مفهوم الحرية
إن عدم تحديد الأفكار وتمييزها يوقع الإنسان في الضلال، وإذا وقع المفكر والفيلسوف في الخطأ فإنه يحرف الأمم ويُضلها ويوقعها في التخلف والانحطاط؛ ويحول دون نهضتها. وهذا ما حصل لأوروبا في عصور الظلام وما بعدها.
لقد قامت النصرانية المحرّفة على فلسفة "الخطيئة الأصلية" التي اقترفها آدم عليه السلام بحسب رواية "الكتاب المقدس"، أو بصورة أدق؛ بحسب معتقدات بولس الذي صاغ فكرة الخطيئة وأدخلها على الدين "المسيحي" ثم أصّلها بعده الفيلسوف أوغسطينوس "الذي يعتقد أن حرية الإنسان لا تستطيع إنقاذه لأنه منفصل طبيعيًّا عن الله منذ الخطيئة الأصلية وأن العالم مرهون كله للشر". وبرغم تناقض هذه الفكرة مع العقيدة الإنجيلية بعودة المسيح _الذي يُفترض بأنه خلص العالم من الخطيئة بموته على الصليب_ إلا أن الكنيسة وظفت الخطيئة للسيطرة على الناس وقيدت إرادتهم ومنعت كل ما من شأنه أن يُغَلّب جانب الشر على الخير في الإنسان باعتباره مركباً من مادة وروح، وأن الجسد يمثل الشر والشيطان وأن الروح تمثل الخير. وترتب على ذلك تعطيل العقل وشل إرادة الناس عن الإبداع والتقدم؛ لأنه يتصل بالمادة والشر، وحصر إرادتهم بما تراه الكنيسة "ممثل الخير" التي تحالفت مع الملوك وصارت جزءاً من منظومة الظلم والفساد، تماماً كالـ"حوزات الدينية الإسلامية" المتواطئة مع أنظمة الفساد في هذا الزمان . بينما رفض الفلاسفة والعلماء التفسير الديني للوجود لعدم ثبوت الكتاب المقدس عن الله، وأطلقوا العنان للعقل وحرروا إرادة الإنسان من قيود الدين ليعبّر عن الخير الكامن فيه ويحقق ذاته بالحرية؛ ولذلك تقول دساتيرهم أن الحرية هي "الخير الأسمى" وأن الإرادة هي مبدأ القانون. وتحولت بعد ذلك القداسة من الدين إلى الحرية الشخصية وحرية الرأي والاعتقاد والتملك وأصبحت هي القواعد العامة التي تصوغ العلاقات، وصارت السيادة للقانون البشري وليس للحق الإلهي المزعوم، وهذا بالضبط ما ينادي به العلمانيون العرب _محاكاة للتجربة الغربية_ فيقولون بأن الشريعة تراث ودين الفقهاء ووحي إلهي مزعوم!!
هذا هو أصل الدعوة إلى الحرية في "عصر التنوير"، وهي باطلة من أساسها قبل أن تكون مرفوضة في الإسلام؛ لأنها بنيت على نظرة محكومة بفكرة "الخطيئة الأصلية" وما انبثق عنها من مفاهيم خاطئة عن الإنسان وأفعاله كمفهوم الروح والخير والشر؛ ولأنها غير صالحة للتطبيق من ناحية عملية ولا يمكن ترجمتها إلى واقع مع وجود علاقات حتمية بين البشر؛ لأن العلاقات تقتضي الضبط والتقييد بينما تستلزم الحرية انعدام القيود وبخاصة وأن الفلاسفة احتجوا على تقييد الكنيسة لإرادة الإنسان بقول "الكتاب المقدس" أن الله خلق الإنسان على صورته "حراً"!!.
أما التذرع بالحرية المسؤولة أو المقيدة فهو ترقيع متهافت؛ لأن القيود فرضتها العلاقات وليس الحرية، إذ تقتضي الحرية التحرر من كل سلطة، وكل قانون يقيدها هو انتهاك لحدودها وهدم لمفهومها.
إن دعوة المسلمين إلى الحرية باطل لأن مفهوم الحرية نشأ لكسر القيود الدينية الزائفة ولا علاقة له بالدين القويم. ولو كان تقييد الإرادة ينطلق من عقيدة صحيحة لما انقلبوا على الدين؛ لأن الإرادة تتكون من تحرك الطاقة الحيوية في الإنسان ومن مفهومه عن الحياة . وما دامت العقيدة ومفاهيمها الكنسية لم تثبت عن الوحي كان من المحتم أن يرفض الناس تقييد الإرادة وينادون بالحرية، لا سيما أن الفعل الذي فرضته إرادة الكنيسة أنتج تخلفاً وانحطاطاً. أما حرية الإرادة في أفعال المسلم فهي مقيدة بالحلال؛ أي في دائرة المندوب والمكروه والمباح . أما الواجب والحرام فلا حرية فيهما، والخير في الأفعال الإرادية هو ما يرضي الله لأن الأنسان بطبعه يصف ما يحبه بالخير ويصف ما يبغضه بالشر، وليس أحب إلى المسلم من رضوان الله ولذلك كان الخير هو ما يرضي الله، والشر هو ما يُغضب الله. وأما ما يقع من الإنسان أو عليه جبراً عنه فهو قضاء ولا يعلم الخير والشر في القضاء إلا الله. وخلاصة الأمر؛ أن الديمقراطية التي جعلوها المخلّص بدل المسيح تنطوي على الاستبداد بطبيعتها؛ لأن استئثار الإنسان بالسلطة بدافع الفردية والزعامة وحب البقاء يدعو إلى انتهاك حرية الآخر ويفرض عليه ما لا يريد، ولذلك لا يمكن أن تكون الديمقراطية أو الحرية مانعاً من الاستبداد والظلم والفساد؛ ولا يمكن أن تجلب الخير لأنها تجعل السيادة التي تهيمن على الإرادة للبشر وليس لله. ولا أدل على ذلك من فكرة "الحل الوسط" التي لا تعبر عن الحاجة إلى سلطة بقدر ما تعبّر عن الحاجة إلى سيادة ومرجعية تشريعية فوق بشرية يرضى بحكمها كل الأطراف لأنها لا ترجو المنفعة لذاتها أو لأحد على حساب الآخر. ولو لم تكن المرجعية التشريعية هي مشكلة الدمقراطية لما لجأوا إلى الحل الوسط. وكون "الحل الوسط" بشرياً لا يرضي أي من الطرفين وإنما يستبد بهما معاً، ولأنه لا يُثبت حقاً ولا ينصف مظلوماً، لا بد أن يُستبدل بالحل الإلهي وهو الإسلام .