بسم الله الرحمن الرحيم
متابعة سياسية
الوثيقة الدستورية السودانية: حرب على الإسلام والمسلمين

مرت أكثر من ثلاثة أشهر منذ أن وقع المجلس العسكري الانتقالي في السودان وقوى إعلان الحرية والتغيير (قحت) يوم 17 آب/أغسطس 2019 على الوثيقة الدستورية للفترة الانتقالية المنبثقة من اتفاقية الخرطوم لتقاسم السلطة بتاريخ 17 تموز/يوليو بفضل وساطة الاتحاد الإفريقي وإثيوبيا.
ورغم أن الوثيقة الدستورية أكدت في الفصل الأول من الأحكام العامة وتحت مادة "طبيعة الدولة" أن "جمهورية السودان دولة مستقلة ذات سيادة، ديمقراطية، برلمانية" إلا أن رئيس الوزراء الحالي (عبد الله حمدوك) قد تم تنصيبه من قبل أميركا قبل تكوين المجلس التشريعي الانتقالي نفسه الذي من المفترض أن يتم تشكيله ويباشر مهامه حسب ما جاء في الفصل السابع المادة 23 "في فترة لا تتجاوز تسعين يوما من تاريخ توقيع هذه الوثيقة".
وتنص الوثيقة على أن أجهزة الحكم الانتقالي تتألف من مجلس السيادة الذي يمثل رأس الدولة ورمز سيادتها ووحدتها. ويتشكل مجلس السيادة من 11 عضوًا هم ستة مدنيين وخمسة عسكريين، وهو يعد القائد الأعلى للقوات المسلحة وقوات الدعم السريع والقوات النظامية الأخرى.
أما الجهاز الثاني فهو مجلس الوزراء الذي يمثل السلطة التنفيذية العليا للدولة. وهنا استأثرت قوى الحرية والتغيير (قحت) بهذا المجلس عبر الحصول على 18 وزارة من مجموع 20 وزارة احتفظ بها المجلس العسكري بوزارتي الدفاع والداخلية.
أما فيما يتعلق بالمجلس التشريعي الذي لم يتم تشكيله إلى حد اليوم فقد جعلت الوثيقة "نسبة 67% ممن تختارهم قوى الحرية والتغيير، ونسبة 33% للقوى الأخرى غير الموقعة على إعلان الحرية والتغيير والتي يتم تسميتها وتحديد نسب مشاركة كل منها بالتشاور بين قوى الحرية والتغيير والأعضاء العسكريين في مجلس السيادة".
وحسب الوثيقة الدستورية فإن المرحلة الانتقالية تستمر لمدة 39 شهرًا، تتولى شخصية عسكرية رئاسة مجلس السيادة لمدة 21 شهرًا، ثم تترأسه شخصية مدنية لمدة 18 شهرًا الباقية.
إن قراءة متأنية للوثيقة الدستورية تكشف لنا أنها وثيقة جاءت لتكريس استبداد أشد سوءًا من استبداد نظام عمر البشير. فقد احتكرت قوى الحرية والتغيير تمثيل كل المعارضة سواء في الحوار مع المجلس العسكري أو في توقيع الوثيقة الدستورية، وذلك بفضل الدعم الذي لقيته من الحكومة الأميركية ووكلائها في المنطقة الإمارات وإثيوبيا.
وإنه ما كان لهذه الشراكة أن تتم بين العسكر وجماعة (قحت) لولا أن الطرفين عميلان لأميركا رغم اختلافهما في الوظيفة والأفكار والآراء السياسية.
إن الوثيقة الدستورية الموقعة بين المجلس العسكري وقوى إعلان الحرية والتغيير برعاية أميركية ما هي إلا انقلاب عسكري جديد بغطاء وشريك مدني. فقد سخرت أميركا رئيس وزراء أثيوبيا آبي أحمد النصراني لتسهيل القيام بهذا الانقلاب، حتى يعطى له مشروعية إقليمية مدعومة من قبل الاتحاد الإفريقي ومشروعية دولية مدعومة من المبعوثيْن الأميركي والبريطاني.
ولذلك فإن ما حصل من اتفاق بين المجلس العسكري وجماعة (قحت) هو عبارة عن "زواج عرفي" لمدة ثلاث سنوات، وليس هناك ما يمنع أن يتم تمديد هذه الفترة إلى خمس سنوات أو أكثر كما تطالب بعض القوى العسكرية التابعة لجماعة (قحت). ومن غير المستبعد أن يتحول هذا "الزواج العرفي" الحاصل حاليًّا بين العسكر و(قحت) بمباركة غربية إلى "زواج كاثوليكي" سوف يدفع المسلمون في السودان ثمنه باهظًا من القمع والاعتقال والقتل ما لم يتحركوا سريعًا لوقف ذلك.
إن ما جرى في مصر من حرب شعواء على الإسلام والمسلمين تعمل أميركا على استنساخه في السودان مع فارق أن العسكر استلموا الحكم بمفردهم في مصر، بينما استلم العسكر الحكم في السودان بالشراكة مع وجوه "مدنية" علمانية استئصالية من الشيوعيين والقوميين والصوفيين الحلوليين المتواجدين في تجمع المهنيين وقوى الحرية والتغيير.
لقد تم اختيار هذه الصيغة من الانقلاب العسكري في السودان حتى يتم تلافي ردة فعل القوى الإسلامية والوطنية، التي لا تتقاسم مع قوى إعلان الحرية والتغيير مشروعها في الحرب المكشوفة على الإسلام وعلى اللغة العربية، وتجفيف منابعهما في المناهج التعليمية وعلى مستوى الأقاليم تمهيدًا لعملية تقسيم السودان وتفتيته عرقيًّا.
ومن ثم فالدافع وراء هذه الشراكة بين المجلس العسكري وجماعة قحت الذي رعته أميركا وبريطانيا هو التصدي للقوى الإسلامية والوطنية مثل (تيار نصرة الشريعة ودولة القانون، والجبهة الوطنية للتغيير) التي تعتبر أن حكومة حمدوك هي حكومة غير شرعية؛ لأنها قامت على إقصاء خصومها السياسيين وسارت في ركب توصيات أميركا بتجفيف منابع الإسلام وتغيير مناهج التعليم وعدم تضمين الشريعة الإسلامية واللغة العربية في الوثيقة الدستورية التي هي بمقام الدستور؛ لأنها "القانون الأعلى للبلاد وتسود أحكامه على جميع القوانين"، كما جاء ذلك في المادة الرابعة من الفصل الأول تحت عنوان (السيادة).
ولم تكتفِ أميركا بتمكين قوى الحزب الشيوعي والحزب الناصري وحزب البعث والحزب الجمهوري، وهي أهم مكونات قوى الحرية والتغيير، من تنصيب عبد الله حمدوك في رئاسة مجلس الوزراء دون وجود مجلس نيابي، ولم تكتفِ أميركا أيضًا بإقصاء الإسلام واللغة العربية من الوثيقة الدستورية، بل إنها قامت بسن "قانون تفكيك نظام الثلاثين من يونيو 1989 وإزالة التمكين لسنة 2019" الذي وفر لها المسوغات لتعيين التابعين لقوى "قحت" في الخدمة المدنية من ذوي التوجهات الشيوعية والبعثية والناصرية والحلولية، وطرد الموظفين الموجودين في أجهزة الدولة بدعوى أنهم من بقايا نظام الكيزان (أي نظام البشير).
وقد وفر هذا القانون لجماعة (قحت) فرصة لمصادرة ممتلكات الناس وحل الشركات بالإضافة إلى عزل الموظفين من الخدمة المدنية من غير الموالين لقوى الحرية والتغيير. وهذا يدل على أن "قانون تفكيك النظام" قد جيء به من أجل تفكيك دولة عميقة كانت تابعة للمؤتمر الوطني وإحلال دولة عميقة محلها تكون بديلة وتابعة لعلمانية استئصالية بكل توجهاتها الفكرية والسياسية.
ومما يؤكد بأن أميركا تعمل على التمكين للمجلس العسكري والقوى العلمانية الاستئصالية هو ما تم إنشاؤه من مليشيات مدنية يجري الحديث على إمكانية تسليحها، وهي ما تعرف باسم (لجان المقاومة) التي تأسست في كانون أول/ديسمبر 2018 وتم الاعتماد عليها في تحريك الأحياء في الخرطوم وغيرها من المناطق بهدف إسقاط نظام البشير.
ولكن بعد سقوط نظام الكيزان سيطر الحزب الشيوعي منذ إبريل 2019 على معظم هذه اللجان التي اجتمع بعض قادتها مع قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتو) وبحضور مدير جهاز المخابرات الفريق أبو بكر دمبلاب. وهذا الاجتماع يدخل في سياق الشراكة التي فرضتها أميركا بين المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير.
أما الزيارة التي قام بها عبد الله حمدوك الشيوعي إلى أميركا فكانت من أجل تقديم كشف بالقرارات والإجراءات التي أصدرها في حربه على الإسلام، منذ أن جاؤوا به من مهجعه في كندا، وعينوه في رئاسة مجلس الوزراء. والدليل على ذلك أن حمدوك لم يصطحب معه وزيرة الخارجية بل اصطحب وزيرة الشباب والرياضة ووزير العدل ووزير الشؤون الدينية والأوقاف.