بسم الله الرحمن الرحيم
التعليق السياسي
الإعلان عن صفقة القرن
أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب خطته للسلام في الشرق الأوسط، متعهدًا بأن تظل القدس عاصمة "غير مقسمة" لإسرائيل. واقترح حل دولتين بالصيغة التي عبر عنها نتنياهو سابقًا بقوله: "لتكن الدولة بشروطنا، وليسمّوها بعد ذلك امبراطورية"، وأضاف ترمب بأنه لن يُجبر أي إسرائيلي أو فلسطيني على ترك منزله.
من جانبه رفض الرئيس الفلسطيني محمود عباس الخطة المقترحة قائلًا: "رفضنا خطة ترمب منذ البداية ولن نقبل بدولة دون القدس". وأكد أن خطة ترامب "لن تمر وستذهب إلى مزبلة التاريخ".
وفي بيان صادر عن وزارة الخارجية المصرية حثت مصر "الطرفين المعنيين على الدراسة المتأنية للرؤية الأميركية لتحقيق السلام، والوقوف على كافة أبعادها، وفتح قنوات الحوار لاستئناف المفاوضات برعاية أميركية".
إن صفقة القرن التي تم الإعلان عنها كانت الإدارة الأميركية قد نفذت الجزء الأكبر منها عمليًّا بضم القدس واعتبارها عاصمة أبدية لـ"إسرائيل"، واعتراف أميركا بمستوطنات الضفة والقدس، واعترافها بضم هضبة الجولان لـ"اسرائيل" وإسقاطها لحق العودة عبر مخطط التوطين لا سيما في الاردن.
أما توقيت الإعلان عن الخطة فهو مرتبط بدوافع شخصية لترمب عقب اتهامه بقضية أوكرانيا، ودوافع انتخابية تخصه وتخص نتنياهو.
وأما موقف السلطة الفلسطينية فهو موقف متواطئ حتى لو بدا توتر قادتها وخشيتهم على مصيرهم ورفضهم حتى تبدو الحلول مفروضة عليهم، وذلك لأن مواقفهم لا تنطلق من استراتيجية لمواجهة الصفقة ومقاومتها ومعارضتها لتطبيع الدول العربية مع كيان يهود، أو التخلي عن المفاوضات أو على الأقل السكوت عن قيام الشعب بفعل معرقل على الأرض كالانتفاض المقترن بمقاومة حقيقية، فضلًا عن إسهام السلطة نفسها في تهميش العالم الإسلامي عن القضية، رغم أن واقع القضية أنها قضية إسلامية فعلًا، وليست وطنية فلسطينية، ويتحمل المسلمون كافة المسؤولية عنها، كما أن استنادها إلى أنظمة عربية شريكة لها في التآمر، بالإضافة إلى حصر السلطة ذاتها لملف القضية بيد "إسرائيل" والولايات المتحدة، وهي تعلم نواياهم الاستعمارية وتتواطؤ معها لتمكين يهود من السيطرة على 40% من أراضي الضفة، وموافقة محمود عباس ومنظمة التحرير على سلطة فلسطينية منزوعة السيادة تمامًا عن مستوطنات الضفة والقدس، ومحدودة الإدارة على السكان الفلسطينيين، وموافقة من يزعمون تمثيل الفلسطينيين على عاصمة في "أبو ديس" خارج حدود القدس قبل سنة 1967، وهو ما أعلنه نتنياهو الثلاثاء 28/1/2020، وتآمرهم على تسوية قضايا اللاجئين في بلدان إقامتهم وبخاصة في الأردن بعد إعادة تصميم النظام الأردني لاستيعابهم، وربما لهذا اضطر ترمب للإطراء على الملك عبدالله الثاني لأهمية دوره في إغلاق ملف اللاجئين، كل ذلك يجعل الغضب الذي بدا على رئيس السلطة في إعلانه رفض الصفقة، غضبًا للاستهلاك الشعبي، وليس موقفًا حقيقيًّا رافضًا للصفقة، متحملًا النتائج عن ذلك.
وفي المقابل تعهد ترمب برشوة أهل فلسطين بـوعدهم باستثمار 50 مليار دولار، والاستناد على هذا الحل لانتزاع اعتراف الدول العربية والدخول في حل إقليمي يصفي القضية ويدمج كيان يهود في المنطقة.
أما اعتراف السلطة الفلسطينية بدورها الوظيفي وعزمها على مراجعته أو تغييره بوقف التنسيق الأمني كردة فعل، فهو علاوة على أنه كشف صريح عن خيانتها فإنه إعلان واضح عن تخليها عن دور القمع لأهل فلسطين بالوكالة، ودعوة أميركا وإسرائيل للقيام بالمهمة، ومعاقبة السكان مباشرة ودون تدخل منها.
وأما بخصوص مواقف بعض الدول العربية المعلنة، وهي الأردن ومصر والسعودية، ومن حضروا الإعلان عن الصفقة وهي الإمارات وعمان والبحرين، ودعوتهم إلى بدء التفاوض، فيعني تأييدهم وموافقتهم على الصفقة كأرضية للحل وتصفية القضية.
وفيما يتعلق بالتسجيل الصوتي المنسوب لأبي حمزة القرشي المتحدث باسم تنظيم الدولة والذي تزامن مع إعلان صفقة القرن، فقد أثار استغراب العديد من المراقبين، وقد دعا فيه زعيم التنظيم (أبو إبراهيم الهاشمي القرشي) إلى استهداف "إسرائيل" في المرحلة الجديدة للتنظيم, والذي يبدو أن يهود سيوظفون مثل هذا التسجيل أو الأعمال المادية التي يمكن القيام بها انطلاقًا من أراضي الغورمن الجانب الأردني، في تبرير ضم منطقة الغور من الجانب الفلسطيني للدولة العبرية, وإبراز ضرورة ضمه لحماية أمن كيان يهود.
أما إثارة موضوع قرار فك الارتباط من قبل شخصيات محسوبة على القصر في الأردن، فإنه يشي بأن هناك تمهيدًا لتوطين الفسطينيين في الأردن؛ لأن ذلك يعني اعتبار الضفة أرضًا أردنية ورعاياها أردنيين وهذه السيادة الأردنية على السكان بلا أرض تنسجم مع صفقة القرن.
لقد سبق وأن قلنا أن أرضية صفقة القرن قد تم إعدادها والشروع بها مسبقًا، إذ كان عباس قد تنازل عن "حق العودة" بمباركة عربية في قمة بيروت، وموافقة الأنظمة على تقسيم القدس بعد توسيعها وتدويل الأماكن المقدسة وإخضاع المدينة لسيادة الكيان اليهودي وترك الإدارة الذاتية لمناطق "أ" و"ب" للسلطة بموجب اتفاق أوسلو، أو للسلطة والأردن بعد السيطرة اليهودية على الأرض والولاية الأردنية الفلسطينية المشتركة على السكان، وكون الصفقة لا تخرج عن "السلام الاقتصادي" لنتنياهو و"الحل الانتقالي" لشارون و"الدولة المؤقتة" لبيريز. إذن ليس فيها جديد سوى الإعلان عن بنودها وشراء موافقة الحكام على تصفية القضية مقابل البقاء في عروشهم وشراء صمت الشعوب بتحسين شروط عبوديتهم بالوعود التنموية بعد إفقارهم الممنهج؟!
أما بشأن إمكانية نجاح خطة ترمب، فإنه رغم استبعاد تقبلها من قبل أبناء المنطقة المسلمين, ولكن ما هو متوقع هو فرضها كأمر واقع, ويتطلب ذلك فترة زمنية طويلة الأجل كاستراتيجية متبعة لترويض للشعوب.
أيها المسلمون..
إن السبب الرئيس في جرأة أميركا ويهود على فرض الاملاءات هو غياب الراعي المسلم، ووجود هذه السلطة الفلسطينية العميلة والأنظمة العربية المتآمرة، وحصرهم لردود الفعل في الأطر الدبلوماسية والمسار الاستسلامي والكفاح الرخيص، وتغييب النهج النضالي الذي يرفض ربط القضية بالمساعدات والتهديدات الخارجية.
إن غياب العقائدية الصلبة التي يمليها إسلامنا العظيم واعتبار العمل السياسي نزهة لا يستحق التضحيات بذريعة الضغوط الخارجية، واتخاذ الأنظمة والحكام لقضايا الأمة وسيلة لخدمة المستعمر وإرضائه حفاظًا على عروشهم، واتخاذهم من قبول بعض الفلسطينيين بالحل ذريعة للتخلي عن واجبهم والتخلص من أعباء القضية هو مما يزيد أعداء الأمة جرأة في فرض املاءاتهم عليها.
أيها المسلمون في العالم أجمع..
إن المسألة اليوم غيرها يوم أُعطي وعد بلفور، وغيرها يوم قام كيان يهود، بل غيرها حين احتل يهود الأقصى المبارك وأراضي المسلمين سنة 1967.
إن المسألة اليوم هي جريمة من أفظع الجرائم في تاريخ الأمة الإسلامية وهي منح الأرض المباركة، التي ضحى المسلمون لأجلها، ورووا ثراها بدمائهم الزكية، ملكًا أبديًّا ليهود، وتذليل العقبات لدمجهم في المنطقة, إنها نكبة ثانية أشد وأفظع، تضيع فيها المقدسات، ويعلو فيها لواء الكفر والعهر في بلاد الإسلام وعلى أرض المسلمين، بل على أقدس أراضيهم.
إن هذه الكارثة التي تحل بالمسلمين اليوم، لن ينقذهم منها سوى تصحيح الأوضاع، والاشتباك مع يهود في حرب مدمرة، تجعل كيانهم المصطنع أرض المعركة، ولا مفر من اتخاذ الموقف الذي تمليه علينا عقيدتنا الإسلامية، عقيدة النضال والكفاح والجهاد، من استنقاذ المقدسات من دنس يهود، والأقصى تحت ظل العدو الكافر ينادي إليّ إليّ أيها المسلمون، إلىّ إليّ أيها الأبطال، فقد دنا يوم الاعداء وحلّت ساعتهم وآن لكم أن تُنقذوا أقصاكم من العدو الساقط اللئيم.
وأخيرًا فإننا ونيابة عن كل المخلصين في أمتنا الماجدة نحذر حكام بلاد المسلمين وزعماءهم وأعوانهم من التمادي في خيانة الأمة والتواطؤ مع أعدائها، ونحملهم المسؤولية كاملة عن تردي الأوضاع في بلاد المسلمين، وتسليمهم البلاد والعباد لقمة سائغة للغرب الكافر يتحكم فيهم كما يشاء، ويتخذ يهود سيفًا مُسْلطًا عليهم . إننا نحذركم من عواقب تآمركم مع أعداء الأمة التي باتت تدرك لصالح من يلغى الجهاد في قمة دكار، ولصالح من تغير مناهج التعليم وتلغى منها آيات الجهاد، وإزالة ما يمت للإسلام بصلة من هذه المناهج؟! ولصالح من يجري تمييع شباب الأمة وإفراغ عقولهم من مفاهيم الإسلام؟! ولصالح من يُلغى التجنيد الإجباري؟! ولا يُعِدّ أبناء الأمة لمواجهة أعدائها من الكفار، ونخص منهم أبناء القردة والخنازير الذين لم يخلد التاريخ منهم بطلًا. إن من يفعل تلك الخيانات هو المسؤول أمام الله والأمة عن تمرير صفقة القرن، ومعني بنجاحها، وهو جسر للكفار يعبرون فوقه إلى مآربهم.
أما قوى الأمة المادية وهم قوة الأمة الضاربة، فإننا ننبههم من أن يكونوا يدًا للحكام لتنفيذ هذه الخيانة العظمى، وتدعوهم أمتهم إلى أن يتحركوا بما يملكون من قوة وطاقة لخلخلة الأوضاع في المنطقة حتى لو أدى ذلك للاشتباك مع كيان يهود، والالتحام في حرب تحررية كبرى تزيل هذه الأنظمة المجرمة وتخلع كيان يهود المصطنع من جذوره.
أيها المسلمون..
إننا نرى الكارثة مقبلة بأفظع مما يتصوره مخلص، ونرى الخيانة قد ارتكبت جهارًا نهارًا، ولا يحتاج الإنقاذ منها إلاّ إلى شيء من الثبات ممن فُرض عليهم الثبات، وإلى شيء من التضحية والفداء ممن نذروا أنفسهم للفداء. فإن الأحداث أقوى من الرجال، وإن أبطال المسلمين لا شك قادمون، ويومئذ ستعاقب الأمة الخونة ومن يعاونهم أشد العقاب, وستكون الحرب المدمرة، وسيكون القتال الذي يحرر بلاد المسلمين ويشفي صدورهم، وسيكون النصر العزيز الذي وعد الله به المؤمنين من فوق سبع سماوات.
{ قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين}
حزب التحرير
4/جمادى الآخر/1441هـ
29/1/2020م