بسم الله الرحمن الرحيم
متابعة سياسية
انتخابات الجزائر
منذ اندلاع الربيع العربي ومنه احتجاجات 22 شباط/فبراير 2019 في الجزائر واستراتيجية الأنظمة العربية في التعامل مع الحراك الشعبي في بلاد المسلمين تكاد تكون ثابتة على قاعدة "لكي نحافظ على الوضع كما هو لا بد من تغيير الوضع" عبر تغيير الوجوه وتبديل الأقنعة وقمع الجماهير الرافضة بأبشع صورة ممكنة بعد أن تستنفد أقصى ما لديها من تصعيد حتى إذا أخذها القمع شرد بها من خلفها وبعث اليأس في نفوسها.
كل ذلك لأن المسلمين محظور عليهم ممارسة إرادتهم واستعادة سلطانهم. هذا ما حصل في سوريا والعراق وليبيا واليمن، وساحة القيادة العامة في السودان، ورابعة في مصر، والعشرية السوداء التي نفذها المجرم قايد صالح بأهلنا في الجزائر.
والقايد صالح هو من سلالة العصابة العميلة التي تشكلت في حقبة التوافق الأميركي السوفياتي على وراثة الاستعمار البريطاني والفرنسي واقتلاع نفوذهما. ومن نتائج ذلك دعم عبد الناصر جبهة التحرير الجزائرية التي ضمت الجيل الأول من عملاء أميركا، وبعد تولي تلك العصابة الحكم بعقود تمكن بوتفليقة من تقليص النفوذ الفرنسي وجلب الشركات الأميركية للاستثمار في الجزائر ومشاركة فرنسا في نهب ثرواتها.
ومع تأثر أهل الجزائر بموجات "الربيع العربي" استثمرت أميركا في قادة الجيش تمامًا كما فعلت في مصر، فكانت أول شعارات الحراك هي "الجيش والشعب خاوا خاوا" استنساخًا لشعار الحراك المصري "الجيش والشعب يد واحدة". فانقلب قائد الجيش قايد صالح على بوتفليقة، وأجهض محاولة سعيد بوتفليقة وعصابته في الاستئثار بالحكم، ونشبت صراعات داخلية استقرت فيها السلطة بيد النواة الصلبة من عصابة الجيش، نظرًا لرهان سعيد بوتفليقة على الجنرالات الأضعف. وتحت ذريعة تنفيذ الفصل 102 من الدستور، شرع قايد صالح في إصدار أوامره للقبض على سعيد بوتفليقة والجنرال توفيق والجنرال طرطاق وبعض المتنفذين والمنتفعين، وتقديمهم أكباش فداء للتغيير الشكلي، وامتصاص غضب الحراك مختزلاً الفساد في تلك العصابة المجرمة، رغم أن الرئيس المنتخب عبد المجيد تبون وقايد صالح وسعيد شنقريحة قائد القوات البرية التي تضم أكثر من 70% من القوى البشرية للجيش وتسيطر على أغلب القطاعات العسكرية كسلاح المدفعية والمدرعات والقوات الخاصة هم من أبرز أوتاد خيمة النظام الفاسد.
ومع استمرار الحراك في الشارع بات إجراء الانتخابات مطلبًا ملحًّا، وغاية بذاته؛ لتنفيس غضب الشعب وتخفي العصابة العسكرية خلف دمية مدنية وسد ذرائع الحراك كمقدمة قد يعقبها بطش بالمحتجين، فرضت قيادة الجيش الجزائري إجراء الانتخابات الرئاسية في موعدها، يوم 12 كانون أول/ديسمبر الجاري، على الرغم من الاعتراضات الشعبية الواسعة في مختلف ساحات وشوارع المدن والبلدات الجزائرية.
ورغم نجاح العصابة في تمرير شخصية عبد المجيد تبون من بين خمسة مرشحين ليكون واجهة مدنية لانقلاب عسكري جديد، واصل الفريق أحمد قايد صالح (قائد الأركان) وعصابته تجاهلهم لمطالب الحراك الشعبي في إصلاحات هيكلية، وتمكنوا من الحفاظ على منظومة الحكم المتسلطة على رقاب المسلمين في الجزائر قرابة ستة عقود. ومن أجل إعطاء مصداقية لهذه الانتخابات والالتفاف على مطالب الحراك الاحتجاجي لم تقم الطغمة العسكرية بالتضحية بعبد العزيز بوتفليقة وشقيقه ومعسكر الرئاسة فحسب بل استغلت الفرصة لتطهير خصومها في المخابرات العسكرية التي كان يتولاها محمد مدين المعروف بالجنرال توفيق واعتقال زمرة من رموز الفساد والنهب لنظام بوتفليقة وإحالتهم إلى المحاكم.
وقبل يوم واحد من إجراء الانتخابات أصدر القضاء الجزائري يوم 11 كانون أول/ديسمبر أحكامًا بالسجن بتهم الفساد على أحمد أويحيى (15 عامًا) وعبد الملك سلال (12 عامًا) وعلى رجل الأعمال علي حداد سبع سنوات، بغية خداع الرأي العام، وامتصاص غضبه وإيهامه بتلبية مطالبه، وإيهام الشعب بأن الانتخابات هي مفتاح الخلاص من خطر الانزلاق إلى الفوضى والحرب الأهلية والتقسيم، وباعتبارها تتويجًا لنضال الحراك في إنهاء العهدة الخامسة لبوتفليقة.
وحتى يكتمل التضليل والتلاعب بالرأي العام من المتوقع أن يقوم الرئيس المنتخب باتخاذ عدد من الإجراءات و"الإصلاحات" التي تظهره مستقل الإرادة وليس أداة في يد المؤسسة العسكرية، وبخاصة بعد حضور الرئيس التونسي قيس سعيد لمراسم تنصيب عبد المجيد تبون، وهي محاولة لتزكيته أمام الشعب الجزائري وإيهامهم بأن تبون هو صوت شعبي تمامًا كقيس سعيد.
ومن أهم الإجراءات التي قد يقدم عليها هي إطلاق سراح بعض المعتقلين السياسيين كمقدمة لازمة لفتح حوار مع الحراك الشعبي. أما الإصلاحات التي سوف يسير فيها عبد المجيد تبون لكسب مصداقية وترسيخ سلطة العسكر من وراء الستار، فهو ما أعلن عنه تبون نفسه يوم 13 كانون أول/ديسمبر 2019 في ندوة صحفية. فقد صرَّح بأنه "تمشيًا مع التغيير الذي يريده الحراك فإنه سيعمل على تغيير الدستور"، عبر لجنة من الخبراء والمختصين، وبعد أن يتم وضع مشروع الدستور للنقاش العام فإنه سوف يجري الاستفتاء عليه شعبيًّا.
أما الإصلاح الثاني الذي بشر به فهو تعديل قانون الانتخابات من أجل إنشاء "مؤسسات فعالة" ومن أجل "الفصل بين المال والانتخابات". كما وعد بأنه سوف يقوم بإشراك الشباب في مستويات متعددة من الحكم وأن يقوم بمحاسبة "العصابة" ورفع ظلمهم عن الناس عبر "محاكمات عادلة" وإرجاع الحقوق لأصحابها.
وبإيصال الطغمة العسكرية رئيسًا مدنيًّا واجهة لها تكون قد سارت في طريق الالتفاف على مطالب الحراك بإرجاع الجيش إلى ثكناته وإجراء انتخابات حقيقية. وتأمل هذه الطغمة من خلال بعض الإجراءات والقرارات التي سوف يقدم عليها عبد المجيد تبون في تشتيت قوى الحراك الشعبي واستمالة بعض قادته من الشباب.
أما بالنسبة لموقف الدول الكبرى فإن عزف قايد صالح وعصابته على وتر الاستعمار الفرنسي إنما هو لذر الرماد في العيون، إذ أن التوافق الأميركي الفرنسي في الجزائر الذي بلغ حد إدارة المشهد الجزائري من السفارة الأميركية في باريس، وارتيادها من قبل المحسوبين على فرنسا ينفي تصادم عملاء الدولتين الكبيرتين، ويبدد وهم الصراع الدولي بمفهومه التقليدي، أما ما يجري فلا يخرج عن كونه صراعًا فئويًّا كيْديًّا على المصالح والاستئثار بالسلطة والنفوذ بين الأدوات؛ لأن أميركا منتفعة أولاً وقبل كل شيء من الدور الثقافي والعسكري الفرنسي في تأمين النظام الجزائري والمصالح الأميركية من خطر الشعب، لقاء سلامة مصالح فرنسا في الجزائر، لا سيما وأن حضور فرنسا في الجزائر عبر ذيولها الاستعمارية لا يندرج في إطار النفوذ المؤثر، إذ لا تلازم بين التواجد أو الحضور في المشهد وبين النفوذ الفاعل.
بل إن الحضور الإعلامي والثانوي لدول مثل فرنسا وبريطانيا وروسيا في المشهد السياسي ضرورة تخدم أميركا للنأي بنفسها وتضليل الشعوب تمامًا كما يجري في ليبيا، أو لاعتبارات داخلية أميركية أو لأسباب موضوعية في كثير من الأحيان.
وبالتالي فأن الصراع الداخلي في دول المنطقة ومنها الجزائر يدور حول صياغة الأنظمة وتبديل الوجوه والتحايل على أهل المنطقة؛ أي هو صراع ضمن إطار المعسكر الواحد، وهو معسكر الأميركان بمن في ذلك الذين يسيرون مع أميركا تبعية أو بالتسخير والاستغلال والترهيب والترغيب. وأما مهاجمة عبد المجيد تبون لفرنسا فليس إلا مغازلة لعواطف الشعب والتظاهر بالوطنية وكي لا يبدو حارسًا لمصالح الاستعمار.
واخيرًا ورغم التفاف الطغمة العسكرية على الانتخابات وإعادة تموضعهم في الحكم, فإن ما ينبغي فعله هو التصدي لألاعيب تلك الطغمة المجرمة وأسيادهم, ورفض نتائج الانتخابات (المهزلة)، ورفض إكراه الأمة على البقاء تحت النظام العلماني العفن، والالتفاف حول راية التوحيد التي تجمع أبناء الأمة ولا تفرقهم، والعمل على تحكيم الشريعة الإسلامية التي تؤمن العدل والكرامة والعزة والسعادة للناس في الدارين, وليس غريبًا على أبناء الأمة في الجزائر، والذين جاهدوا الكفار الفرنسيين وأذنابهم أكثر من قرن، وقدموا أكثر من مليون شهيد أن يضحوا من أجل إيصال الإسلام إلى الحكم من جديد.
يقول تعالى: {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا، وإن الله لمع المحسنين}
20/ربيع الآخر/1441هـ
17/12/2019م