بسم الله الرحمن الرحيم
جواب سؤال
الأخ الكريم..
اجابة هذا السؤال المفصلي لفهم السياسة الدوليه اجابه وافيه فكل الشكر للأخ المجيب وجزاك الله خيرا، لكن القول ان التناقض الظاهر في السياسه بين الخارجيه و المخابرات الأميركيه من جهه وبين البيت الأبيض (ترمب) هو تناقض مقصود ليس صحيحا.
لا شك أن البيت الأبيض وكل رئيس أميركي ياتي لهذا البيت فانه يتبع السياسات المعتمده من المؤسسه الأميركيه لكن للرئيس صلاحيات واسعة ومؤثرة في تنفيذ هذه السياسات المعتمده. فالتباينات بين الرئيس والموسسه كانت غالبا موجوده فمثلا الاتفاق النووي مع إيران بواسطة أوباما كان بخلاف مع الجهات التي هي الان بخلاف مع ترمب بسبب الغاء الاتفاق النووي.
وكذلك الخلافات التي ظهرت بقضية خاشقجي وحصار قطر وإلغاء اتفاقيات المناخ والتجاره وقضية عزل ترمب وتعاونه مع الروس وما تبع ذلك من عمليات عزل واستقالات في عهد الترمب للوزراء وكبار الموظفين. فإن كل ذلك ناتج عن اختلافات ضمن قواعد اللعبه التي تحكم السياسه الأميركيه وليست مقصوده ولكنها قد تكون نافعه بنتيجتها.
ونقطه أخرى عن سياسة الهيمنه. فإن حجم مشاكل الاقتصاد الأميركي والازمات والتطورات الحديثه العالميه تشكل تحدي قوى لهذا السياسه وتبدو الان بحالة انحدار. فمثلا الصين وروسيا وايران وتركيا وغيرهم استبعدو الدولار من تعاملاتهم وبدأت تتشكل كتل كبيره بعيدا عن الهيمنه الأميركيه.

الأخ المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
وبعد
لا بد من الاتفاق أولًا، أن الفهم السياسي للوقائع الدولية والأحداث الجارية يصدر بغلبة الظن الراجح إذا تعذر الوصول إليه بطريق اليقين. فالأمر هنا لا يتعلق ببحث مسألة قانونية في المحاكم بل ببحث مسألة سياسية تقوم على إخفاء النوايا والغايات الحقيقية مصحوبة بتصريحات مضلِلة وأعمال فيها كثير من المراوغة.
ولا بد ثانيًا من الاتفاق، أن النظام الرأسمالي الحاكم في أميركا (أو في غيرها من الدول الغربية) يتحكم فيه أصحاب رؤوس الأموال وما عندهم من نظرة إلى المنفعة التي يتم تقديمها إلى الرأي العام على أنها تمثل المصالح العليا للبلاد (حكومة وشعبًا). وكل ذلك من أجل أن تجد مخططات القوة الرأسمالية الحاكمة في الدولة قبولًا ودعمًا من الجمهور في الداخل وتبريرًا في التنفيذ بالخارج عبر تغليفها بقيم "الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان والمساعدات الإنسانية".
وبناءً على ما تقدم فإن ظهور خلاف أو نزاع بين الرئيس الأميركي وبعض أجهزة الدولة الأخرى مثل جهاز المخابرات هو أمر ثابت في تاريخ الحكومات الأميركية، لكنه لا يعكس تناقضًا جوهريًّا على مستوى وضع السياسات وتحديد المصالح الكبرى للدولة وحدود الأمن القومي الأميركي. وسبب ذلك أن القوة الرأسمالية الحاكمة هي الجهة الوحيدة المخولة بوضع السياسات وتحديد النظرة إلى المصالح العليا.
ومن ثم فإن الخلاف الذي يطرأ بين الرئيس الأميركي وبعض أجهزة الدولة لا يتجاوز حدود الوسائل والأساليب في تنفيذ ما وصل إليه صناع القرار من رؤى ومخططات متعلقة بمضمون السياسات العليا للدولة ومصالحها الإستراتيجية.
وبما أن التناقض لا يوجد بين البيت الأبيض وجهاز المخابرات على صعيد السياسات العليا والمصالح الكبرى، فإن التناقض المبحوث فيه هنا هو على مستوى الصلاحيات وأساليب التنفيذ وتوقيت القرارات، هذا هو بيت القصيد ومحل البحث.
ومن خلال تتبع تصريحات ترمب نفسها فيما يتعلق بعدة ملفات مثل الوجود الأميركي في شمال شرق سوريا والعلاقة مع تركيا وروسيا والحصار على قطر ومقتل جمال خاشقجي والحرب الأخيرة الجارية في ليبيا والحرب التجارية مع الصين وحتى الملف النووي الإيراني وغيرها من الملفات، لا يلاحظ فقط بشكل دقيق مقدار التناقض بين تصريحات الرئيس ومواقفه وبين جهاز المخابرات، بل يُلاحظ أيضًا مقدار التناقض في تصريحات ترمب نفسه.
وهذا من أكبر العلامات الدالة على أن التناقض الظاهر في التصريحات وأعمال الحكومة الأميركية في مجملها هو أمر مصطنع يُراد به إيجاد سحابة سوداء تحول دون فهم حقيقة السياسات الأميركية وغاياتها البعيدة.
أما الملفات التي يلوح بها جهاز المخابرات الأميركية ومكتب التحقيقات الفدرالي ضد ترمب؛ مثل فضائحه الجنسية وعلاقته الشخصية بروسيا ودور هذه الأخيرة في الانتخابات الأميركية فهي مجرد وسائل لتثبيت فكرة الصراع أو التناقض بين الرئيس وبعض أجهزة الدولة من أجل إعطاء فكرة التناقض مصداقية في نظر الدول الأخرى وعند الرأي العام الداخلي والدولي.
وإنه لو كانت هذه الأجهزة "المناوئة" للرئيس ترمب جادة في مناقضتها وصراعها معه لـ"تخلصت" منه سريعًا عبر الكونغرس أو عبر قوة السلطة الرابعة في أميركا كما حصل مع غيره من الرؤساء السابقين. وفي حالة عدم تمكن رؤساء الأموال الحاكمين في أميركا من إقالة الرئيس بالطرق القانونية فإنهم لن يتأخروا عن إزاحته بالقتل والاغتيال كما فعلوا مع جون كنيدي.
فهذا الأخير تم قتله على يد جهاز المخابرات الأميركية بأمر من حكام أميركا الفعليين بسبب مواقفه التي رأوا فيها تهديدًا لمصالهحم التي يعتبرونها "مصالح عليا" لأميركا نفسها، وذلك مثل معارضة كنيدي لحرب فيتنام ورفضه لتحكم البنك الفدرالي بالدولار وارتهان الحكومة الأميركية إليه، وأخيرًا دعمه لمسألة الحقوق المدنية للسود الأميركيين.
أما الادعاء بأن الهيمنة الأميركية على العالم في "حالة انحدار" بسبب استعمال تركيا وروسيا والصين عملاتهم المحلية في التبادل التجاري فهذا الأمر فيه مبالغة كبيرة وهو وصف غير دقيق. فهيمنة الدولار على التجارة الدولية والتحويلات المالية ما زالت مستمرة؛ لأن العملات القوية مثل اليورو واليوان ما زالت بعيدة عن أن تكون رصيدًا أوليًا في الاحتياطات النقدية للبنوك المركزية أو تكون معيارًا في تقدير السلع دوليًا وإجراء التحويلات البنكية عالميًا.
ويكفي أن نعرف أن الصين نفسها تملك أكبر احتياط نقدي من الدولار في العالم يتجاوز 3 ترليون دولار لندرك مدى خضوعها لهيمنة الدولار رغم كل المحاولات التي تقوم بها هي وروسيا وتركيا للخروج من قبضته. ورغم أن ديون أميركا العامة بلغت حدًا قياسيًا تجاوز حاجز 22 تريليون دولار فإن دول العالم لا تزال تخشى نظام العقوبات الأميركية المنفردة ونرى البنوك والشركات في العالم تنآى بنفسها عن دول تعرضت لعقوبات أميركية مثل إيران وكوريا الشمالية وفنزويلا.
فعندما قررت أميركا إلغاء الاتفاق النووي مع إيران واستئناف العقوبات عليها رأينا حالة الذعر التي أصابت حلفاء أميركا في أوروبا بسبب أن دولًا مثل ألمانيا وفرنسا وإيطاليا تنظر إلى إيران باعتبارها مصدرًا لتجارة جديدة بعد الاتفاق النووي الذي قام به باراك أوباما. وبعد أن انتهت أوروبا من صراخها ضد قرار ترمب بإلغاء الاتفاق لم تجد بُدًا من الانصياع للعقوبات؛ لأن بنوكها لا تستطيع تحمل انقطاعها عن النظام المالي العالمي الذي يهمين عليه الدولار.
وإنه كان يكفي لترمب أن يكتب تغريدة يُهدِّد فيها الليرة التركية حتى تهوي قيمتها السوقية مع الدولار مع أن هذا الهبوط لا يعكس حقيقة الاقتصاد التركي القائم على وفرة وتعدد مصادر الإنتاج وعلى كثرة الصادرات. صحيح أن هناك محاولات جادة في تركيا للخروج من قبضة الدولار مثل القرار الأخير الذي اتخذه الرئيس أردوغان بعزل محافظ البنك المركزي الذي رفض خفض سعر الفائدة بدعوى التصدي لارتفاع معدل التضخم، لكن هذا القرار وغيره لن يؤتي أكله إلا على المستوى البعيد وفي ظل دعم مؤسساتي ووعي شعبي بأهميته، لأنه مليء بالمخاطر على العملة والاستثمار على المدى القريب والمتوسط رغم ضرورته للاستقلال الاقتصادي والنقدي.
إن الدولار لا يزال هو العملة العالمية المهيمنة على الاقتصاد العالمي بتجارته وتحويلاته البنكية, واحتياطيات بنوكه المركزية, ولم يصل الدولار إلى تلك المكانة إلا بعد اتفاقية بريتون وودز 1944م التي كانت أكبر خديعة في التاريخ لمختلف دول العالم استغلت فيها أميركا انتصارها في الحرب العالمية لتدعي امتلاكها علاج مشكلة عدم ثبات أسعار الصرف بين العملات في العالم, وتم فعلًا إنشاء صندوق النقد الدولي لغاية معالجة مشكلة أسعار الصرف بين مختلف العملات, وكانت أميركا قد ثبتت سعر أونصة الذهب من خلال الصندوق (31,1غرام ب36دولار), وأعلنت أنها تدعم دولارها بضعف قيمته من الذهب, وقامت بالفعل بفتح خزائنها لاستبدال الذهب بدولارها.
ونتيجة الثقة بالاقتصاد الأميركي ودولته الكبرى والغنية والتي هاجرت إليها رساميل عالمية ضخمة إثر الحرب باعتبارها منطقة آمنة, وشيوع مقولة ان الدولار كالذهب بين رجال الأعمال, أخذ الدولار نتيجة ذلك كله يحل محل الذهب تدريجيًا لاعتبارات منها سهولة نقله, حتى قامت أميركا نتيجة الطلب العالي عليه بتخفيض دعمه الى 100% بدل 200% , وما أن حلت بداية سبعينيات القرن الماضي حتى أصبحت الكتلة الدولارية تشكل نسبة 80% من السيولة النقدية الدولية, وحينذاك أصدر الرئيس الأميركي نيكسون قراره الشهير بإيقاف استبدال الذهب بالدولار, وفك ارتباطه به؛ ليصبح الذهب رسميًا مجرد سلعة وليس أساسًا للنقد العالمي, وأصبح أمام الدولة التي تريد التخلص من الدولار إما الإفلاس, أو العزلة الاقتصادية مع معظم دول العالم التي يمثل الدولار الاحتياطي الأكبر لعملتها المحلية, وتبني تعاملاتها التجارية وتحويلاتها بالدولار الأميركي.
لقد ذهب بعضهم إلى التصور أن هيمنة الدولار سوف تنتهي مع بداية أزمة عام 2008 لكن الذي حصل هو عكس تلك التوقعات بسب خوف البنوك العالمية من عدم قدرتها على توفير ما يكفي من الدولارات للتعامل مع الديون القائمة على الدولار. فما كان من مجلس الاحتياط الفدرالي (البنك المركزي الأميركي الذي لا يخضع لسلطة الحكومة الأميركية) سوى أن قام بضخ كميات ضخمة من الدولارات؛ وهكذا تم حل مشكلة قلة السيولة الدولارية بطبع أوراق دولار لا تملك قيمتها الا من إصدار اميركا المهيمنة لها وثقة الناس بها.
ورغم أن إصدار أوراق الدولار بهذا الشكل يعتبر أكبر عملية سرقة في التاريخ الإنساني لجهود الناس وثرواتهم، ورغم أزمة عام 2008 إلا أن حصة البنوك المركزية في العالم من الدولار ما زالت ثابتة وانخفضت فقط من 63% إلى 62%، في حين أن الاحتياط باليورو انخفض من 27% إلى 20%، أما اليوان الصيني فلا يمثل سوى 2% من الاحتياطيات؛ وهذا حسب تقارير صندوق النقد الدولي لعام 2018.
ويكفي أن نختم بالإشارة إلى مدى ضعف أكبر عملة عالمية منافسة للدولار وهي اليورو على لسان رئيس المفوضية الأوروبية، جان كلود يونكر، في خطاب له يوم 12/9/2018 حول حالة الاتحاد أمام البرلمان الأوروبي في ستراسبورغ (شرق فرنسا) دعا فيه أوروبا للدفاع عن النظام الدولي في مواجهة "حروب التجارة والعملة"، منتقدًا بشكل واضح سياسة الرئيس الأميركي دونالد ترمب "أميركا أولًا". وقال يونكر "يجب أن نصبح لاعبًا دوليًا أكبر"، مضيفًا "نعم نحن ندفع أموالًا في العالم لكن يجب أن نصبح لاعبين دوليين".
ونوّه يونكر إلى أن الاتحاد الأوروبي عليه أن يبذل المزيد لدفع اليورو حتى يكون عملة عالمية، متسائلًا لماذا تدفع أوروبا 80% من فاتورتها للطاقة بالدولار في وقت تأتي بـ 2 % فقط من واردات الطاقة من الولايات المتحدة؟! كما أشار يونكر إلى أن تعزيز دور اليورو كعملة احتياط نقدي سيعزز من قوة التكتل الدبلوماسية عبر خلق وسائل لتجاوز العقوبات الأميركية التي تختلف معها بروكسل، مثل تلك العقوبات التي فرضتها واشنطن على طهران بعد انسحاب ترمب من الاتفاق النووي مع إيران في أيار/مايو 2018 في ظل معارضة أوروبية.

15/ذي القعدة/1440هـ
18/7/2019م