+ الرد على الموضوع
عرض النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: فلسفة "العلمانيين العرب" في تعطيل العمل بالوحي الإلهي

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2015
    المشاركات
    18

    افتراضي فلسفة "العلمانيين العرب" في تعطيل العمل بالوحي الإلهي

    بسم الله الرحمن الرحيم
    فلسفة "العلمانيين العرب" في تعطيل العمل بالوحي الإلهي
    (أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ)
    يزعم العلمانيون العرب بأن العلمانية لا تخالف الإسلام، ولا يجرؤون على نبذ الدين صراحة بخلاف ما تقتضيه عقيدة فصل الدين عن الحياة؛ لأن نبذ الدين يستدعي مناقشة العلمانية، ويكشف الواقع الموضوعي والظروف السياسية والتاريخية التي اقتضت الطلاق بين ما هو ديني وما هو سياسي، ويقود إلى رفض الفكرة باعتبار أنها تختص بدين و"كتاب مقدس" ودولة دينية لا علاقة لها بكتاب المسلمين ودينهم ودولتهم. ولإخفاء حقيقة العلمانية سلك العلمانيون العرب طريق التوفيق بينها وبين الدين، وقدموها على أنها لا تناقض الإسلام بدعوى حرية الاعتقاد وذرائع مختلفة. ولإدراكهم بأن العقيدة الإسلامية عقيدة سياسية روحية يبرهن على اتصالها بشؤون الحياة نصوص قطعية يتعذر معها فصل الدين عن الدولة؛ ولإدراكهم أيضاً أن نصوص الوحي في الإسلام ليست كنصوص الوحي في باقي الأديان؛ لأنها محفوظة وثابتة بالدليل العقلي القاطع. كان لا بد لهم من الإقرار بوحي القرآن وتعطيل العمل به، والاعتراف بصحيح السنة _وفق معايير جديدة_ وحصرها في زمن التنزيل ومكانه، في حين ذهب فريق منهم إلى إنكار وحي السنة وإسقاط حجيتها ليصل إلى طمس معالم الإسلام السياسية وتكييف الدين مع العلمانية. وبصرف النظر إن كان ذلك خطة جهنمية محكمة أم فهماً منحرفاً، فإننا سنناقش فساد الأساس الذي انطلق منه هذا التصور والتصوير الخطير للعقيدة الإسلامية وأصولها.
    العلمانية في الأصل؛ هي ترجمة لكلمة لاتينية تفيد ظرفاً زمنيا ويقابلها الروحانية في الاستعمال الديني الإكليركي. ثم أصبحت مصطلحاً للتمييز بين الزماني والروحاني كما يقول المفكر "تشارلز تايلر" في كتاب عصر العلمانية؛ أي أن هناك حياة زمنية وهي الدنيا وحياة روحية هي الآخرة، وكانت السلطة الزمنية تتمثل في الملوك بموجب نظام "الأبوة" وهو وراثة الملوك لحق آدم في رعاية الأبناء والشعب، بينما تتمثل السلطة الروحية في الكنيسة ورجال الدين بموجب "التفويض الإلهي" الذي اكتسبته الكنيسة من وصية المسيح بالرعاية الدينية لخليفته الروحي بطرس الرسول. وبعد الثورة الفرنسية التي قضت على تحالف الكنيسة والملوك، فصلوا الدين عن الدولة ونشأت سلطة زمنية "مدنية" لا دينية تدير شؤون الحياة وفق التفسير العلمي بدل التفسير الكتابي الذي فرضته الكنيسة في عصور الظلام. وهذا ما دعاهم إلى التمسك بنظرية "التطور" كعلّةٍ للخلق رغم افتقارها إلى لدليل العلمي؛ لأن البديل عنها هو قبول التفسير الكتابي ووصاية رجال الدين على الحياة. وقد نجم عن ذلك كله إعادة إنتاج أنظمة الحياة لإدامة تحكم طبقة الأغنياء في المجتمع عبر ديمقراطية زائفة تُقنّع إرادة الأغنياء بإرادة الشعب، وتُعطي الإنسان حق تقرير المصالح العامة والخاصة وإقصاء الدين عن هذا الشأن.
    إذاً، فالعلمانية هي فكرة سياسية حلت محل التفسير الديني للوجود، لكن فراخ العلمانيين لم يفهموها بل يخالفونها عندما يقولون بأنها لا تفصل الدين عن الحياة وإنما تفصله عن الدولة والقوانين وتُقصي رجال الدين وليس الدين ذاته، ولم يدركوا بأن فكرة العلمانية تتمحور حول علاقة الدين بالحياة والدولة والمجتمع بصرف النظر عن تديّن الحاكم من عدمه أو تدين الشعب من عدمه، فأميركا يحكمها متدينون محافظون، والهند يحكمها متدينون هندوس، وإسرائيل يحكمها متدينون يهود، وألمانيا يحكمها الحزب "المسيحي" الدمقراطي، وتركيا ومصر وتونس وماليزيا حكمها متدينون مسلمون، والسعودية وإيران يحكمها زعماء باسم الإسلام، وكل تلك الدول علمانية تفصل الدين عن الحياة مع فارق بين نظام علماني مستبد ونظام ديمقراطي. وإذا أراد أن يفهم العلمانيون عقيدتهم، عليهم أن يعودوا إلى أقوال منظريها، حيث يبرز التصور العلماني للوجود في تشبيه "فولتير" لعلاقة الخالق بالحياة بقوله: "خلق الإله الكون مثل الساعة يرتب صانعها أجزاءها الدقيقة في هيئة خاصة ويحركها ثم تنقطع صلته بها". “ Voltaire”: “God had created the universe in just the same way as a watch-maker made a watch, assembling the parts, arranging them in a particular order,but afterwards having nothing to do with them.”. وفي قول جون لوك: "وإذا كان في مقدورنا تقرير مسألة ما بمثل هذه الملاحظة المباشرة، فإن معرفتنا تسمو على أي وحي مزعوم، لأنها أوضح وأكثر توكيداً من أي توكيد بأن هذا الوحي الذي نحن بصدده إلهي حقاً" John Locke: “When a matter can be decided by such direct observation, our knowledge is above any supposed revelation, for it is clearer than any certainty we can have that the revelation in question is really divine”. وكأنهم يقولون بأن "صانع الساعة" لا يريد من الناس أن يستعملوها وفق النظام الذي حدده هو، وصانع البوصلة لا يريد من الناس أن يستعملوها وفق قانونه في الاتجاه والمسير؛ لأن تصورهم للإله منبثق من تراثهم العقدي ونظرتهم للمسيح "الرب" بأنه بشر، ولإدراكهم بأن شريعة الكنيسة هي شريعة إلهية مفتراة وأن "الحق الإلهي" زعمٌ كاذب.
    إن العلمانية لم تُبنَ على العقل في تفسيرها للوجود وإنما بُنيت على تفسير لواقع مجتمعي وديني متخلّفٍ قاد إلى إنكار الوحي المزعوم الذي مَثّلَ علاقة الخالق بالحياة، وأوجد نظاماً ثيوقراطياً متغوّلاً وفاسداً، ودعا المفكرين إلى فصل الدين عن الحياة، وهذا كله لا علاقة له بواقع العرب والمسلمين؛ لأن أسباب انحطاط المسلمين غير أسباب تخلف الغرب في عصور الظلام، فإذا كان الدين هو سبب تخلف الغرب في العصور الوسطى فإن الإسلام كان سبب نهضة المسلمين في نفس الحقبة التاريخية. وإذا كان لدى الغرب مبررات لنبذ الدين فلا مبرر للمسلمين لإقصاء دينهم لأنه سبب نهضتهم؛ ولأن غيابه سبب انحطاطهم. وبحسب العلمانية، ينبغي فصل كل دين ينطوي على أدنى علاقة بشؤون الحياة والدولة باعتبار أن تدخل الدين في السياسة هو توظيفٌ للمقدس في أعمال وغايات غير مقدسة وباعتبار أنه سبب لتمزق المجتمع وعائق للنهضة والتقدم، وهذه الرؤية التي دعا إليها فرح أنطون وأشياعه من العلمانيين العرب منبثقةٌ من الواقع الأوروبي في عصور الظلام. وبدل أن يربطوا التقدم العلمي بأسباب النهضة الإسلامية التي أحدثت حركة نبوغ في بلاد المسلمين وجعلت منهم دولة عظمى ربطوا التقدم بأسباب النهضة الأوروبية مستغلين التطور العلمي الغربي وتعطل الانتاج الفكري عند المسلمين لضعف اتصالهم بأدوات فهم الإسلام. إن محاولة التوفيق بين العلمانية والإسلام ترتكز على فكرة متناقضة وخبيثة، فهي _بخلاف العلمانية الغربية_ تُقر بحاكمية الله؛ لأن رفضها يناقض نصوصاً قطعية في الكتاب والسنة؛ لكنها تعطل العمل بالوحي بجعل الحاكمية محصورة في زمن معين وهو زمن البعثة النبوية. وبهذه الطريقة تقطع مع الوحي، وتُخرِجُ دعاتها من مأزق إنكار الوحي، وتؤدي إلى علمنة الإسلام دونما تصادم مع عقيدة المسلمين، وهذا يشبه ما حصل مع النصارى في التوفيق بين التوحيد والتثليث عندما تناقض التثليث مع نصوص التوحيد القطعية في "الكتاب المقدس" فجعلوا الثلاثة واحداً والواحد ثلاثة. لقد كان الأجدر بعلماء المسلمين في هذا العصر أن يردوا على العلمانيين العرب كفرح أنطون ومحمد أركون وعلى المستشرقين مثل: رينان، ومرغليون، وجولد تسيهر، وفون كريمر، الذين ينهل "المتنورون العرب" من أفكارهم للتشكيك في أصول الإسلام. ومثل: برنارد لويس الذي يتبنى المحافظون الجدد في الولايات المتحدة نظرته إلى الإسلام والمسلمين، وكان الأجدر بالعلماء مطلع القرن الماضي أن يفصلوا بين العلمانية والإسلام بدل أن يطوعوا مفاهيم الدين وأصوله لتوافق العلمانية. وأن يربأوا بأنفسهم أن يكونوا بالسذاجة التي تجعلهم يصدقون بأن غير العربي من المستشرقين يمكنه أن يحكم على العربية وغير المسلم منهم يحكم على أصول الإسلام. لقد تولى صياغة فلسفة التوفيق بين العلمانية والإسلام وتعطيل الوحي فريق من "حمائم" العلمانيين، وغلاة "القرآنيين"، وملخص فكرتهم هو الاقرار بالوحي وتعطيله بدل إنكاره؛ ليؤدي نفس النتيجة لإنكار الوحي وهي "نَصْرَنَة" الإسلام وفصله عن الحياة؛ أي جعل الإسلام ديناً روحياً منزوع السياسة، محصوراً بالعبادات كالنصرانية، وهو المقاس المناسب للعلمانية والمشاريع القومية. أما بشأن "حمائم" العلمانيين، فقد أسسوا فكرتهم على مقدمات خاطئة عن العقل والوحي لهدم قواعد المنظومة الفكرية الإسلامية "التقليدية" وبناء قواعد جديدة تمحو الحدود بين العلمانية والإسلام وتُذيب المفاهيم الإسلامية في بوتقة العلمانية. فيزعمون أن الوحي إنما نزل لملء فراغ معرفي في الزمن الذي اعتذر فيه العقل والتجربة عن تلبية الحاجة المعرفية. إذ الأصل _بحسب زعمهم_ هو أن الله خلق العقل _مسنوداً بالتجربة_ صانعاً أصيلاً للمعرفة، ومع قصور العقل والتجربة في الزمن الماضي عن تفسير الظواهر الكونية كان لا بد من نزول الوحي لتلبية الحاجة المعرفية للإنسان، وهو ما يجعل الوحي مصدراً معرفياً نسقياً وليس أصيلاً. وهذا يستوجب تعطيل الوحي حال تمكن العقل والتجربة من استعادة دورهما الذي كان يغطيه الوحي في غيابهما، لا سيما أن الوحي في تفسيره لبعض الحوادث لم ينتزع الخرافة وإنما أعاد إنتاجها. وهذه الفكرة تنطوي على اتهام للوحي بالخطأ الذي يترتب عليه تناقضٌ بين النص والعقل في زمن آخر. ثم أفضى هذا التسلسل المنطقي إلى جعل العقل والتجربة طريقاً منفردة للمعرفة وحاكماً على النصوص والقواعد والأحكام الشرعية وعلى اللغة العربية أيضاً. وترتب على ذلك نقض قاعدة "لا اجتهاد مع النص" التي ترسم الحدود بين الكفر والإسلام واستبدال قاعدة "لا نص مع العقل" بها، ونقض قاعدة "العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب" التي تُجسّر للشريعة وتُبقي مفاعيلها إلى آخر الزمان واستبدال قاعدة "العبرة بخصوص السبب أو المناسبة لا بعموم اللفظ أو المعنى" بها_طبقاً لدلالة الخصوص والعموم في المنهج التجريبي _ والتي تضع حداً لامتداد أحكام الإسلام إلى الحاضر. وعلى هذا النحو من التقديم لوظيفة الوحي وما ترتب عليه من تأصيل للمعرفة والقواعد الشرعية لم يحصل تجديد لفهم الدين وإنما حصل هدم لأصوله ومعاييره ومنظومته التشريعية. ولم يحصل إقصاء للدين عن الحياة فحسب بل حصل إقصاء لطريقة التفكير الصحيحة في تحصيل المعارف العقدية والشرعية على نحو يجعل بوصلة الفكر دائماً وأبداً في اتجاه الغرب.


  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2015
    المشاركات
    18

    افتراضي

    وإزاء هذه الفلسفة لا بد من بيان ما يلي:
    أولاً: إن العلمانيين عموماً، يطرحون جدلية العلاقة بين الواقع والنص الشرعي بغية تشكيل الإسلام بحسب الواقع، ومع أن الديالكتيك الهابط والصاعد بشأن تَكوّن النص القرآني هو فلسفة ماركسية وليست ليبرالية لكنهم لا يمانعون في استبضاعها ما دامت تعيد إنتاج الإسلام. فهم يخضعون فهم النصوص الشرعية للديالكتيك والفلسفة والمنطق والطريقة العلمية وليس إلى أدوات الفهم ومعايير الفقه والأصول وضوابط قبول الحديث، فيحكمون على الإسلام بمعاييرهم المعرفية باعتبارها مسلّمات أو مقدسات، ولا يحكمون بحسب ما تقتضيه طرق المعرفة ومعاييرها. فيما يدعو الإسلام إلى الطريقة العقلية في التفكير وإخضاع المعارف إلى معاييرها ومصادرها لتحصيل اليقين فيما يقتضيه القطع واليقين كالعقائد والأصول، وتحصيل المعارف من مظانها في ما هو ظني كالأحكام الشرعية والعلوم. ومتى حُسم طريق المعرفة واستقرت النظرة الكلية إلى الوجود _أي العقيدة_ يتقلص الخلاف إلى أفهام جزئية في إطار فلك معرفي واحد كالخلافات الفقهية بين المذاهب وهي خلافات تضفي ثراءً معرفياً للثقافة الإسلامية.
    ثانياً: لقد اختزلت فلسفة "العلمانيين العرب" دور الوحي في تغطية الفراغ المعرفي في الكم المعرفي وأغفلت نوع المعرفة وأدوات تحصيلها. والحقيقة أن دور الوحي لا يقتصر على جوانب لم يكن بمقدور العقل والتجربة تفسيرها في زمن معين، وإنما تعاطى مع المنطقة التي يعجز العقل والتجربة عجزاً تاماً عن إدراكها في كل وقت، وهي المنطقة المنقطعة عن الحس في التصور الكلي للوجود كعلاقة الخالق بالمخلوق، والغيبيات، بالإضافة إلى الأحداث التاريخية والظواهر الكونية التي لم يدرك الناس واقعها في زمانهم. ولذلك كان الافتراض بأن العقل مسنوداً بالتجربة يستقل بمعرفة كل شيء هو الخرافة عينها؛ لأن العقل لا يستقل بالمعرفة خارج إطار منظومته التفكيرية التي ترتكز على الواقع والحس والدماغ والمعلومات السابقة عن الواقع. إن المنهج العلمي التجريبي هو فرع من فروع المعرفة العقلية؛ ويُحتّم توفر المعلومات السابقة عن الأشياء لتحصيل المعرفة. وهذا ينفي إمكانية تحصيل المعرفة بمعزل عن الله، ويمنع إحلال المعرفة العقلية والتجريبية محل الوحي؛ لأن المعلومات الأولية جاءت من الله وليس بالتجربة الإنسانية إذ يستحيل للعقل أن يحكم على واقع دون معلومات سابقة له، فمَثل الإنسان الأول كالإنسان الحاضر لا يمكنه التفكير بلا معلومات سابقة عن الأشياء؛ فالطفل الذي ولد في السجن ولم يرَ العصفور ولم يعرف عنه شيئاً لن يتعرف عليه لو رآه خارج السجن مهما كبر ذلك الطفل وكبر دماغه. وبالإضافة إلى ذلك؛ فإن الافتراض بأن وظيفة الوحي تقتصر على تقديم معارف حسية بمقدور العقل والتجربة تحصيلها إن في الحال أو بعد حين وتقرير فكرة الاستغناء عن الوحي كنتيجة منطقية للدور الذي يقوم به هو افتراض خاطئ؛ لأن الوحي لم يقتصر عمله على المسائل الكونية وإنما جاء برسالة سماوية تخبر عن المحسوس والغائب كالملائكة والجنة والنار والتاريخ وهذه ليست مما يستقل العقل والتجربة بمعرفتها دائماً وأبداً؛ لأنها خارج ميدانهما المعرفي الذي لا يعترف بغير الملموس، فكيف سيؤمن من يقدسون الطريقة العلمية في التفكير بعقيدة الملائكة والجنة والنار من دون وحي. ولهذا كان الوحي مصدراً معرفياً "أصيلاً" لانتزاع الخرافة وتصحيح بوصلة القداسة وتوجيهها وتقديم التفسير اليقيني للوجود، وبغيره لا يمكن الإجابة عن الاسئلة الكبرى في حياة الإنسان والوصول إلى نظام الخالق في تدبير شؤون الحياة، لا سيما أن تقرير المصلحة لا يقتصر على جزئية الحياة من التصور الكلي للوجود وإنما يتعدى ذلك إلى معرفة مآل الأعمال بعد الحياة، وهي إحدى العقد الكبرى في حياة الإنسان. ومن هنا كانت وظيفة الوحي المفترضة مقدمة منطقية خاطئة؛ لأن دور الوحي لا يقتصر على الظواهر الكونية الحسية أو الممتنعة عن الحس في زمن معيّن، ولا يقتصر على حجم الرصيد المعرفي ومستوى النضج الفكري الإنساني، وهو ما يدعو لاعتماد الوحي كمصدر معرفي أساسي ودائم؛ لأن الشريعة الإسلامية تعالج مشاكل الإنسان بوصفه إنساناً لا يتغير بتغير الزمان والمكان؛ ولأن الإسلام دين كامل ورسالة إلى الناس كافة. ومن هنا كان اعتماد العلم والتجربة مصدراً بديلاً للمعرفة بحجة أن حركة التاريخ وتطور العلم تُغني عن الوحي هو خطأ منهجي في التفكير.
    ثالثاً: إن نوع المعارف يفرض الطريقة والمصادر التي تؤخذ منها والمعايير التي تُسلك لتحصيلها، فالطريقة العلمية هي الطريقة الصحيحة في بحث العلوم التجريبية، لكنها لا تصلح أساسا للتفكير في كل شيء، والخطأ الذي وقع فيه العلمانيون هو جعل الطريقة العلمية وليس العقلية أساساً للتفكير. والأفكار إما أن تكون حكماً على واقع وإما معالجة لواقع، والتفكير قد يتعلق في وجود الشيء أو في ماهيته؛ لاتخاذ الموقف منه، ولكل بحث طريقته ومصادره ومعاييره. فالعلاقات والحوادث لا تخضع للبحث العلمي كما تخضع المادة في المختبر، وإخضاعها لمعايير المنهج التجريبي يوقع الباحث في الخطأ كما حصل مع علماء النفس والاجتماع؛ لأن منهج البحث العلمي يختص بالمادة الملموسة كالكيمياء والفيزياء ولا ينطبق على المسائل الفقهية والفكرية والسياسية واللسانية. أما الاستنتاجات الفكرية المستنبطة من الاستقراء والملاحظة فهي مسألة عقلية وليست تجريبية. وهذا يحتم التفريق بين النصوص الفقهية والسياسية واللغوية والعقدية وبين الأشياء المادية، بل يُحتّم التفريق بين الأشياء المادية وبين الإنسان نفسه. فلا يصح تطبيق الطريقة العلمية على الفقه والعقائد والسياسة واللغة؛ لأن تحصيل المعرفة في اللغة والفقه والعقيدة وأصولها وقواعدها لا يتحقق بمعلومات تتصل بالتجارب العلمية ونتائجها الظنية. فالأفكار المتعلقة بالحكم على الواقع هي من الأبحاث العقلية كأبحاث العقيدة، ودليل صحة الأفكار هو بناؤها على العقيدة إذا لم يكن لها واقع محسوس، كفكرة صلب المسيح التي نحكم عليها بعقيدة المسلمين في المسيح. أما الأفكار التي لها دلالة حسية فتُقاس بالعقل؛ كفكرة بنوّة المسيح للرب وألوهيته أو كفكرة الثالوث، إذ يقرر العقل بأنها عقائد باطلة؛ لأن ولادة المسيح تعني أنه لم يكن موجوداً قبل ولادته مما يجعله مخلوقاً وليس أزلياً؛ ولأن تعدد الآلهة يتناقض مع كمال الخالق وأزليته لأن كل إله سيحد من قدرة الآخر بمقدار تأثيره في الوجود وهو ما ينفي عنهم الألوهية أو يُثبتها لأحدهم وينفيها عن الآخرين كثبوت ألوهية الله وانتفائها عن المسيح والروح القدس.
    أما الأفكار التي تعالج الواقع فهي أبحاث فقهية، وطريق تحصيلها ليس العقل ولا التجربة وإنما هو النصوص الشرعية وأصولها وأدوات فهمها كاللغة العربية. ولا يقال هنا إننا نأخذ بمخرجات العقل السليم الذي لا يتعارض مع الشرع؛ لأن المسألة هي مسألة حاكمية وليست مسألة حكم؛ أي مسألة العقل من حيث هو لا من حيث صفته سليماً أم سقيماً. فالحاكمية لله وليست للعقل حتى لو وافق حكمه الشرع: {أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله} {والله يحكم لا معقب لحكمه}. ولو كان العقل السليم طريقاً للمعارف التشريعية لما أرسل الله الرسل. ولَمَا وصف الإنسان بالنقص والتقلّب الذي يتعارض مع منطق التشريع، كقوله تعالى: {قُتل الإنسان ما أكفره} {إن الإنسان لربه لكنود} {بل يريد الإنسان ليفجر أمامه} {كلا إن الإنسان ليطغى} {وكان الإنسان عجولاً} {إن الإنسان خلق هلوعاً} {وخلق الإنسان ضعيفاً} {وكان الإنسان قتوراً} {وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولاً} {وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً} {إن الإنسان لفي خسر} {وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيبا إليه، ثم إذا خوله نعمة منه نسي ما كان يدعو إليه من قبل، وجعل لله أندادا ليضل عن سبيله} {فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن، وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن}. فهذه الآيات الكريمة تبين بوضوح شديد، أن الإنسان مهما بلغ من الاستقامة في تفكيره لن يبلغ الكمال الذي تقتضيه مهمة التشريع. ولن يخرج عن هذه الصفات القادحة بعقله وميوله. على أن الذي يعين الموقف من المصالح هو المدح والذم على الفعل وليس ما فيها من حسن وقبح، والمدح والذم على الفعل هو للشرع وليس للعقل لأن المدح يترتب عليه الثواب والذم يوجب العقاب وهذا يملكه الله ولا يملكه الإنسان، ولذلك كان تقرير المصالح للشرع وليس للعقل والتجارب. وبالإضافة إلى ذلك، فإن المشاهد بالحس أن الناس مختلفون في الحكم على المصالح، ولا بد لهم من مقياس يوحد النظرة إلى المصالح، وبما أن عقول البشر وميولهم الفطرية متباينة ومتقلبة بدليل الواقع المحسوس والآيات السابقة، وبما أن النظرة إلى المصالح مرتبطة بالنظرة إلى الحياة، فلا بد أن تكون النظرة إلى الحياة هي المقياس في تقرير المصالح.
    رابعا: العربية هي لغة القرآن الكريم، واستنباط الأحكام يكون بفهم دلالة الألفاظ بحسب ما وضعت لها لا بحسب العقل والتجربة. ولا بد أن تؤخذ اللغة العربية بالنقل عمن قوله حُجَّةٌ في أصل اللغة، كالعرب العاربة، مثل: قحطان، وعدنان وحتى القرن الرابع الهجري قبل فساد اللسان، ولا يجوز أن يقرر العقل والتجربة دلالتها لأنها مسألة اصطلاح ووضع. قال فخر الدين الرازي: "الطريقُ إلى معرفة اللغة، إما النقلُ المحْضُ كأكثرِ اللغة، أو استنباطُ العقل من النَّقْل، كما إذا نُقِلَ إلينا أنَّ الجمع المعرَّف يدخله الاستثناء، ونقل إلينا أنَّ الاستثناءَ إخراجُ ما يتناوله اللفظ، فحينئذٍ يستدلُّ بهذين النَّقْلين على أن صِيَغ الجمع للعموم، وأما العقل الصِّرف فلا مجالَ له في ذلك". وقاعدة العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب هي مسألة لسانية وفقهية وليست عقلية أو تجريبية، وطريق استنباطها وتقريرها هو قواعد الفقه واللغة وليس العقل والتجربة، فعندما مر النبي صلى الله عليه وسلم بشاة ميمونة ووجدها ميتة قال: "أيما إهاب دُبغ فقد طهر" فالحكم تعلق بالإهاب وليس بشاة ميمونة، ولو كان الحكم خاصاً بميمونة وشاتها لصرّح بذلك كما قال لأبي بردة "ضحِّ بها ولا تصلح لغيرك"، فحكم جِلد الميتة إذا دبغ هو حكم عام في كل جلد وليس في شاة ميمونة وحدها. وقوله تعالى "فاقتلوا المشركين" هو حكم عام في كل مشرك، ولو لم تكن العبرة بعموم اللفظ لما استثنى منه أهل الذمة. أما المنطق التجريبي فيصلح في التعميم بالانتقال من الخاص إلى العام في الأشياء وليس في الأحكام وأصولها وقواعدها؛ لأنه يختص في ماهية الشيء وليس في حكمه، فيمكن تعميم واقع الخمر على كل شيء مُسْكِر تماماً كتعميم قانون "تمدد الفلزات بالحرارة" أو "درجة غليان الماء في ظروف معينة". أما الأحكام والقواعد الفقهية فتؤخذ من الأدلة الشرعية، والأدلة هي نصوص عربية فيها الخاص والعام والمطلق والمقيد والمجمل والمفصل. وحين نبحث في الحكم الشرعي لتعميمه نبحث في دلالة النصوص بحسب قواعد اللغة العربية وليس بحسب العلوم التجريبية وقوانينها. ولهذا كانت "العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب" هي القاعدة الصحيحة؛ لأنها منسجمة مع الطريقة الصحيحة في الاستنباط وهي معايير اللغة وليس التجربة. ولو لم تكن العبرة بعموم اللفظ معتبرة لما احتج عمر على أبي بكر في قتاله لمانعي الزكاة بعموم قوله عليه السلام "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإذا قالوها فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله" ولأنكر عليه أبو بكر والصحابة حجته لكنه رد عليه "إلا بحقها". وبالإضافة إلى ذلك؛ فإن الصحابة عملوا بعموم اللفظ لا بخصوص السبب في أحكام السرقة واللعان والظهار والزنا وكثير من الأحكام فكان إجماعاً وحجة على صحة قاعدة "العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب". ومن هنا كان بناء القواعد الشرعية على التفكير الفلسفي العقلي وتوابعه العلمية التجريبية خطأ فادحاً ومضللاً في الفهم التشريعي. ولا بد من فهم النصوص الشرعية بقواعد الفقه واللغة؛ لأنها المعيار الصحيح لتحصيل المعارف الفقهية وأصول الدين، وبخاصة أن الألفاظ والتراكيب التي تفهم بها النصوص وتُبنى بها القواعد الشرعية تدور مع المعاني الذهنية وليس التجريبية.

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jan 2015
    المشاركات
    18

    افتراضي

    واللغة العربية هي وضع واصطلاح وطريق أخذها هو النقل والاستنباط وليس العقل؛ لأن اللغة من الممكنات وليست من المستحيلات والواجبات التي يستقل العقل بمعرفتها، على أن استبعاد اللغة كأداة لفهم النصوص واستنباط القواعد الشرعية يوجب الحاجة لوحي يخاطب الناس بقواعد الفلسفة والعلوم التجريبية وهذا محال.
    أما إنكار وحي السنة، فرغم أن القرآن نص على وحي السنة بقوله: {وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى} يُنكر "القرآنيون" وحي السنة ويحصرون الوحي في القرآن، وسوف نبرهن على وحي السنة بدليل قاطع لا لبس فيه. نزل القرآن الكريم مُنجَّماً بحسب الحوادث والوقائع وهذا لا جدال فيه، قال تعالى: {وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة} الفرقان 32. ومن المعلوم، أن نصاب المعاجزة في القرآن هو السورة الكاملة وليس الآية الواحدة أو بضع آيات قال تعالى: {قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين} يونس 38، ومن المعلوم أيضاً أن الخطأ في ترتيب الآيات في السور يُخلّ بإعجازها، ولا يمكن أن يؤدي القرآن نظمه المعجز بغير الترتيب الذي جاء فيه، ولو أخطأ النبي صلى الله عليه وسلم بترتيب آية واحدة لاضطرب الإعجاز القرآني وخسر التحدي وبَطُلتْ حجة القرآن، وترتيب الآيات في السور ليس مما يستقل النبي بمعرفته بل ليس مما يستقل العقل البشري بمعرفته لأنه نظم معجز للبشر، وأسلوب لم يعهده العرب من قبل، وهذا يدل على أن ترتيب الآيات في السور قد جاء به الوحي؛ لأن ترتيبها في السور جزء من النظم المعجز للقرآن، ولو كان للنبي أو للبشر يد في النظم القرآني لكان القرآن بشرياً وليس إلهياً ولأمكن للبشر معارضته وإبطال حجته. والقرآن الكريم لم يَنصّ على ترتيب الآيات في السور مطلقاً، وإنما جاء ترتيبها من خبر النبي؛ أي من غير القرآن حيث كان يقول لهم: "ضعوها في السورة كذا بعد الآية كذا" وهذا القول ليس قرآناً وإنما هو وحي من الله، وبما أن ترتيب الآيات في السور خبر من النبي فإنه يدل دلالة قاطعة على أن السنة وحي مستقل عن وحي الكتاب. ومن هنا ندرك أن أقوال النبي القرآنية هي وحي وأن أقواله البشرية المتعلقة بالتبليغ هي وحي أيضاً، ولو لم تكن أقواله وحياً لما علم موقع الآيات في السور ولاختلّ نظم القرآن. وأما القول بأن القرآن دالّ بذاته على أنه وحي من الله وأن الإعجاز يُغني عن البيان النبوي فإنه يَصِحُّ بعد اكتمال سور القرآن وليس أثناء النزول، لأن الإعجاز لا يبرز في الآيات عند نزولها متفرقة وإنما يبرز في السورة المكتملة، ولذلك اتهم كفار قريش القرآن بأنه قول بشر {إنْ هذا إلا قول البشر}، وقد أخبرنا القرآن أنهم جحدوا به {إنه كان لآياتنا عنيداً} وهذا الاتهام يرجع إلى أن الآيات التي نزلت في سورة العلق لم تكن كافية لإثبات الإعجاز، فأنزل الله سورة المدثّر كاملة _بداية الدعوة_ لإثبات صدق القرآن ونبوة محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأن الإعجاز يبرز في السورة الكاملة، ولم يكن قول الله في هذه السورة المكتملة {إن هذا إلا قول البشر} صدفة وإنما جاء تعريضاً بهم ورداً على افترائهم وتحدياً لهم. ولهذا لا يقال إن إعجاز القرآن يُسقط اعتبار الرواية ويُغني عن سنة النبي صلى الله عليه وسلم وبيانها؛ لا يقال ذلك لأن بيان النبي لموقع الآيات في السور يدل على أن البيان يتعدّى إظهار القرآن للناس، كما يدل على أن أقوال النبي وحي مستقل عن الكتاب.
    وأما التفريق بين النبي والرسول وأن ما ينطق به النبي غير ما ينطق به كرسول فباطل؛ لأن النبي والرسول يشتركان في التبليغ عن الله ويفترقان بخصوصية الرسالة بالرسول؛ أي بنزولها عليه ابتداءً، قال تعالى: {فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين} البقرة 213، وقال: {رسلا مبشرين ومنذرين} النساء 165، فتبليغ الرسول للرسالة هو تبليغ لرسالة نفسه، وأما النبي فهو مكلف بتبليغ رسالة غيره، فلا يصح نفي الطاعة عن النبي بحجة أن ما يقوله كنبي غير ما يقوله كرسول؛ لأن محمدأً صلى الله عليه وسلم له صفتان: نبي ورسول، وتعليق الطاعة على صفة ونفيها عن الأخرى مخالف لقواعد الشرع واللغة؛ لأن تعليق طاعة الرسول بعلّة التبليغ لا تُسقط طاعته كنبي لأنه مبلغُ عن الله أيضاً. ومن جهة أخرى هناك آيات قرآنية أمرت باتباعه دون تحديد الصفة التي يُتّبع فيها، كقوله تعالى {فلا وربك لا يؤمنون حتى يُحكموك فيما شجر بينهم} وهذه الآية نزلت في الأصل بحكم قضى به النبي بسنته وليس بالقرآن، ولذلك نفت الإيمان عمّن لا يحتكم إلى محمد صلى الله عليه وسلم دون تعليق الحكم على صفته كنبي أو رسول، وتخصيص الخطاب في هذه الآية بصفة دون أخرى يحتاج إلى دليل؛ لأن العامّ يبقى على عمومه ما لم يرد دليل التخصيص.
    وفي الختام، فإن الإسلام هو رسالة عالمية تقوم عقيدته على العقل وعلى ما ثبت أصله عن طريق العقل كالقرآن الكريم، أما شريعته فلا تخضع لحكم العقل وإنما للنصوص الشرعية من الكتاب والسنة وما أرشدا إليه من إجماع للصحابة وقياس معتبر شرعاً. والإسلام لا يقبل المزج مع الديانات السماوية والفلسفات البشرية. فالعلمانية عقيدة بشرية لا ينعقد بينها وبين الإسلام جسور. ونحن لم نحكم عليها بمزاجنا أو بمعايير الإسلام كما يزعمون؛ وإن كان الإسلام يرفضها جملة وتفصيلاً، وإنما بحسب واقعها وظروفها التاريخية وطريقة التفكير عند أربابها كجون لوك وفولتير وروسو وغيرهم، إذ ليس للعلمانية واقعٌ في الإسلام ولا في تاريخ المسلمين أصلاً؛ وإنما هي فكر وافد من أوروبا عبّر عن نفسه بالاستعمار ونفذ ذلك بالحديد والنار وغسيل العقول المفرغة من طريقة التفكير الصحيح. والعقل هو القاضي دائماً في ثبوت العقائد بما فيها العقيدة الإسلامية. والمسلمون لا يخشوْن من حكم العقل؛ لأن العقيدة الإسلامية عقيدة عقلية تم التوصل إليها عن طريق العقل وليس التقليد أو الوجدان أو العلوم التجريبية. وللعقل حدود معرفية لم نحددها نحن بل حددها واقع العقل، وهو نقل الواقع بالحواس وتفسيره بالمعلومات المتعلقة به عن طريق الدماغ، وما ليس للعقل طريق إليه كالغيبيات وأنظمة الحياة فطريقه النقلُ المرتكز على العقل. فوجود الله سبحانه وتعالى ونبوة محمد صلى الله عليه وسلم وأن القرآن كلام الله دليله العقل، والإيمان بالملائكة والكتب والرسل السابقين والبعث والحساب والجنة والنار دليله النقل المرتكز على أصل حسي هو "القرآن". والقرآن لا يتناقض مع العلم في الحقائق، وإذا تناقضت النتائج العلمية التجريبية مع المقطوع به عقلا تُرَد النتائج الظنية ويُؤخذ بالقرآن المقطوع بصدقه. أما الحقائق التجريبية القطعية فلن تتعارض مع يقينيات الإسلام إلا في مخيلة الذين فقدوا ثقتهم بالدين واتخذوا من الطريقة العلمية التجريبية طريقاً للمعارف كلها. وفي مخيلة الذين لم يدركوا بأن النتائج العلمية القطعية لن تتعارض إلا مع النصوص الظنية في تفسير الظواهر الحسية؛ لأن النص الشرعي الظني لا يقطع في المسألة وإنما يترك تقريرها لقرائن الحال والمقال، وحينئذ تؤخذ النتائج العلمية القطعية "قرينة حال" لترجيح أحد الآراء المستنبطة من دلالة النصوص الشرعية؛ لأن تحقيق المناط بواسطة العلوم معتبر وضرورة شرعية، على أن المسائل العقدية الظنية ليست موضع إيمان في عقيدة المسلمين لأن العقائد لا تؤخذ إلا عن يقين .

+ الرد على الموضوع

تعليمات المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك