بسم الله الرحمن الرحيم

متابعة سياسية
هل سيستمر السيسي في حكم مصر

قبل ثلاثة أسابيع ظهر أول فيديو للفنان والمقاول محمد علي يهاجم فيه عبد الفتاح السيسي ويتهمه بالفساد المالي هو وزوجته وقيادات بالقوات المسلحة. ولم يكتف محمد علي بذلك، بل طالب السيسي بالتنحي عن الحكم والاعتذار للشعب عن فساده ونهب ثروات البلاد.
وأمام التجاوب الذي لقيه محمد علي مع فيديوهاته صعّد من لهجة انتقاداته وصار يدعو الشعب إلى الثورة على السيسي والنزول إلى الشوارع طالبًا من وزير الدفاع محمد زكي أن يقوم باعتقال عبدالفتاح السيسي؛ لوضع حد لسوء إدارة شؤون البلاد ونهب المال العام, وهدد في اليوم التالي لنزول الناس, بعواقب عدم قيام وزير الدفاع بالتخلص من السيسي, بل وأنه سينزل إلى مصر يوم الجمعة القادم, والتي طالب فيها الجماهير بالنزول بمليونية لإنهاء حكم السيسي.
ولعل السؤال الذي يطرح نفسه بعد انتشار فيديوهات محمد علي هو: من يقف وراء هذا الرجل حتى يستمد الجرأة في الهجوم على عبد الفتاح السيسي وقيادات من الجيش المصري؟
وقبل الجواب فإن السفاح عبد الفتاح السيسي الذي اختارته أميركا لإنهاء حكم الإخوان بعد أن لمست وجود شيء من التجاوب مع مطالبات شعبية بتحكيم الشريعة الإسلامية, قد قام بالدور المسند إليه بكل إخلاص لأسياده, ويبدو أن الغرور قد أصابه بعد أن نجح بالتخلص من الإخوان, فأغراه ذلك على ما يبدو بالتخلص من كثير من خصومه أو من يحتمل منافستهم له في الجيش والمخابرات العامة, فقد أقال العشرات من الضباط من المخابرات العامة وأقال رئيسها, بل وصفى بعض ضباط الجهاز, وهمش الجهاز في كثير من الملفات التي كانت من اختصاصاته التقليدية, وسلط عليه المخابرات الحربية التي يثق فيها باعتبارها جزءًا من القوات المسلحة وعمل على بسط نفوذها وسيطرتها على الشؤون الداخلية للبلاد, ولم يكن ما فعله في الجيش دون ذلك، فقد تخلص من مئات الضباط إما بإنهاء خدماتهم أو اعتقالهم، واعتقل رئيس أركان الجيش السابق (سامي عنان)، وكانت حصيلة ذلك كله أن تولدت نقمة عالية عليه من قبل كثير من ضباط القوات المسلحة وجهاز المخابرات.
ومع تميز السيسي بالبطش والقتل دون رحمة, فقد تميز بالفشل الذريع في معالجة أزمات مصر وبخاصة الاقتصادية منها, فازدادت في عهده معاناة الناس المعيشية, ولم يعد الناس يرون بصيص أمل في تخفيف معاناتهم رغم وعوده المتكررة لهم، وزاد الأمور سوءًا مقابلته لأي تذمر بالقبضة الأمنية وتكميم الأفواه.
ويبدو أن أميركا التي تراقب أوضاع مصر عن كثب, باتت تلاحظ غليان الشارع, والنقمة المتصاعدة على حكم السيسي، والذي بات الناس يتندرون على جهله وسفاهته, ومع انتهاء مهمته بالبطش بالإخوان وشيطنتهم، وإبعاد الناس وتنفيرهم عن المطالبة بتحكيم الشريعة الإسلامية, بات التخلص منه واستبدال حاكم جديد به، يسكت الشارع, ويعيد الاستقرار للبلاد, ويشعر الناس أن حاكمهم جاء من بينهم وباختيارهم هو البديل المناسب للوضع المتأزم في مصر قبل انفلات الأوضاع وخروجها عن السيطرة مما قد يربك خطط أميركا ومشاريعها في المنطقة.
ولذلك فإن المقاول والفنان المغمور محمد علي لم يكن ليتجرأ على ما أقدم على تسجيله من فيديوهات تفضح السيسي وكبار ضباطه, لولا أنه وجد قوى تسنده, وتقف وراءه؛ لتبرزه إعلاميًّا وتمده بالمعلومات والوثائق الكافية؛ ليستطيع إثارة جماهير الناس وإخراجهم للشارع, مما يبرر لبعض قادة القوات المسلحة مدعومين بجهاز المخابرات العامة القيام بانقلاب على حكم السيسي.
وأنه مما يؤكد تهيئة ضباط من المخابرات العامة, وضباط من القوات المسلحة للانقلاب على السيسي وإنهاء حكمه هو أن مصدر الوثائق التي تفضح فساد السيسي وعصابته جاءت من المخابرات العامة والتي تمتلك _كما تسرب_ حتى فضائح جنسية للسيسي مع زوجات بعض كبار الضباط والفنانات، ثم قيام رئيس أركان الجيش المصري السابق (سامي عنان) بإطلاق تغريدة يوم 18 من الشهر الجاري من سجنه مستخدمًا هاشتاغ محمد علي (كفاية بقى يا سيسي) حيث قال في تغريدته: "الأيام القادمة ستؤكد أن ثقة الشعب بجيشه كانت في محلها. وبشر الصابرين".
أما أهم المؤشرات قد يستفاد منها أن أمرًا ما يعد لمصر من قبل أميركا فهي ما يلي:
أولًا: إن الفيديوهات التي أطلقها الفنان والمقاول محمد علي ما كان لها أن تخرج وتستمر من إسبانيا لولا وجود ضوء أخضر من أميركا.
فالحكومة الإسبانية بأمر من أميركا هي التي توفر الحماية الكاملة لمحمد علي للاستمرار في نشر فيديوهات فساد السيسي، وإضعاف مركزه داخل القوات المسلحة والأجهزة الأمنية للدولة.
ثانيًا: قيام قناة الجزيرة والتي تشاهد من قبل عشرات الملايين بالحرص على نشر فيديوهات المقاول والفنان المغمور محمد علي, ومن المعروف أن قناة الجزيرة كانت هي الراعي الأساسي إعلاميًّا لما يسمى بثورات الربيع العربي.
ثالثًا: إن أهم ما طمأن جماهير الناس, وهو ما سيشكل حافزًا قويًّا للنزول إلى الشوارع وبخاصة يوم الجمعة القادم, هو التعامل الناعم من قبل الجيش وقوات الأمن مع المتظاهرين يوم الجمعة الماضي, وهو ما سيكسر حاجز الخوف لمن ترددوا بالنزول سابقًا, ويشير إلى تعليمات داخل قوات الأمن والقوات المسلحة, على غير ما هو معهود من تعليمات السيسي, مما يؤكد ازدياد ضعف نفوذه وسيطرته على قوى الأمن والجيش.
رابعًا: تأييد بعض الأحزاب المصرية رسميًّا للنزول للشارع, وارتفاع التأييد لذلك بين المفكرين والإعلاميين, وملاحظة أعمال النشر الواسعة لفضائح السيسي عبر وسائل التواصل الاجتماعي التي لا يستطيع القيام بها أفراد, بل فرق متخصصة.
خامسًا: مطالبة منظمة هيومن رايس ووتش يوم 21/9/2019 السلطات المصرية بضمان الحق في الاحتجاج السلمي محذرة لها من أية خطوات تكرر فيها الفظائع السابقة.
سادسًا: أن اختيار محمد علي لم يكن اعتباطيًّا فالرجل خرج من داخل النظام وأحد أدواته في الوسط الفني ووسط رجال المال والأعمال. وهذا الاختيار مهم جدًا بالنسبة لأميركا في أية عملية تغيير قادمة، بعد أن تم استبعاد جماعة (الإخوان المسلمون) والتيار الإسلامي من تولي مباشر وإطلاق شرارة التغيير هذه المرة.
ولذلك ليس غريبًا أن تكون الدعوة التي أطلقها محمد علي للناس بالخروج في المساء انطلاقًا من ملعب الكرة وليس من المساجد بعد صلاة الجمعة كما جرت العادة قبل ذلك. والمراد بهذه الرمزية هو إبعاد صفة (الإسلام) من هذه التحركات الشعبية وإلصاق صفة "المدنية-العلمانية" بها.
سابعًا: قبل أشهر قليلة صرحت، آن باتيرسون، سفيرة أميركا السابقة في مصر بين حزيران/يونيو 2011 وآب/أغسطس 2013 أن "الجيش المصري هو من تخلص من مبارك، وهو من تخلص من مرسي. وإذا كان هناك من جهة سوف تتخلص من السيسي فستكون الجيش المصري".
وقد ذكرت باتيرسون هذا الكلام يوم 14 شباط/فبراير 2019 خلال مشاركتها في حلقة نقاشية نظمها مركز التقدم الأميركي في واشنطن بعنوان "الانتفاضات العربية بعد 8 سنوات.. الدروس المستفادة لسياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط".
ورغم أنه لم يصدر إلى حد الآن موقف رسمي من قبل أميركا أو الحكومات الغربية على ما أصدره محمد علي من فيديوهات أو مما يجري من تحركات شعبية في الميادين، لكن الصمت الغربي لا يجب أن يفهم على أنه تأييد لبقاء السيسي في الحكم مثلما صرح دونالد ترامب في لقائه بالسيسي، الشهر الماضي في بياريتز بفرنسا قائلًا: "أين دكتاتوري المفضل".
وعليه فإنه من المتوقع أن بقاء السيسي في حكم مصر اقترب من نهايته, ولكن المؤسف أن التضليل السياسي للأمة ما يزال سلاح أعدائنا الأقوى ضد أمتنا, فهو ما يزال يتلاعب بأمتنا كيف يشاء, فهو يمثل دور المنقذ لها بواسطة أدواته, وتنتقل بذلك من يد طاغية عميل للغرب الكافر إلى يد أخرى في مسرحية متكررة تستغفل وتضلل من خلالها الأمة.
فمتى تستيقظ أمتنا لتخلص نفسها من سيطرة أميركا والغرب الكافرين, وتأخذ زمام أمرها بيدها, مستعيدة سلطانها, ولتستعيد كرامتها ومجدها حاملة راية التوحيد لتهزم الكفر وأذنابه, وتضيء العالم من جديد بنور الإسلام، وتبدد ظلام الكفر والاستعباد.

23/محرم/1441هـ
22/9/2019م