مغالطات علمانية وقحة
{مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفاراً بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله والله لا يهدي القوم الظالمين}
هناك مغالطة يتخذها العلمانيون لإثبات أفضلية العلمانية على الإسلام، يقولون أن العلمانية تساوي بين جميع أفراد المجتمع ولا تقصي أحداً منهم بدعوى حرية العقيدة، وهي في الحقيقة تساوي _على فرض وجود مساواة_ بين من يؤمنون بفصل الدين عن الدولة وحدهم؛ وتحصر الحكم فيهم؛ أي تساوي بين العلمانيين وتقمع خصومهم وتقصيهم، فهي تسمح بحرية العبادة للمسلم لكنها تصادر حريته السياسية، وتستثني من المسلمين من يخالف دينه وتسمح له بممارسة السياسة لتزيين النظام العلماني وخداع عوام المسلمين وتمنع من يدعو إلى جوهر الإسلام. وإمعاناً منهم في التضليل يفرقون بين علماني مستبد وعلماني ديمقراطي لإبراء النظم العلمانية من ظلمها وجرائمها بزعم أن المسلمين يبررون أيضاً ظلم الدولة الأموية والعباسية والعثمانية بنفس المنطق!. وهذا تضليل؛ لأن مشكلة الدولة الإسلامية هي الحكام؛ ومشكلة الدولة العلمانية هي العقيدة والنظام؛ وشتان بين فساد الحكام وفساد النظام . فسوء توزيع الثروة لا يتعلق بظلم الحكام وإنما بظلم النظام العلماني الذي يُمَلَّكُ مقدرات الدولة والشعب للأفراد وهذا ما تعاني منه البشرية جميعها. وبالتالي هناك مغالطة وقحة وخِسّةٌ لدى العلمانيين الذين يقلبون الحقائق ويُعلون النظام البشري على نظام الخالق. إن التضليل العلماني يكمن في "حرية العقيدة" وفي "المواطنة"؛ لأن حرية العقيدة توحي بالمساواة بين أفراد المجتمع بصرف النظر عن دينهم لكنها تُخفي مفهومها للعقائد المسموح بها، وهي العقائد غير السياسية المنسجمة مع فصل الدين عن الدولة كالنصرانية، لذلك نجد النصارى والأقليات والفرق الضالة كالأزيديين والعلويين والدروز هم أكثر المدافعين عن العلمانية في بلاد المسلمين لأن عقيدتهم تخلو من أنظمة الحياة باستثناء بعض الأحكام الفرعية التي ورثتها النصرانية عن شريعة موسى، وفي المقابل نجد العلمانيين يدافعون عن الأقليات ويتبنون قضاياهم ولا يستهدفون النصرانية ولا يتورعون عن التحالف مع الصهاينة اليهود ويوجهون سهامهم صوب الإسلام لأنه يتعارض مع أفكارهم وميولهم؛ ولأنه عقيدة ونظام يعالج شؤون الحياة والدولة والمجتمع؛ ولأنه مبدأ صالح للنهضة وبديل حضاري عن العلمانية الرأسمالية. أما "المواطنة" التي يزعمون أنها تساوي بين أفراد المجتمع فهي فضيحة كبرى لو نظروا في الواقع وقرأوا التاريخ؛ فعلاوة على أنها محكومة بالنفعية الرأسمالية العلمانية التي تغرس الفردية وتؤصل الأنانية في النفوس وتعلي قيمة الفرد على الجماعة فيبيع الوطن والوطنية والمواطنة لقاء مصلحته فإنها _أي المواطنة_ مقيدة بالعلمانية لأن الوطن هو وطن المبدأ، وما دام مبدأ الوطن هو فصل الدين عن الدولة فلا مكان في السلطة أو المعارضة إلا لمن يؤمن بالعلمانية ويمارسها، فالمواطنة بهذا المعنى إقصائية استئصالية. وليس هناك أبلغ تعبيراً وبرهانا على ذلك من شعار العلمانيين في التعامل مع "الإسلاميين" في مصر "أنتم شعب ونحن شعب" ، وترجموا ذلك بترحيل خصومهم إلى السجون والقبور. فعن أي مواطنة يتكلم هؤلاء؟ إن الإقصاء هو طبيعة في كل فكر، فالإسلام يرفض كل ما يخالفه، والعلمانية تقصي كل ما يعارضها، ولا يمكن أن يبنى بينها وبين الإسلام جسور. لكن الإسلام يحفظ آدمية الناس وينظم العلاقة مع مخالفيه، أما العلمانية التي تدعي المساواة وتداول السلطة فلم تتورع عن إبادة الشعوب الأصلية بدل تبادل السلطة معهم في استراليا وأمريكا. على أن جميع الأيديولوجيات المجرمة _التي ظهرت في القرن العشرين مثل النازية في ألمانيا والفاشية في إيطاليا والستالينية في الاتحاد السوفيتي والماوية في الصين _ وُلدت من رحم العلمانية واعتلت الحكم واتخذت قرارات الإبادة الجماعية؛ والاغتصاب والتعذيب الأمريكي في ألمانيا والعراق، والقتل والاغتصاب والتعذيب الفرنسي في الجزائر، والبريطاني في بنغلادش والإيطالي في ليبيا كل ذلك حصل بطرق ديمقراطية. فالعلمانيون يعيشون ويروجون كذبة كبرى بشعارات الحرية والتعددية والمساواة وحقوق الإنسان؛ لأن المساواة بين البشر خاصية قيمية وليست طبيعية أو مادية أو عقلانية. والنفعية التي تقوم عليها العلمانية الرأسمالية تجعل القيم نسبية؛ أي تُوظفها بمقدار ما فيها من منفعة في ذاتها أو لغيرها وهذا يخرق المساواة بين البشر. كما أن الناس بالمنظور الطبيعي والعقلي والمادي غير متساوين أصلاً. ففكرة البقاء للأصلح والانتخاب الطبيعي في النظرة الداروينية التي تحكم العلاقات تفرق في حق الناس بالبقاء وتصنف البشر طبقات عليا وسفلى، والعرب العلمانيون والمسلمون هم طبقات دنيا وفق التصنيف العلماني الغربي. أما مآخذ العلمانيين على الإسلام في مسألة الرق، وزعمهم بأن العلمانية قد تجاوزتها، فيما أباحها الإسلام، فإن المنظور التاريخي في التحليل _بمنطق العلمانيين أنفسهم_ قد تعاطى مع مسألة الرق باعتبار أنها بدهية وجودية وتبقى مع وجود الإنسان. والعبودية لم تنته في البلاد العلمانية لإحساس مرهف أو يقظة ضمير أو بثورة عبيد وإنما انتهت لاختراع الآلة الصناعية التي حلت محل العبيد. فيما تعامل الإسلام مع القضية باعتبارها واقع موجود وحالة شائعة في الحروب، فحثّ على تحرير العبيد، قال تعالى : {فإما منّ بعد وإما فداء} وقال : {فك رقبة} . كما دعا إلى الرفق بهم قال صلى الله عليه وسلم: "فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم". ولا يوجد دين أو فلسفة قبل الإسلام إلا وأقرّ الرق. ومن المفارقات العجيبة أن العلمانيين ينتقدون الإسلام الذي دعا إلى تحرير العبيد ولا ينتقدون النصرانية التي تنص على حقوق الأسياد على العبيد : "ايها العبيد اطيعوا سادتكم حسب الجسد بخوف ورعدة في بساطة قلوبكم كما للمسيح" (أف 6: 5) كما لم يتطرقوا إلى موقف الفلاسفة والمفكرين من العبودية، فقد أيدها أرسطو واعتبرها أمراً بَدهياً، وقال: "الذي يخضع للقانون هو أيضا عند مستوى ما من العبودية" . كما أباح جون لوك _المُنظّر الأبرز لليبرالية الكلاسيكية_ الرق في حالة الحروب في كتابه الشهير "مقالتان في الحكومة" ، ومع ذلك؛ يُذكر أنه كان مساهماً في "الشركة الأفريقية الملكية" لتجارة العبيد من النساء والأطفال، وكان قد عدّل على دستور كارولاينا في الولايات المتحدة ومنح السادة الحق بقتل العبيد دون تجريمهم. أما هيجل فيرى "أن العبد يحقق متعته في خدمة سيده وهو في ذلك يسعى إلى الرغبة في الاعتراف". ويعترف فوكوياما في كتابه "نهاية التاريخ" أن عودة نظام الرق محتملة في عصر الأسلحة النووية التي قد تدمر التكنولوجيا وتُعيد العالم إلى عصر الخيل والجِمال. وهذه النظرة تجعل من الرق في المنظور العلماني مسالة ظرفية وليست قيمية، وبالتالي لم تعالج العبودية معالجة جذرية ثابتة، بينما عالج الإسلام الرق من منظور قيمي ثابت وحوّل المماليك إلى قادة. فمهما حاول فراخ العلمانيين التضليل والمغالطة سيبقى الإسلام وارف الظلال يعلو ولا يعلى عليه .