بسم الله الرحمن الرحيم
متابعة سياسية
الاتفاقية الليبية التركية ومآلاتها
أحدثت الاتفاقية التي وقعتها تركيا مع حكومة السراج في ليبيا يوم السابع والعشرين من الشهر الماضي ضجة كبيرة على المستوى الإقليمي من قبل مصر واليونان بخاصة. فقدحولت هذه الاتفاقية في جانبها المتعلق بترسيم الحدود البحرية منطقة شرق المتوسط إلى منطقة نزاع قابلة للانفجار والتصعيد بعد أن اعتبرت اليونان أن هذه الاتفاقية تمس بحقوقها وحقوق قبرص الرومية في التنقيب عن النفط.
أما في جانبها الأمني فقد دفعت الاتفاقية خليفة حفتر وحلفاءه في مصر والإمارات إلى تصعيد الهجوم العسكري على طرابلس وبخاصة بعد التصريح الذي أطلقه رجب أردوغان من أن تركيا على استعداد لإرسال جنودإلى ليبيا إذا طلبت منها حكومة طرابلس ذلك.
لقد جاء هذا الاتفاق قبيل انعقاد مؤتمر برلين بشأن ليبيا، وكذلك عقب توبيخ أميركا لحفتر بسبب إسقاطه لطائرة أميركية مسيرة في ضواحي طرابلس قبل شهر بواسطة المرتزقة الروس، وكما يبدو أن تركيا استغلت الظرف وبادرت لإبرام اتفاق يرتكزعلى تفاهمات سابقة منذ سنة 2013 ما يضمن مصالحها شرق المتوسط بعد أن تم تهميشها من الاتفاقات المبرمة بين اليونان و"إسرائيل" ومصر.
وقد دلت استجابة السراج العاجلة للاتفاق مع تركيا على ضوء أخضر أميركي؛ لأن السراج هو من عملاء أميركا الذين أوصلتهم إلى حكم المنطقةالغربية بمقتضى اتفاقية الصخيرات (17/12/2015م)، مما يعني تقصد الإدارة الأميركية استدراج أردوغان لنقل ثقله والتركيز على المصالح الحيوية التركية خارج سوريا, وزيادة العبء على تركيا اقتصاديا وعسكريًّا, ودق إسفين بين أردوغان وروسيا الداعمة لحفتر والمتضررة من توفر مصدر منافس لها في سوق الطاقة التركية والأوروبية.
وكذلك من أجل توتير العلاقة بين تركيا وأوروبا من بوابة اليونان، ورغم أن بوادر تشنج المواقف الروسية التركية في الملف الليبي قد بدت بإعراب روسيا عن قلقها من دخول تركيا على خط المواجهة في ليبيا، وتحذيرها من أن التدخل الخارجي في النزاع الليبي قد يعمق الأزمة كما بدت بتصريح أردوغان بأن حفتر لا يملك الشرعية التي يحظى بها السراج، وإعرابه كذلك عن أسفه للدعم الروسي الموجه لحفتر، رغم ذلك إلا أنه من المستبعد أن تتأثر علاقة البلدين أو يعدما الحيلة لتلافي الصدام بينهما. ما من شك بأن استحواذ اليونان على المياه الإقليمية الليبية وإعلانها مياهًا إقليمية يونانية عام 2014م مستغلة الاضطرابات في ليبيا قد حرم هذه الأخيرة من حقوقها في موارد البحر المتوسط وبخاصة بعد اكتشاف الغاز في عمقه, ولولا توقيع الاتفاقية التركية الليبية لكان من شأن حصة اليونان من الطاقة في مناطق ليبيا الاقتصادية ان توفر لأوروبا مصدرًا داخليًّا للطاقة بعيدًا عن فزاعة الغاز الروسي الذي تستغله روسيا للضغط عليها كما تستغله الولايات المتحدة لابتزازها وإبقائها تحت مظلة الناتو.
أما عن دوافع تركيا في عقد الاتفاقية مع السراج, فإن تركيا التي لم تعترف منذ هدم الخلافة بحدودها البحرية مع اليونان لشعورها بالإجحاف في تقسيم تلك الحدود , وكثيرًا ما طالبت بتقسيم الحدود البحرية بينها وبين اليونان على أساس التناصف الموجود بين اليابسة التركية واليابسة اليونانية؛ ولكن الرفض كان هو مصير تلك المطالبات. وقد جاءت هذه الاتفاقية التركية الليبية لتفرض واقعًا جديدًا تجبر الأطراف المطلة على البحر المتوسط للجلوس مع تركيا والتفاوض معها على الحدودالبحرية والثروات النفطية.
أما أهم دوافع تركيا لإنجاز هذه الاتفاقية مع ليبيا فهو اكتشاف الغاز بكميات كبيرة في شرق المتوسط لأن تركيا التي شرعت ببناء نفسها اقتصاديًا وعسكريًّا تحتاج إلى الطاقة بكميات كبيرة وبنسب متزايدة مما يستنزف جزءًا وافرًا من مواردها المالية. ولذلك باشرت في التنقيب عن الغاز ومنعت شركات أوروبية من التنقيب قرب قبرص بقوة بوارجهاالحربية. ثم جاءت هذه الاتفاقية الأخيرة التي تم تسجيلها في الأمم المتحدة لتعطي لتركيا اليد الطولى في عملية التنقيب وفي منع أية مشاريع تتجاوزها في شرق المتوسط, حيث صرح أردوغان في التاسع من الشهر الجاري أنه: "لا يمكن لقبرص الجنوبية ومصر واليونان وإسرائيل إنشاء خط نقل غاز طبيعي من المناطق التي حددها الاتفاق مع ليبيا دون موافقة تركيا، لن نتساهل بهذا الصدد، وكلما نقوم به متوافق بالتأكيد مع القانون ا لبحري الدولي" هذا التصريح للرئيس التركي يحدد بوضوح أهداف الاتفاقية وأهمها قطع الطريق على الدول والشركات المنقبة عن الغاز والنفط في شرق المتوسط دون موافقة تركيا. وإجبار تلك الدول على الجلوس مع تركيا وبحث مسألة الحدود البحرية بعيدًا عن اتفاقية أعالي البحار التابعة للأمم المتحدة.
ورغم تعدد أطراف النزاع وتشابك مصالحها فإنه يمكن القول بأن الاتفاقية لم تحصل بعيدًا عن الكيد الأميركي لكافة الأطراف بتواطؤ من رئيس حكومة الوفاق فايزالسراج وحكومة اليونان التي صعدت بطرد السفير الليبي مدعومة بالموقف المصري والإسرائيلي وتحريض الإمارات للكونجرس الأميركي للتدخل ضد أردوغان.
أما تصعيد حفتر الأخير ضد طرابلس بدعم روسي ودخول تركي اعلى خط النزاع فإنه يندرج في سياق الكيد الأميركي لروسيا وتركيا وابتزاز أوروبا والضغط على كافة الأطراف الليبية المتحاربة وإبقاء التوازن فيما بينها إلى أن تتم تسويةا لوضع السياسي، ولذلك لم تسمح أميركا لحفتر بدخول طرابلس منذ بدء العملية العسكرية قبل أشهر. أما سكوتها عن التدخل التركي في مواجهة الدعم الروسي لحفتر على الضفة الجنوبية لأوروبا فمن المرجح أنها محاولة لإظهار المواجهة بأنها ضد عضو من أعضاء الناتو والتي قد تمهد لجر الناتو إلى ليبيا في وقت لاحق لا سيما وأن ليبيا لا تزال تحت البند السابع لمجلس الأمن.
وخلاصة القول إن هجوم حفتر الأخير على طرابلس لا يتوقع منه أن يفضي إلى إلغاء الاتفاقية التركية الليبية لأن السراج لم يبرمها إلا بموافقة أميركية. وكل ما يمكن لحفتر فعله إذا تمكن من فرض واقع أقوى في معادلة النزاع مع حكومة الوفاق أن يُعاد ملف غاز المتوسط إلى طاولة التفاوض أو يجمدها وهذا لا يخرج عن أهداف أميركا أيضًا.
أما غض أميركا الطرف عن الدعم الروسي لحفتر فعلاوة على ما قد ينجم عنه من احتكاك بين روسيا وتركيا فلا شك أنه يعطي حفتر الفرصة والوقت لخلق واقع جديد قبيل انعقاد مؤتمر برلين بشأن ليبيا، حيث تم تأجيل المؤتمرأكثرمن مرة لكي يتمكن حفتر من تقوية موقفه التفاوضي إذا أحرزتقدمًا في حملته الأخيرة على طرابلس. وأما مصلحة روسيا في دعم حفتر- رغم نفيها تأثير ذلك على علاقتها مع تركيا – فهو أن يُفشِل حفتر وداعموه في الخليج ومصر مساعي تركيا بالاستثمار في غاز المتوسط خشية أن يوفر بديلا تنافسيًّا لأوروبا الباحثة عن تنويع مصادرها من الطاقة وأن يخرجها من بين فكي الولايات المتحدة وروسيا.
والمؤسف بعد كل ذلك أن تبقى دماء أبناء الأمة وقود المؤامرات التي تستهدفها في المقام الأول, والسبب يكمن في ضعف وعي الأمةالسياسي على ما يدور ما مؤامرات عليها، وبقاء الأدوات الرخيصة من الزعماء والحكام الذين سخروا أنفسهم لخدمة مصالح الكفار مستخدمين أبناء الأمة في تنفيذ خياناتهم.
23/ربيع الآخر/1441هـ
20/12/2019م