+ الرد على الموضوع
عرض النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: رد على بحث د. ياسين الورزادي المتعلق بحزب التحرير

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2010
    المشاركات
    973

    افتراضي رد على بحث د. ياسين الورزادي المتعلق بحزب التحرير

    بسم الله الرحمن الرحيم
    رد على بحث د. ياسين الورزادي المتعلق بحزب التحرير
    بقلم: أبو أسيد
    السادة الكرام إدارة المركز الديمقراطي العربي
    تحية طيبة، وبعد:
    أرجو أن أضع بين أيديكم هذه الملاحظات على بحث د. ياسين الورزادي المتعلق بحزب التحرير والذي يبدو فيه الباحث والمحكمون مفتقرين إلى الوعي على فكر الحزب.
    أولًا: زعم الباحث في مقدمة البحث أن مسألة الخلافة عند حزب التحرير هي مسألة "اعتقادية وأصل من أصول الإسلام"، ولم يُشر إلى أي مصدر من كتب الحزب أو نشراته يؤكد زعمه. وهذا لم يقل به حزب التحرير إذ أن الحزب يفرّق في ثقافته بين العقائد والأحكام الشرعية، والخلافة عنده هي حكم شرعي من الأحكام وليست من العقائد ولا من أصول الإسلام! بل إن حزب التحرير يأخذ على الشيعة اعتبارهم الإمامة مسألة عقدية وهو ما بسطه في كتاب الخلافة.
    ثانيًّا: في الفقرة التي تحدث فيها الباحثُ عن تعريف الحزب لنفسه "مرحلة التأسيس" ص 49 من المجلة، قال إن الحزب "اختزل الإسلام في بعده السياسي"، وهذا افتراء على الحزب؛ لأن الفقرات التي استدل بها من كتب الحزب تتحدث عن عمل الحزب وليس عن الإسلام، فهي تُعرِّف الحزب بأنه حزب سياسي بمعنى أنه ليس حزبًا تعليميًّا ولا مدرسة ولا مذهبًا.
    أما نظرة الحزب إلى الإسلام فتجدها في كتبه؛ فهو يعرف الإسلام بأنه عقيدة سياسية روحية تُعنى بشؤون الدنيا والآخرة، وأن الإسلام ينظم علاقة الإنسان بنفسه وبخالقه وبغيره من الناس بالعقائد والأخلاق والمعاملات.
    ثالثًا: يقول الباحث "ص 53 من المجلة" أن الحزب يعتمد "مبدأ النصرة من أي جهة كانت للوصول إلى السلطة وتحقيق حلمه". وهذا القول إما أنه مغرض أو ينم عن جهل بثقافة الحزب وأفكاره؛ لأن الحزب لديه فهم للنصرة وضوابط لها وممن تُطلب ولماذا ومتى تطلب؟ وقد أوضحها الحزب في كتبه ونشراته المتبناة. وكان يجدر بالباحث أن يشير إلى مرجع من كتب الحزب يؤكد زعمه بأن النصرة تطلب من أي جهة كانت؟!.
    رابعًا: يقول في نفس الصفحة "53 من المجلة" بأن الحزب يرى بأن طريقة إقامة الدولة هي "طريقة وحيدة لا يجوز التنكب عن السير على هداها"، وهذا ليس صحيحًا، إذ أن الحزب يقول بأن هذه الطريقة هي اجتهاده، ويقول بأن رأيه صواب يحتمل الخطأ ورأي غيره خطأ يحتمل الصواب. وكون الطريقة هي مسألة اجتهادية فهي ليست قطعية وليست وحيدة بالنسبة للمسلمين، أما بالنسبة له فهي طريقته التي تبناها للوصول إلى غايته، هذا ما يتبناه الحزب فمن أين أتى الباحث بهذا الافتراء؟!
    الملاحظ أن مصادر الباحث ليست كلها من كتب الحزب ومنشوراته، وإنما منقولة عمن كتب عن الحزب، فكان الأجدر به أن يعتمد مصادر الحزب؛ لأنها متوفرة على مواقع التواصل الاجتماعي ولا يحتاج الرجوع إليها إلى عناء.
    خامسًا: كما قلت سابقًا يبدو أن الباحث يجهل مفاهيم حزب التحرير وطريقته، فقال في البحث "ص 56" أن النبهاني لم يكن واضحًا في كتاباته، وكان يحتاج في نقطة الارتكاز "القطر الذي تقام فيه الدولة" إلى عمل من نوع آخر، "ومن المحتمل أنه كان يسعى إلى عمل انقلاب عسكري"!! وأحال الباحث هذا الرأي إلى كتاب لا علاقة له بحزب التحرير؟!.
    أما الحزب فقد كان واضحًا في كتبه، حيث قال بأن الحزب يتسلم الحكم عن طريق الأمة، أما أسلوب تسلم الحكم فيتقرر في حينه فقط، فقد يكون عن طريق مظاهرات عارمة أو ثورة أو عصيان مدني أو غير ذلك من الأساليب المشروعة، ومن تلك الأساليب أن يقوم مجموعة من الضباط بتسليم الحكم للحزب، وقد ذكر الحزب في نشراته أنه قد عُرض عليه الحكم من قبل ضباط في الجيوش العربية في مقتبل سيره، لكنه رفض لأن فكرة الخلافة لم تكن قد نضجت في الأمة. على أن الحزب يعتبر الجيوش العربية هم قوى الأمة ويجب أن ينحازوا إلى أمتهم ويسقطوا الحكام ويردُّوا السلطان للأمة لتنيب عنها من تشاء ليحكمها بشريعة الله سواء أكان الخليفة من رجال الحزب أو من غيره.
    سادسًا: مفهوم حزب التحرير للنصرة بغرض تسلم الحكم يتلخص بكلمة واحدة وهي "البيعة"، فالآية الكريمة التي وصفت الأنصار الذين "آووا ونصروا" فضلاً عن الأحاديث الصحيحة تؤكد فهم الحزب بأن السلطان للأمة تبايع من تشاء ليحكمها، وأهل النصرة بمفهوم الحزب هم الجماعة التي تملك القوة وتملك التمثيل لغيرها في المجتمع، وما لم تتوفر هذه الصفات في أهل النصرة فإن الخلافة لا تنعقد ببيعتهم وفق رأي الحزب، أما نقطة الارتكاز فهي القطر الذي يحصل فيه التجاوب مع الحزب وفكرته ويملك مقومات الدولة التي تملك أمانها والقابلة للبقاء.
    سابعًا: في نقده لفكرة "الخلافة في تصور حزب التحرير" ص (57) يقول: "إن اعتبار الحزب نظام الخلافة بعينه فرضًا واجبًا على المسلمين، يعني أن تنتقل هذه الخلافة من دائرة الفقه إلى دائرة العقيدة، ومن مجال الظنيات إلى مجال القطعيات"، وهذا أيضًا يعبر عن جهل الباحث في الإسلام فقهه وأصوله وأحكامه وعقائده؛ وذلك أن الفرض هو حكم شرعي وليس عقيدة، والفرق بين الحكم الشرعي والعقيدة أن ما طلب فيه العمل يعتبر من الأحكام المتعلقة بأفعال العباد كالواجب والحرام والمندوب والمكروه والمباح، وأن ما طلب فيه التصديق الجازم هو من العقائد كالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر. وأما قوله بأن الحزب نقل الخلافة من مجال الظنيات إلى القطعيات فإن الحكم الشرعي قد يستند إلى دليل قطعي وقد يستند إلى دليل ظني. وإعمال الدليل الظني والدليل القطعي في الأحكام الشرعية لا خلاف عليه بين المسلمين، وإنما الخلاف هو ما إذا كان خبر الآحاد يفيد العلم "اليقين" أم يفيد "العمل"، بالإضافة إلى خلاف العلماء في إعمال الظن في العقائد. ولا بد من الإشارة هنا إلى أن العبرة في مدلول الخلافة وليس في التسمية، فلا فرق بين الخلافة والإمامة والإمارة العظمى والرئاسة من حيث المدلول، أما الجمهورية والامبراطورية والمملكة والمشيخة فإن مدلولها يختلف عن مدلول الخلافة ولا تُقرها الأحكام الناظمة للدولة والحياة السياسية في الإسلام.
    ثامنًا: يقول في (ص 58): "فالقرآن الكريم لم ينص على أن أمة الإسلام يجب أن يتطابق معها نظام سياسي معين، ولا على ضرورة أن يكون هناك بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم من يخلفه لا على مستوى ما هو ديني محض ولا على مستوى ما هو سياسي وعسكري بل ترك المسألة للمسلمين...ولعل خير دليل على كون الخلافة مسألة اجتهادية، هو أنها ظلت بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم موضعاً للنزاع، تفرق المسلمون بسببها إلى فرق سياسية". فيتضح من كلام الباحث حصر الشريعة الإسلامية بالقرآن وحده، ويهمل السنة النبوية وهذا بخلاف ما هو مقطوع به عند المسلمين من كون السنة النبوية مصدرًا من مصادر التشريع. يقول صلى الله عليه وسلم: "إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما" رواه مسلم، وقال: "وَسَتَكُونُ خُلَفَاءُ فَتَكْثُرُ، قالوا: فَما تَأْمُرُنَا؟ قالَ: فُوا ببَيْعَةِ الأوَّلِ، فَالأوَّلِ، وَأَعْطُوهُمْ حَقَّهُمْ، فإنَّ اللَّهَ سَائِلُهُمْ عَمَّا اسْتَرْعَاهُمْ" رواه مسلم. وهذه الأحاديث وغيرها تنقض ما قاله الباحث بأن الإسلام لم ينص على استمرار الخلافة. أما القرآن فقد طلب من المسلمين طلبًا جازمًا أن يحتكموا إلى الإسلام {إن الحكم إلا لله} { إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ ۚ} النساء /105، والسنة النبوية هي بيان للقرآن، قال تعالى: {ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه} طه/114. جاء في تفسير الطبري: "يقول جلّ ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ولا تعجل يا محمد بالقرآن، فتقرئه أصحابك، أو تقرأه عليهم، من قبل أن يوحى إليك بيان معانيه" وعن مجاهد، قال: "لا تتله على أحد حتى نبينه لك". وهذا دليل على أن القرآن يحتاج إلى بيان، وأن بيانه وحي من الله بلسان نبيه، ويؤيد هذا المعنى قوله تعالى: {ثم إن علينا بيانه}. عن ابن عباس {ثم إن علينا بيانه} حلاله وحرامه وتفصيل أحكامه، وتبيانه بلسانك. وإقامة الرسول صلى الله عليه وسلم دولة في المدينة بالبيعة على الحكم وتعيينه لأبي بكر وعمر وزراء له وتعيين الولاة والقضاة مسألة لا يختلف عليها مسلمان عاقلان. يقول الطاهر بن عاشور في رده على فرية علي عبد الرازق: "لم يقل أحد من علماء الإسلام أن الخليفة يستمد قوته من الله، وإنما أطبقت كلمتهم على أن الخلافة لا تنعقد إلا بأحد أمرين: إما البيعة من أهل الحل والعقد من الأمة، وإما بالعهد ممن بايعته الأمة لمن يراه صالحًا، ولا يخفى أن كلا الطريقين راجع للأمةً؛ لأن وكيل الوكيل وكيل فإذا بويع وجب له ما جعله الله من الحقوق التي هي القوة المُبيَّنة في شرع الله تعالى لأن الله حدد قوة الخليفة وجعلها لخدمة مصلحة الأمة، وجعل اختيار ولي أمرها بيد الأمة، ولم يقل أحد أنه يستمد من الله تعالى بوحي ولا باتصال روحاني ولا بعصمة. ولا خلاف أن حكم الخليفة حكم الوكيل" (محمد الطاهر بن عاشور، نقد علمي لكتاب الإسلام وأصول الحكم، ص 4). وأما الدليل الذي استند إليه الباحث لنفي شرعية الخلافة من كونها سببًا لتفرق المسلمين، فإن نزاع المسلمين كان حول السلطة وليس حول وجوب الخلافة ووجوب تنصيب خليفة، بل إن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعوا على وجوب نصب خليفة للنبي حينما أخروا دفنه صلى الله عليه وسلم 3 أيام لكي ينتخبوا خليفة له. وأما قول الباحث بأن الخلافة "ليست موقفًا إلهيًا" بل "مسألة اجتهادية" و"مسألة رأي لا مسألة شرع" وأن الاجتهاد هو: "إعمال للعقل في المشكلات والقضايا التي تطرحها الحياة العامة للمسلمين" فإنه يعكس جهلًا بالدين، بل هو اتهام للدين بأنه ليس "تبيانا لكل شيء". صحيح أن الدين لم يعرض حلولًا تفصيلية في الكتاب والسنة لكنه قعّد قواعد وأصّل أصولًا تبنى عليها الأحكام بالاجتهاد والتفريع، والاجتهاد ليس رأيًا منفصلًا عن أصول الدين كما يتوهم الباحث الذي خلع عليه تعريفًا من خياله ولم يوثقه بسند علمي، بل هو عملية نظر في الواقع وفي النصوص الشرعية لاستنباط الأحكام المتعلقة بالحياة وأفعال العباد. والأحكام الشرعية التي بينتها السنة النبوية لمعالجة نظام الحكم في شكله وجوهره لا تتغير بتغير الزمان والمكان كما يتوهم الباحث؛ لأنها وحي من الله تمامًا كأحكام العبادات والمعاملات.
    «إن مشقة الطاعة تذهب ويبقى ثوابها وإن لذة المعاصي تذهب ويبقى عقابها» ابن الجوزي

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2010
    المشاركات
    973

    افتراضي


    تاسعًا: في موضوع "الخلافة غاية ص 59" لم يفرق الباحث بين الطريقة التي هي كيفية دائمة دل الدليل الشرعي على دوامها وبين الوسيلة التي تندرج في المباح ويقررها العمل، فالإدارة والدواوين والمظاهر المدنية والعلوم هي مما يقع في دائرة المباح، كالقوانين الناظمة للسير ومرور المركبات والطرقات والوثائق واللباس ووسائل تنمية الثروة والاختراعات العلمية والتكنولوجية وما شاكلها من منتجات العقل البشري وإبداعه لا حرج فيها ولا قيد عليها سوى صلاحها لنوع العمل وأن لا تخالف الشرع، وذلك عملًا بقاعدة "الأصل في الأشياء الإباحة ما لم يرد دليل التحريم". والدولة ليست غاية بذاتها وإنما هي حكم من أحكام الطريقة وهي عمل دائم دل الدليل الشرعي من فعل الرسول والصحابة عليه. وإقامة الخليفة هو مما تستلزمه رعاية الشؤون ومصالح الناس، قال تعالى: {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم} الأحزاب / 6؛ أي أن النبي بوصفه حاكمًا هو المعني برعاية شؤون الناس. وقال صلى الله عليه وسلم: "والإمام راع وهو مسؤول عن رعيته" وفي هذا الحديث يحصر رعاية الشؤون بالخليفة لا كما هو معمول في الأنظمة الحديثة. وقال أيضًا: "الإمام جُنة يقاتل من ورائه ويُتقى به"، وفي هذا الحديث ثناء على الخليفة ما يدل على وجوب إقامته. ومن أغرب ما قاله الباحث في هذا الصدد أن الخلافة ليس لها وجود في نصوص الإسلام وأن ما أفرزه التاريخ "لم يكن نسقاً شكلياً واحداً ومضطرداً" وكأن الخلافة الإسلامية رغم ثغراتها ومثالب حكامها لم تكن موجودة منذ عهد أبي بكر إلى أن تم إلغاؤها سنة 1924 على يد مصطفى كمال أتاتورك!!
    عاشراً: يقول الباحث في (ص 61) أن النبهاني اختزل الخلافة بالخليفة وأن هذا يتماهى مع الفقه التقليدي الذي شرعن الاستبداد وحكم التغلب. والحقيقة أن الباحث هو الذي اختزل مفهوم الدولة عند الحزب بالخليفة استنادًا إلى العبارة التي ذكرها الحزب بأن "الخليفة هو الدولة" مع أن الباحث ذكر في نفس الفقرة مفهوم الحزب لأجهزة الدولة "الخليفة ومعاون التفويض ومعاون التنفيذ وأمير الجهاد والولاة والقضاة والجهاز الإداري، ومجلس الأمة" كما ذكر قواعد الحكم في الإسلام وهي: "السيادة للشرع لا للشعب، والسلطان للأمة، ونصب خليفة واحد فرض على المسلمين، وللخليفة وحده حق تبني الأحكام الشرعية" وكل ذلك يطول فيه الشرح والأدلة في كتب الحزب ونشراته ولا يتسع المقام لشرحها. فكيف يكون الحزب قد اختزل الدولة بالخليفة إذاً؟!.
    إن الدول لا تقوم إلا بوجود حاكم أو أمير واجب الطاعة أمره نافذ وهذا ليس خاصًّا بالدولة الإسلامية بل هو عامل أساسي في كل دولة بل في كل كيان يتصف بالصفة الكيانية، وقول الحزب بأن الدولة هي الخليفة يعني أنه لا يصبح لها وجود شرعي وقانوني وكياني إلا بوجوده، والخليفة هو رمز وحدة الأمة وكيانها، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما" وذلك إذا تعذّر ثنيه عن شق وحدة المسلمين. وأما صلاحياته فإن الشرع هو الذي يحددها، وبالتالي فهو مقيد بأحكام الشرع وليس فوق القانون، وهو نائب عن الأمة وليس نائبًا عن الرب كالدولة الثيوقراطية؛ ولهذا كانت صلاحية رعاية الشؤون محصورة بالخليفة وقد نصت الأدلة من الكتاب والسنة عليها. كما أن منطق القيادة يفرض فردانية الحكم ولا يتصور أن تكون القيادة جماعية حتى في الأنظمة الديموقراطية إذ أن الذي يقود الدولة هو الحاكم وليس البرلمان ولا الشعب. كما أن الحزب يتبنى إقامة محكمة المظالم التي تختص في النظر بالشكوى على الخليفة وهي التي تعزله، وأما أن ليس للأمة عزل الخليفة إلا إذا استحق ذلك بحسب الأحكام الشرعية فيرجع ذلك إلى الأحكام الشرعية التي نصت على محاسبته وحرمة الخروج عليه ما لم يظهر الكفر البواح، قال عليه السلام: "من بايع إمامًا فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه ما استطاع، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر"، وهذا دليل على عدم إخضاع عزل الخليفة لمزاج الناس. وأما مسألة تحديد مدة الخليفة من عدمه فهي مسألة اجتهاد، والراجح عند الحزب أن مدة الخليفة غير مقيدة بوقت لأنها عقد خاص لا يقاس عليه عقد الوكالة وباقي العقود. وأما تهمة الاستبداد بالرأي فتنطلق من تصور علماني ليبرالي للحكم ولا علاقة لها بالإسلام، وذلك أن الفلسفة العلمانية تقوم على تعدد الحقيقة وعدم احتكارها، وهذا باطل من جهة مفهوم نسبية الحقيقة ومن جهة شرعية؛ فأما نسبية الحقيقة فتقضي باجتماع الضدين وهذا محال، وأما من ناحية شرعية فإن الإسلام يقر بالآراء الظنية ما دام قد توصل إليها الخليفة باجتهاد صحيح، وفي إطار طريقة الفهم التي تقيده بها الأمة. وليس للمسلمين سوى الطاعة؛ لأن الله قد أمرهم بطاعة أولي الأمر منهم. وما دام رأي الخليفة شرعيًا معبرًا عن عقيدة الأمة وإرادتها فلا يعتبر استبدادًا وإنما هو حق له بموجب البيعة على السمع والطاعة في المعروف، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
    وأما قول الباحث بأن مفهوم الخلافة عند النبهاني خالٍ من أية محاولة للاجتهاد ومواكبة العصر، وغياب أي أثر لمفهوم المواطنة وفصل مبدأ فصل السلطات! فإنه جناية على الحقيقة، إذ أن مقدمة الدستور عند الحزب تبرز مقدار الاجتهاد الذي جاء به وبخاصة في القوانين الناظمة للحياة الاقتصادية والمجتمعية والحكم. والأهم من ذلك أن الباحث لم يتبع منهجية سليمة في الحكم على اجتهاد الحزب في شؤون الحكم والحياة؛ لأنه أخضع أفكار الحزب لأدوات الفهم الحداثي كمبدأ فصل السلطات ومفهوم المواطنة!! وكان عليه أن يحاكم اجتهاد الحزب بأحكام الشرع وأدلته. فمفهوم المواطنة يعطي الحق للكافر بتولي منصب الحكم في الدولة الإسلامية ويسمح بزواج الكافر من المسلمة. وهذا مخالف للشرع الذي يقول {ولن يجعل الله للكافرين على المسلمين سبيلا}. وأما فصل السلطات الذي نظّر له مونتسكيو فلا علاقة له بالإسلام. لأن رعاية الشؤون محصورة بالخليفة كما أسلفنا بالأدلة الشرعية، فلا يحق لمجلس الأمة أن يسن القوانين والتشريعات، ووظيفته استشارية وليست إلزامية ما لم ترشد إلى عمل، أما الأمور التخصصية فيرجع الرأي فيها إلى أصحاب الاختصاص والمهنيين كالأمور العسكرية والعلمية وهي مُلزمة للخليفة، وأما ما يُرشد إلى حكم شرعي فيُرجع فيه إلى الدليل لا إلى مجلس الأمة ولا إلى الخليفة.
    وأما أن هذا كله يؤول إلى الاستبداد وحكم المتغلب فباطل ولا تصادق عليه ثقافة الحزب لأنه يتبنى قاعدتين أساسيتين في الحكم تحظران الظلم والاستبداد ومن دونهما لا يكون الحكم إسلاميًّا وهما قاعدة "السيادة للشرع لا للشعب ولا للخليفة" وقاعدة "السلطان للأمة" وهي من تختار حاكمها. وهذا بخلاف الحيل التي يتبعها حكام الأنظمة العلمانية الذين يخرجون من الباب ويعودون من الشباك كما فعل بوتين وأردوغان وغيرهم.
    أحد عشر: عاد الباحث وأكد في (ص 63) على اختزال الحزب للإسلام في بعده السياسي، وقد بينت خلطه بين صفته كحزب وعمله من كونه يشتغل بمهمة طابعها سياسي وليس وعظيًّا ولا تربويًّا ولا خيريًّا وبين واقع الإسلام وشموليته للجوانب العقدية والأخلاقية والروحية. ومع ذلك فإن الحزب لم يهملْ بناء الشخصية الإسلامية من خلال ربطه سلوك الأفراد والدولة والمجتمع بالعقيدة. ويرجع اهتمام الحزب بالجانب الفكري والسياسي لتعلقه بمهمته وعمله وبالنهضة التي يعرفها بأنها "الارتفاع الفكري" وليس الارتفاع الاقتصادي أو الأخلاقي، والدليل على ذلك من الواقع هو أن مجتمع المدينة المنورة وهو أعلى مجتمعات العالم خلقًا والتزامًا بالعبادات لكنه مجتمع غير ناهض، كما أن الإمارات والسعودية وهما من أغنى دول العالم لكنهما غير ناهضتين. وأما قول الباحث بأن الحزب ابتعد عن طريقة الرسول وأهمل جانب العبادات التي اهتم بها الرسول في مكة طيلة 13 سنة فهو فهم مغلوط لما قام به النبي في مكة. إذ أن الفترة المكية شهدت تركيزًا على العقيدة التي لا بد أن يقوم عليها الحكم والمجتمع أما الأحكام التفصيلية في العبادات والمعاملات فقد نزل أغلبها في المدينة بعد قيام الدولة. كما أن الحزب يفرق بين الدعوة إلى الإسلام وبين الدعوة إلى استئناف الحياة الإسلامية. فالحزب يدعو اليوم مسلمين لاستئناف الحياة الإسلامية ولا يدعو كفارًا ولهذا يهتم بالجانب المجتمعي لاتصالها بعمله دون أن يهمل الجوانب الفردية من عبادات وأخلاق. ذلك أن المجتمع يتكون من بشر وعلاقات تحكمها أفكار ومشاعر وأنظمة حياة وليس مجرد أفراد إذا صلح الفرد صلح به المجتمع؛ لأن إصلاح الفرد ينتهي بالفرد لا بالمجتمع وعلاقاته التي تتكون من الأفكار والمشاعر والنظام. وبالعودة إلى دعوة النبي صلى الله عليه وسلم في مكة نجده قد تعرض للعلاقات التي يقوم عليها المجتمع فهاجم تطفيف الكيل والميزان وتناول قادة المجتمع وحكامه كأبي لهب والوليد بن المغيرة وأمية بن خلف وغيرهم.
    إثني عشر: مرة أخرى في (ص 64) طعن الباحث في فهم الحزب لطلب النصرة بل وتناقض مع ما بسطه في نفس البحث، وقال إن الحزب خالف مفهومه للنصرة بأنها للحماية وليست لتسلم الحكم. مع أن الباحث أورد رأي الحزب في بحثه في هذا الشأن بأن النصرة عند الحزب تُطلب للحماية ولتسلم الحكم؟! وأكرر هنا بأن الباحث ينقل عن مصادر لم تكن نزيهة في عرضها لفكر الحزب ونقضه، وكان يجدر به أن يعود إلى كتب الحزب ونشراته المتوفرة في النت. كما كرر الباحث زعمه بأن الحزب يعتبر طريقته وحيدة. وقد فندت رأيه في بداية تعقيبي على البحث.
    والأخطر من ذلك أنه يفترض بأن أفعال النبي تصلح لزمانه ولا تتجاوزه بسبب المتغيرات، واعتبر أن الحزب لم يراعي التفريق بين ما هو ثابت وما هو متغير، والحقيقة أن حزب التحرير قد ميز بين ما هو ثابت وما هو متغير في السيرة عندما فرق بين الكيفية الدائمية في فعل الرسول وهو ما اصطلح عليه بالطريقة، وبين ما هو متغير واصطلح عليه بالوسائل والأساليب مسترشداً بدلالة الأحكام الشرعية وقرائنها التي تصرف الفعل للوجوب وتجعله ثابتًا، أو تصرف الفعل إلى المباح وتجعله متغيرًا وخاضعًا للواقع ونوع العمل. وقد أطلق الباحث لخياله العنان (ص 64) حينما افترض بأن الرسول صلى الله عليه وسلم "ما كان ليسلك بعض الأعمال لو كان الواقع يغنيه عنها" وكأن المنهج التشريعي يقوم على الفرضيات والتخيلات؟!!!.

    «إن مشقة الطاعة تذهب ويبقى ثوابها وإن لذة المعاصي تذهب ويبقى عقابها» ابن الجوزي

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jan 2010
    المشاركات
    973

    افتراضي

    ثلاثة عشر: ينتقد الباحث (ص 65) تفريق الحزب بين دار الإسلام ودار الكفر، ويعترف بأن وصف الدار بدار إسلام ودار كفر لا بد أن يُرجع فيه إلى الحاجة العملية "أكثر مما يتبع الدليل النقلي" ، وهنا لا بد أن نردّ إليه بضاعته حين اتهم الحزب بأنه يقفز عن الأحكام الشرعية، إذ أنه هو من يقفز عن الوصف الشرعي ويعدل عنه لحاجة واقعية لا ندري ما هي بالضبط إن لم تكن شرعنة للحكم بغير ما أنزل الله وتوطين المسلمين عليه؟!!.
    وقد زعم الباحث أن هذا الوصف (دار الإسلام ودار الكفر) هو اجتهاد موروث لا يتفق مع العصر! ودعا إلى استيراد المفاهيم الحداثية التي تقوم على القطع مع الإسلام وأدوات فهمه المنضبطة وتكييف الدين مع منتجات العقل وإفرازات الواقع. وأضاف أيضًا، أن هذا الوصف "يمنع المسلمين من التزام أحكام دينهم ويهدر مصالحهم". وهذا يدل على جهل الباحث بالدين فضلًا عن جهله برأي حزب التحرير؛ لأن هناك أحكامًا مقيدة بدار الإسلام ووجود الدولة كإقامة الحدود والعقوبات الشرعية وجهاد المبادأة وهناك أحكام مطلقة لا يقيدها وجود الدولة من عدمه كالعبادات وأحكام المعاملات وجهاد الدفع. وأما قوله بأن الحزب يعترف بأن المجتمعات اليوم هي مجتمعات مسلمة وأنه يتناقض مع وصفه لمجتمع مكة بأنه مجتمع كفر ويسقط السيرة على واقع اليوم فهو جهل من الباحث لمفهوم المجتمع والدولة، إذ أن المجتمع ليس مجرد أفراد كما أسلفت، وإنما هو أفراد بينهم علاقات تتكون من أفكار ومشاعر وأنظمة، والحزب يقر بأن الشعب مسلمٌ، لكن العلاقات ليست إسلامية، ولا أظن عاقلًا يقول بأنها تقوم على الإسلام. ومتى كانت أنظمة المجتمع غير إسلامية فلا تكون الدار دار إسلام حتى لو كان أهلها مسلمين.
    أربعة عشر: شنّع الباحث على موقف حزب التحرير من الديمقراطية معتبرًا أن الحزب لم يفهم الديمقراطية وأنه خلط بينها وبين العلمانية، ليضعها في موقع متصادم مع الإسلام، وأن الحزب قد تناول مفهوم الديمقراطية بعقلية مسكونة بنظرية المؤامرة. في الحقيقة أن الحزب في خطابه للناس يحرص على تبسيط الأفكار وأن يوصلها إلى الناس بلا تعقيد بمنطق الخطاب الجماهيري الذي يختلف عن مناقشة المتخصصين. ولذلك عندما ربط بين الديمقراطية والعلمانية فمن باب بناء الشيء على مقتضاه وليس خلطًا بين المفاهيم. ومن جهة أخرى لتجنب الخوض في الجانب الفلسفي للديمقراطية لما فيه من مصطلحات تستوجب التحرير والغرق في الجانب الأكاديمي الذي لا يعتني به جماهير البسطاء وربما لا يفهمونه. وذلك مثل مفهوم السيادة والإرادة والفلسفة الطبيعية والرواقية باعتبار أنها من الأسس الفلسفية في النظرة إلى الحياة والإنسان والمجتمع. والتي منها انطلق فلاسفة العقد الاجتماعي في تأصيل نظام الحكم الديمقراطي. ويمكننا في هذا الصدد أن نشرح المسألة بشكل تفصيلي دقيق وغير تقليدي وبغير أسلوب الخطاب الجماهيري. ولكن بما أنني بصدد التعليق على البحث أكتفي بتناول الديمقراطية من زاوية تناقضها الفعلي مع الإسلام من خلال التأكيد على أن اختلاف المركز بين الديمقراطية والإسلام، إذ أن المركز في الديمقراطية هو الشعب وحقه في الحكم على الأفعال والأشياء بالحسن والقبح وتقرير المصالح، بينما المركز في الإسلام هو الوحي ولا قيمة لرأي الأغلبية التي تعبر عن مركزية الشعب وسيادته في ممارسة الإرادة العامة وموقعها في الدولة والمجتمع الديمقراطي. وإن شئت ذهبنا إلى تفكيك مفهوم السيادة والإرادة والفلسفة التي انطلق منها فلاسفة العقد الاجتماعي وبيان تناقضها مع الإسلام في الفروع والأصول. ناهيك عن أن الباحث يجهل القواعد الشرعية التي تحكم التعامل مع المصطلحات الفكرية الوافدة كالديمقراطية التي لا يوجد لها حضور في معاجم اللغة العربية الأصيلة أو الموروث التشريعي الإسلامي. لكننا من باب النزاهة والموضوعية لم نرفضها لتسميتها الغربية بل لمدلولها الذي لا يقره الإسلام.
    وبالمختصر المفيد فإن الديمقراطية تقيد إرادة الله بإرادة العبد، وتحظر على الوحي التدخل في التشريع بموجب حرية الإرادة التي لا تقبل أي مرجعية مفارقة لحرية الإنسان والقانون الطبيعي والضمير والعقل. ويمكنكم قراءة كتاب "دين الفطرة" وكتاب "العقد الاجتماعي" لجان جاك روسو للوقوف على مفهوم حكم الشعب وسيادة الشعب وحرية الإرادة التي تدور حولها مباحث الديموقراطية والليبرالية.
    خمسة عشر: ختم الباحث بحثه بالتأكيد على تاريخانية الخلافة ونزعها من طابعها في الفقه السياسي الإسلامي لتبرير الفكر الوافد والعيش بمقتضى الواقع بدل العمل على تغييره ليوافق الشرع الذي أمر الله باتباعه : {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } النور/51 وفي الختام ؛ نرجو منكم حذف هذا البحث من مجلتكم لمخالفته المعايير العلمية والنزاهة والموضوعية. أو تنشروا على موقعكم هذا الرد على الباحث وتقبلوا الاحترام.
    «إن مشقة الطاعة تذهب ويبقى ثوابها وإن لذة المعاصي تذهب ويبقى عقابها» ابن الجوزي

+ الرد على الموضوع

تعليمات المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك