطلوب فيها هو رأس روسيا وتحجيم نموها الاقتصادي، والحد من استمرارها في تطوير منظومتها الحربية وطموحاتها الخارجية.
أما السعودية فمجرد بندقية رخيصة، أو محطة بترول لتغطية الدولار، ولتزويد الولايات المتحدة بذخيرة حيوية في معاركها السياسية لإخضاع الدول المنافِسة المحتمَلة التي قد تُهدِّد تفوقَ أميركا وتفردها في الموقف الدولي.
فالشق الاقتصادي الصرف في حرب أسعار النفط هو سعي الولايات المتحدة للاستحواذ على حصة في سوق الطاقة الأوروبي على حساب روسيا، وهو ما شرعت به منذ سنة 2015 حيث انطلقت صادراتها من صفر برميل سنة ٢٠١٥ إلى ٨ مليون برميل سنة ٢٠١٨، ولا بد من ملاحظة أن الشق الاقتصادي يتعلق بالنفط الخام دون الغاز؛ لأن عقود توريد روسيا للغاز تخضع لأسعار واتفاقيات طويلة الأجل (١٥-٢٥ سنة)؛ ولأن النفط الأميركي هو من النوع الخفيف المناسب للسوق الأوروبي أكثر منه للسوق الأميركي، وأما عرقلة أميركا لمبيعات الغاز الروسية فهو من قبيل الضغط السياسي وليس من قبيل التنافس الاقتصادي.
أما الشق السياسي لحرب النفط فيتعلق بفطم أوروبا عن الاعتماد الكلي على النفط والغاز الروسيين، خشية أن يقود التفاهم الروسي الأوروبي في مجال الطاقة البالغ الحساسية لأوروبا المعتمدة على الصناعة إلى تصفية الأجواء السياسية والأمنية الملبدة التي تغذي الولايات المتحدة بقاءها في أجوائهم، وخشية انبعاث روح الطمأنينة والصداقة بين روسيا وأوروبا وتلاشي حالة عدم اليقين التي ترسخها أميركا لدى الأوروبيين بشأن التهديد الروسي لأمن القارة وزوال مبرر بقاء الناتو.
وهذا ما يُفسر ما تعهد به وزير الخارجية الأميركي بومبيو في ميونيخ بشأن استثمار الولايات المتحدة بمليار دولار لتفعيل سياسة استقلال الطاقة الأوروبية، وبخاصة دول أوروبا الشرقية التي تعتمد في الطاقة على روسيا. وبما أن هدف الولايات المتحدة هو بقاء هيمنتها الأمنية على الدول الأوروبية عبر حلف الناتو، فقد دأبت في كثير من اجتماعات الحلف على خلق المبررات لبقائه ومعاقبة فرنسا الداعية إلى إنشاء قوة أوروبية بديلة، ورفضها لتصنيف روسيا عدوًا لدول الحلف، وهو الأمر الذي لا يُفقد أميركا أهم أدواتها في التحكم بالأمن الأوروبي فحسب، بل ويقضم من عوائد الولايات المتحدة من بيع السلاح للدول الأوروبية التي تُقدر ب 250 مليار دولار، ويطالب ترمب بمضاعفتها من خلال الضغط الذي يمارسه على الدول الأوروبية لرفع إنفاقها العسكري إلى 3% من ناتجها القومي؛ أي ما يناهز 477 مليار دولار سنويًّا.
ولذلك عملت أميركا باستمرار في ردودها على دعاوى التخلص من الحلف والهيمنة الأميركية على تدبير عمليات "إرهابية" على غرار ما كانت تمارسه منظمة "غلاديو" المرتبطة بمخابرات الناتو؛ لإفزاع الأوروبيين من الخطر الشيوعي. فما تلبث فرنسا أو أيٌّ من الدول الأوروبية الاحتجاج على بقاء الحلف أو تمويله أو التقارب مع روسيا حتى يضربها "الإرهاب" في عقر دارها ردعًا لها وتذكيرًا بأن المخاطر الأمنية باقية وتتمدد سواء بخطر الروس أو بخطر "الإرهاب الإسلامي"، وهو ما يُفسر الإنفاق الأميركي السخي لتعميق "التطرف اليميني" و"الإسلاموفوبيا" في الغرب.
إذًا فالغرض الأميركي هو تخفيض حصة روسيا في السوق الأوروبية لدواعي سياسية واقتصادية ومن ذلك عرقلة مشاريع النفط والغاز الروسي عبر الأنابيب إلى أوروبا كخط "نورد ستريم" الذي عطلته أميركا بالعقوبات على روسيا في مقابل إثارة التنافس على غاز شرق المتوسط كبديل عن مشروع "نورد ستريم" في إطار تنويع مصادر الطاقة لأوروبا.
وسلاح العقوبات على روسيا هو الأمر الذي اشتغلت عليه الولايات المتحدة منذ أن أخرجت روسيا من جورجيا وضمتها لحلف الناتو مؤخرًا ومنذ أن أشعلت "الربيع الأوكراني" وأطاحت برجل روسيا فيكتور يانكوفيتش من الحكم مستفزة روسيا "التي وصفت القادة الجدد والمتظاهرين وقوى المعارضة المدعومة أميركيًّا بالفاشيين" ومستدرجة لها للقيام برد فعل يحفظ سيطرتها على ميناء سيفاستوبول الاستراتيجي الذي يستضيف الأسطول البحري الروسي.
وقد وقعت روسيا بالفخ فعليًّا وقامت بضم شبه جزيرة القرم ودعم انفصال "دونتسك" شرق أوكرانيا، مانحة أميركا فرصة لإجبار الأوروبيين على توقيع العقوبات التي طالتهم بقدر ما طالت روسيا. وكان توقف مشروع "نورد ستريم" الممتد من دول البلطيق إلى ألمانيا أحد نتائج العقوبات، علمًا أن جورجيا وأوكرانيا اللتين خرجتا من يد الروس تقعان بدورهما على خطوط إمدادات الطاقة الروسية لأوروبا.
إن مما زاد الأمر سوءًا هو دخول صناعة النفط الصخري الأميركي على خط المعارك بين الولايات المتحدة وروسيا، حيث أصبحت تكاليف إنتاج النفط الصخري تحكم السعر الذي يتوجب على الإدارة الأميركية فرضه في سوق الطاقة كما يُلزم الإدارة الأميركية بفتح السوق الأوروبي أمام منتجٍ الطاقة الأميركي وحمايته من المنافسة الروسية.
فكان لا بد من الضغط على روسيا لتقليص حصتها في السوق الأوروبي، وتخفيض إنتاجها بهدف رفع أسعار الطاقة لضمان جدوى الصناعة النفطية الأميركية.
غير أن روسيا رفضت الطلب الأميركي الذي تقدمت به السعودية، وتسربت أنباء عن نشوب عراك بين القادة السعوديين والروس في المناقشات حول خفض الإنتاج. وهو ما حدا بالسعودية بإيعاز من أميركا لشن حرب على أسعار النفط بغية إرغام روسيا على الخضوع لإرادة أميركا تمامًا كما فعلت في عقد الثمانينات من القرن الماضي، وهو الأمر الذي نجم عنه إفراغ خزينة الاتحاد السوفييتي من النقود، وعجل بتفكيكه حيث كانت أسعار النفط سنة ١٩٨٦ -١٩٨٩ تراوح بين ١٤-١٧ دولار للبرميل مقارنة بسعر ٣٩ دولار للبرميل سنة ١٩٨١ وذلك بتواطؤ الملك فهد مع أميركا لضرب الاقتصاد السوفييتي.
من المعلوم أن وظيفة الدبلوماسي الأميركي ليست حل الأزمات بقدر الإمساك بزمامها وخيوطها، وإدارتها لضمان حلها بما يحقق المنفعة على المدى البعيد حتى لو تكبد خسائر محتومة، وهو ما حصل بالفعل حينما قرر الرئيس الأميركي ريغان الإجهاز على الاتحاد السوفييتي بالضربة الاقتصادية، ورفع ميزانية الدفاع إلى سقف حطم آمال الاتحاد السوفييتي في كسب سباق التسلح، فيما أوعز إلى الملك فهد بشن حرب على أسعار النفط حتى تدنت إلى 9 دولار للبرميل دون أن يكترث إلى عواقب المعركة على الشعب الأميركي، الذي فقد أكثر من 225 ألف وظيفة في قطاع النفط سنة 1986 لقاء إضعاف الاتحاد السوفييتي وهزيمته في أفغانستان وتفكيكه.
وكما هو معلوم فإن أولويات السياسة الخارجية الأميركية تقوم على تلافي ما يهدد أمنها القومي، كفقدان التحكم بطرق إمداد البترول وكمياته وأسعاره من قبضتها، ومن الواضح أن الرئيس ترمب قد خاض معركة أسعار النفط لإخضاع روسيا بعقلية رجل الأعمال المدرك لتداعيات الأزمة على صناعة النفط الأميركي والخسائر التي ستنجم عن المعركة، تمامًاً كما أدركها ريغان من قبل ويدرك أيضًا عوائد إخضاع روسيا لإرادته بشأن كمية الإنتاج والأسعار التي تقتضيها صناعة النفط الصخري، لا سيما أن أميركا هي صاحبة العملة الاحتياطية العالمية، وتستطيع حماية شركاتها بالإيعاز إلى البنوك لدعمهم كما فعلت سنة ٢٠٠٨ في أزمة العقار. وعلاوة على ذلك فإن ترمب ذا العقلية التجارية يدرك أن انخفاض الأسعار هو نتيجة طبيعية وحتمية لوفرة العرض وقلة الطلب بسبب تعطل حركة الاقتصاد بفعل الوباء. ولهذا يمكننا القول أن ترمب خاض حرب الأسعار على أرضية صلبة للأسباب آنفة الذكر بخلاف بوتين الذي خاضها بيد مرتعشة وأرضية اقتصادية ومالية هشة.
ومن المؤكد أن الاتفاق، الذي أبرم مؤخرًا بين روسيا والسعودية بإشراف الولايات المتحدة التي لم ينقطع بوتين عن التواصل معها أثناء المفاوضات، من شأنه أن يمنع انهيار صناعة النفط الأميركي بسبب جائحة كورونا، كما من شأنه أن يدفع أسعار النفط للارتفاع بعد اجتياز الجائحة وتداعياتها على آليات السوق لجهة وفرة العرض وقلة الطلب، واضطراب المضاربات والتعاقدات الآجلة، التي أثرت على الأسعار سلبًا عقب الاتفاق. ما يعني أن معالجة الجانب السياسي لأزمة الأسعار قد حُسمت، وما حصل من تراجع لأسعار النفط هو قضية اقتصادية صرفة مرتبطة بآلية السوق وتوقف الطيران وعجلة الصناعة في الصين وأوروبا وأميركا ومنفصلة عن الصعيد السياسي.
وعليه فإن الاعتقاد بأن الأزمة موجهة لضرب صناعة النفط الصخري بتواطؤ روسي سعودي استنادًا إلى تدهور أسعار النفط بعد الاتفاق هو غير دقيق.
وأما بشأن التصعيد الأخير بين أميركا وإيران فإنه لا ينفصل عن سياق أزمة النفط، وتداعيات جائحة كورونا على الاقتصاد العالمي، وقلة الطلب على الطاقة. إلا أن الهدف من هذا التصعيد المصحوب بتهويل مقصود بحيث يُخيل منه أن حربًا توشك أن تقع على تخوم حقول النفط وطرق إمداده، إنما هو محاولة من قبل إدارة ترمب للحد من تدهور الأسعار، ودفعها للصعود بفزاعة الخوف من اندلاع حرب في الخليج، إضافة للتغطية على سوء إدارته لجائحة كورونا بعد أن فشل في توجيه الأنظار إلى الصين وتحميلها مسؤولية تفشي الوباء.

1/رمضان/1441هـ
24/4/2020م