بسم الله الرحمن الرحيم
التعليق السياسي
محاولة الانقلاب في تركيا
تعرضت تركيا ليل 15 تموز/ يوليو، إلى محاولة انقلابية فاشلة استمرت لمدة ساعات معدودة. وكان واضحًا منذ البداية أن هذه الحركة الإنقلابية لم تكن تحظى بدعم من هيئة رئاسة الأركان ولا من قطاعات الجيش بشكل عام. فقد قام قادة الإنقلاب الذين كان معظمهم من متوسطي الضباط باحتجاز رئيس الأركان خلوصي أكار وحاولوا إجباره على تبني الإنقلاب عبر قراءة بيانهم الإنقلابي لكنه رفض. كما أن سيطرة الانقلابيين على مؤسسات الدولة والمناطق الحساسة وبخاصة في أنقرة واسطنبول كانت بطيئة جدًا وغير كافية لوضع مفاصل الدولة تحت سيطرتهم.
والانقلابيون لم يشلوا حركة الوسط السياسي فضلًا عن قيادات الجيش المؤثرة، بل كان الرئيس أردوغان الذي يحظى وحزبه بشعبية واسعة حرًا طليقًا، هو ورئيس وزرائه بن علي يلدريم ووزير داخليته ورئيس البرلمان إسماعيل قهرمان وغيرهم من الوزراء، وكانوا جميعًا على صلة بوسائل الاعلام ومواقع التواصل الاجتماعي.
وعليه فالانقلاب الذي لم يكن يملك القوى الكافية لبسط سيطرة حقيقية على مفاصل الدولة، وبخاصة الأجهزة التي تمثل القوى المادية كالجيش على وجه الخصوص، وترك الوسط السياسي طليقًا وقادرًا على الحركة، فضلًا عن عدم تهيئة الرأي العام لاحتضان الإنقلابيين, إن مثل هذا الانقلاب ليس محكومًا عليه بالفشل فحسب بل إن الفشل جرى التخطيط له.
وحتى يتم إدراك واقع الإنقلاب بصورة أوضح كان لا بد من فهم الظروف التي سبقت الحدث الإنقلابي، وما هي الأهداف التي يراد تحقيقها من التخطيط لحصول الانقلاب الذي يحمل بذور فشله؟
لقد سبق حصول الإنقلاب وخلال فترة شهر تقريبًا، بعض التصرفات والتنازلات اللافتة للنظر من قبل الرئيس أردوغان، ومن ذلك اعتذاره عن إسقاط الطائرة الروسية، واتفاقه مع كيان "يهود" على إنهاء القضايا العالقة وإعادة تطبيع العلاقات معه، والحديث عن إمكانية إعادة العلاقات مع النظام السوري، وما قد يترتب على ذلك تلقائيًا من انعكاسات على نشأة كيان كردي في شمال سوريا، بداعي الاحترام لسيادة النظام وترك السوريين يختارون ما يناسبهم من حلول.
كما بثت مواقع التواصل الاجتماعي صورًا له ولزوجته المحجبة على مائدة الإفطار في رمضان والتي دعا إليها بعضَ المتحولين جنسيًا وعددًا من الفنانين ليثبت تمسكه بالعلمانية؛ أي فصل الدين عن الدولة، حتى ولو جرَّ عليه ذلك تلويث سمعته عند المتدينين.
كما جاءت المحاولة الإنقلابية قبل توقيت مهم وهو اجتماع مجلس الشورى العسكري الأعلى، وما سيتخذه من قرارات تتعلق بخصوص الكيان الموازي في الجيش. فقد كان مجلس الشورى العسكري الأعلى يعتزم عزل وإحالة ما بين 300-400 ضابط محسوبين على تنظيم فتح الله غولن، على التقاعد.
ومن المعلوم أن الجيش التركي؛ حامي العلمانية دستوريًا، قد شهدت قياداته إقالات ومحاكمات في عهد أردوغان ساهمت في إضعاف إمكانيات تدخله في تصرفات الدولة أو ما يعبر عنه بالحياة المدنية، وهو ما ينسجم مع المساعي الأميركية بإنهاء دور الجيش التركي من التدخل في الحياة المدنية، وإبراز دور الشعوب في الحياة السياسية حسب مشروع الشرق الأوسط الكبير.
وعليه فإنه في ظل هذه الظروف التي تم فيها رضوخ أردوغان لتنازلات سياسية وتأكيد مساره العلماني، كان لا بد من تركيز قبضته على الجيش، وتوسيع شعبيته، وإزالة أية عوائق تحول دون قدرته على تنفيذ ما تطلبه الإدارة الأميركية منه، ومن تلك العوائق إعادة هيكلة الجيش التركي لإنهاء إمكانية تدخله في الحياة المدنية كما أسلفنا، وتخفيض تعداده لتلبية متطلبات انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي حيث تدفع أميركا تركيا دفعًا للانضمام إليه لتحقيق غايتها من زيادة السيطرة عليه والتحكم في مستقبله.
أما الأداة التي استعملت بشكل أساسي وقودًا للحدث فهي جماعة فتح الله غولن، الذي يمثل خصمًا سياسيًا وندًا لأردوغان والذي تحتضنه الإدارة الأميركية في منفاه الاختياري في بنسلفانيا في الولايات المتحدة الأميركية.
ويبدو أن الضباط الانقلابيين والموالين في معظمهم لفتح الله غولن قد تم التغرير بهم بضرورة القيام بحركتهم الاستباقية قبل إنهاء خدمتهم من قبل مجلس الشورى العسكري، فضلًا عن الإغراء بمناصب حال نجاح الإنقلاب.
ومن الجدير بالذكر أن جماعة فتح الله غولن التي طالت الاعتقالات عددًا كبيرًا من أعضائها وأنصارها بعد الإنقلاب، وهي ما كان يطلق عليها الكيان الموازي، كان لا يزال لهم وجود في بعض قطاعات الجيش بعد أن نجح حزب العدالة والتنمية في إضعاف وجودهم في جهازي الشرطة والقضاء وحتى في أهم وسائل الإعلام. ولم يبق لهذه الجماعة من وجود إلا في بعض مؤسسات الجيش وبخاصة في سلاح الجو الذي مثل الأداة الفعلية في القيام بهذه المحاولة الإنقلابية بعد أن قام بقصف جوي لمقرات قوات الدرك الوطني والبرلمان في أنقرة ومقر قوات مكافحة الشغب في اسطنبول، بالإضافة إلى بعض الموالين في الجيش الأول والجندرمة وهو ما مكنهم من إنزال بعض الدبابات على جسري البوسفور وفي مطار أتاتورك وميدان تقسيم ومنطقة الأمنيات في فاتح ومقر التلفزيون الرسمي حيث أجبرت المذيعة على قراءة بيان الإنقلاب.
والآن وبعد أن ظهر فشل الإنقلاب فإن المؤسسة العسكرية بخاصة مقبلة على عملية تطهير واسعة ولم يسبق لها مثيل ستطال كل العناصر الموالية للكيان الموازي إضافة إلى غيرهم ممن لا يراد بقاؤهم فيها وبخاصة من الرتب العالية ، وقد صرَّح رجب طيب أردوغان نفسه في مطار اسطنبول بعد ساعات من حصول الانقلاب قائلًا: "هذا التمرد سيؤدي إلى تنظيف الجيش التركي". ومنذ الليلة الأولى للإنقلاب وعمليات الإعتقال في صفوف الجيش قد طالت الآلاف حتى الآن، وذكر أن منهم ما يقارب النصف لا علاقة لهم بالمحاولة الانقلابية من بينهم مجموعة من الجنرالات. كما طالت الاعتقالات أكثر من ألفين من جهاز القضاء والادعاء العام استكمالًا لما سبق أن جرى من حملات اعتقال داخل هذا الجهاز.
وخلاصة القول إن أردوغان سيخرج أقوى بعد هذا الإنقلاب الذي حمل بذور فشله، وستتعزز قبضته على مقاليد السلطة وقد يجري توسيع صلاحياته إذا صوت البرلمان التركي على تحويل الجمهورية إلى النظام الرئاسي، وسيكون بمقدوره بعد تصفية خصومه وإبعاد خطر ما تبقى من الرموز الأساسية في المؤسسة العسكرية، والذين جرى اعتقال بعضهم بعد الإنقلاب أن يتحرك بشكل أكثر فاعلية محليًا وإقليميًا ودوليًا بما يخدم تنفيذ مخططات ومشاريع أميركا التي عادت طائراتها للإنطلاق من القواعد التركية في ديار بكر وإنجرليك وغيرها بعد يوم واحد من إعلان فشل الإنقلاب.
أيها المسلمون..
إن دولة بحجم تركيا، يظهر فيها كل هذا التأييد لحاكم لمجرد إطلاقه لشعارات إسلامية وإبرازه لبعض المظاهر الدينية، وهو يدرك أن الأمة الإسلامية يمكن أن تلتف حوله وتشكل سندًا قويًا له إن قام بتطبيق شرع الله، ومع ذلك يظهر تمسكه بالعلمانية إنما هو حاكم ما زال على نهج غيره من الحكام الذين يبعدون دور الأمة والاستناد إليها وهي تبدي استجابتها عمليًا ومن دون أي تحفظ لكل ما يمت لدينها بصلة، وتبدي استعدادها للتضحية من أجله بالمهج والأرواح.
أيها المسلمون..
لقد تم استغلال الانقلاب للترويج بشكل واسع إعلاميًا لشكل الحكم العلماني الديموقراطي ودوره الإيجابي في حياة الشعوب، حيث تم تصوير اصطفاف أحزاب المعارضة السياسية مع بقاء أردوغان ورفضها للإنقلاب عليه باعتباره حاكمًا منتخبًا من قبل الشعب، رغم أن معظم قيادات تلك الأحزاب غير نظيفة أصلًا لولائها لأميركا والغرب الكافرين وللفكر الغربي العفن، وتم اعتبار ذلك انتصارًا من الشعب التركي للنظام العلماني الديموقراطي، رغم أن من نزلوا إلى الشوارع ومن انتخبوا أردوغان أصلًا إنما انتخبوه لاتصال خطه بالإسلام بإظهاره لبعض الشعارات الإسلامية، وإبراز بعض معالم التدين مع المحافظة على علمانية النظام.
لقد آن لأردوغان وغيره من حكام بلاد المسلمين أن يتنحوا جانبًا قبل أن يأتي اليوم الذي تنحيهم فيه الأمة، وبخاصة بعد أن رأوا بأم أعينهم كيف داست أميركا على خدمات أقرانهم منذ عهد قريب ورمتهم إلى مزابل التاريخ بعد أن استنفدت حاجتها لخدماتهم وبخاصة في إرضاخ الأمة وإذلالها وكسر شهامات رجالها وإبعادها عن مكامن عزتها. أو أن يتخذوا قرارًا حاسمًا وجريئًا في ترك الولاء لأميركا وللغرب الكافرين والاستناد إلى قوى الأمة والانحياز لها .
أيها المسلمون في تركيا..
إننا نحذركم من الوقوع في التضليل، فتوقع بكم أميركا وأذنابها في هاوية الانقسام العرقي والطائفي، ونذكركم أن ما ينجيكم من مشاريع أميركا التي تستهدف إضعاف الأمة إنما هو التمسك بالعمل لتطبيق الإسلام والضغط على أردوغان وغيره للرضوخ لإرادتكم.
ولا يغرنكم ما يظهره أردوغان من عدم الولاء لأميركا، فهو من ترك أهل سوريا المسلمين يُقتلون بالجملة وقبل التدخل الروسي بسنوات دون أن يعمل على إنقاذهم رغم قدرته على منع ذلك، وهو من فتح الحدود على مصراعيها لإدخال شباب الأمة الممتلئين حماسًا لخدمة إسلامهم والتضحية من أجله لأرض الخلافة المزيفة للقضاء عليهم، وهو من أعاد فتح مطاراته العسكرية لتنطلق منها طائرات أميركا لضرب المسلمين في سوريا، وهو من أعاد تطبيع علاقاته مع يهود، وهو ما يمكن أن يعيد علاقاته مع النظام السوري ويترك أميركا تقسم سوريا بدعوى عدم التدخل في شؤون البلدان الأخرى مما سيجر لتقسيم تركيا لا قدر الله وهو ما عملت وتعمل له في بلدان المنطقة الإسلامية.
أيها المسلمون..
أيها الضباط وكل من له تأثير في هذه الأمة..
لقد شاهدتم بأم أعينكم وبشكل أكثر وضوحًا من أي وقت مضى عداء أميركا والغرب الكافرين لكم ولإسلامكم الذي عمدوا إلى تشويهه بمختلف السبل لتنفيركم منه لإدراكهم أنه مكمن قوتكم وعزتكم. فقد أوقعت الفتنة والعداوة بين أبنائكم، وخططت ونفذت وما تزال تنفذ أهداف مشروعها القذر (الشرق الأوسط الكبير) الذي أبصرتم تفاصيله، حيث جرى ويجري تدمير قدرات الأمة وتفكيك بلدانها المقسمة أصلًا على أسس مذهبية وعرقية وتدمير جيوشها وقتل أبنائها بعشرات الآلاف في كل عام، وهي تدعم كل ذلك بالمال والسلاح مباشرة أو عن طريق أدواتها من حكام المنطقة وأذنابهم.
فهلا أقبلتم على ربكم، وحزمتم أمركم؛ لتنهوا هذه المهازل التي عاشتها وتعيشها الأمة بعملكم مع المخلصين لتحكيم شرع الله، وإنقاذ أنفسكم من إذلال أعدائكم، ومن نار جهنم لتقصيركم بتطبيق شرع ربكم وحمل رسالته لإنقاذ أمم الأرض من ظلمات الكفر العلماني الذي هيمن على العالم إلى نور الإسلام العظيم.
{يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم، واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون}

12/شوال/1437هـ حزب التحرير
17/ 7/ 2016م