+ الرد على الموضوع
عرض النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: من يقرر المصلحة .. الإنسان أم الله؟!

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2015
    المشاركات
    18

    افتراضي من يقرر المصلحة .. الإنسان أم الله؟!

    بسم الله الرحمن الرحيم
    [COLOR="rgb(154, 205, 50)"]من يقرر المصلحة .. الإنسان أم الله؟![/COLOR]

    كثير من المسلمين يحكمون على الأحكام الشرعية بناءً على القناعة العقلية أو الميول والمشاعر كالحكم على تعدد الزوجات مثلا، وهذا تعدٍّ بل وقاحة على الله؛ لأن الحاكمية هي من خصائص الألوهية وليست من شأن العبد {ألا له الخلق والأمر}. وكثير من الناس يحكم على سلوك الآخرين من خلال قاعدته الفكرية المختلفة عن الآخر وهذا خطأ منهجي إذ لا يصح منهجياً أن يسأل المسلم المرأة غير المسلمة لماذا لا تلبسين الحجاب أو يسأل شارب الخمر غير المسلم لماذا تشرب الخمر؟ ولا يصح كذلك أن يُسأل المسلم من غير المسلم لماذا لا تسمحون ببناء كنيسة في مكة وغير ذلك مما يختص بشريعة المسلمين؛ لأن لكلٍّ قاعدته الفكرية التي يأخذ منها مفاهيمه ويضبط بها سلوكه، والأصل هو أن تُناقش القاعدة الفكرية التي تنبثق عنها المفاهيم من حيث صحتها وخطؤها فإذا كانت خاطئة فإن ما بني عليها باطل. ويُخطئ بعض المسلمين أيضاً في مناقشة الأنظمة غير الإسلامية من زاوية أنها تحقق مصلحة أم لا؟! لأن صعيد بحث الأنظمة والقوانين هو الحاكمية، ولأن المصلحة تُبحث على صعيد من له صلاحية تعيينها هل هو الإنسان أم الله. وهناك من يعتقد بوحدة الحقيقة باعتبار أن العقل السليم والشرع الصحيح لا يتناقضان وبالتالي فإن ما يُقرّه العقل لا يخالف الشرع ولا يتناقض معه، ومنهم من يقول بنسبية الحقيقة باعتبار أن لكل شيء ضده في هذه الحياة ولتفاوت الحس بين البشر، مع أن وجود الأضداد لا يعني تعدد الحقيقة أو نسبيتها وإنما يعني وجود حقائق مختلفة كالليل والنهار، وأما تفاوت الحس بين البشر فلا يغيّر من الواقع وإنما يُعدد الحكم عليه. وإذا أضفنا إلى هذه المسائل السائدة في المناخ الفكري للأمة التشكيك بما يُسمى "التراث" وأن النبوة هي مرحلة تاريخية وأن العلمانية والديمقراطية مسألة إجرائية حياتية لا تتعارض مع الأديان مع التركيز غير المسبوق على مسألة حرية العقيدة وعدم تعارضها مع الإسلام فإننا نخلص إلى نتيجة واحدة وهي ضرب مفهوم الحاكمية وجعل التشريع العقلي بديلاً عن التشريع الإلهي أو على الأقل جعل العقل شريكا مع الله في الحاكمية. وهذا يتطلب وضع الأمور في نصابها بشيء من التوضيح :
    أولاً: إن وحدة الحقيقة هي أمر صحيح عندما يكون الفكر حكماً على واقع وليس عندما يكون معالجة لواقع. ففي حالة الحكم على الواقع فإن الحقيقة لا تتعدد لأنها مسألة حسية أو مرتكزة على الحس. فقولنا أن الله موجود هي حقيقة، والاختلاف حولها هو خلاف في الحكم على الواقع وليس لتعدد الواقع؛ فإما أن الله حقيقة وإما عدم، ولا يُقال أننا أمام حقيقتين؛ لأن وجوده وعدمه في آن واحدٍ مُحال. أما سبب الخلاف حول الحقائق فيرجع إلى طريقة التفكير ونوعه فيما إذا كان سطحياً أو عميقاً ويرجع كذلك إلى الحس أو المعلومات ذات الصلة بالواقع وليس في حقيقة الواقع. ومقياس صحة الأفكار التي تصف الواقع هو انطباقها عليه. أما مقياس الأفكار التي تُعالج الواقع فهو الدليل وصحته وانطباقه على واقع المسألة. فحرمة الخمر دليلها النهي الجازم في قوله تعالى: {إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجز من عمل الشيطان فاجتنبوه} فكل ما ينطبق عليه وصف الخمر محرم بهذا النص. وأما عدم انطباق الدليل على الواقع فمثاله إباحة التدرج في تطبيق الشريعة بدليل تحريم الخمر على مراحل مستندين إلى قوله تعالى {ولا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى} وهذا الدليل لا ينطبق على واقع الحكم؛ لأن الخمر حرم دفعة واحدة في آية:{فاجتنبوه} وأما قوله {ولا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى} فهو حكم للصلاة في حالة السُكر وليس حكماً للخمر، ولذلك لا يجوز الخلط في الأفكار بين ما كان حكماً على واقع وما كان معالجة لواقع. ومن جهة أخرى فإن الأفكار التي تعالج الواقع؛ أي الأحكام والقوانين هي مسألة حاكمية وليست مسألة حكم؛ لأن الأصل في المسلم أن يعمل بما جاء به الوحي وليس بما يتفق مع عقله وميوله: {ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون} {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويُسلموا تسليما}. ومن هنا فإن وحدة الحقيقة فيما يقرره الشرع والعقل محصور في الحكم على الواقع وليس في معالجة الواقع، وبالتالي لا تبرر وحدة الحقيقة للعقل تجاوز حدوده المعرفية ومشاركة الله في الحاكمية .
    ثانياً: لا خلاف بين البشر على أن الإنسان يميل بطبعه إلى ما يجلب له المصلحة ويدفع عنه المضرة؛ لأن الإنسان مفطور على حب البقاء فيندفع بأعماله لتحقيق ما يضمن بقاءه، ويسعى بنفس الوقت لتحقيق بقاء نوعه لأنه يرى في ذلك بقاء ذاته، إذ لو فرّط ببقاء جنسه فإن ذلك يهدد بقاءه ويُفضي إلى فنائه، ومن جهة أخرى لا يمكن للإنسان الاستغناء عن نوعه لحاجته الفطرية لإشباع ميوله وعواطفه نحو المرأة والطفل والعائلة؛ لذلك كانت غريزتا حب البقاء وبقاء النوع دافعاً حاداً ومؤثراً في تحديد المصلحة وتنظيم العلاقات. غير أن بقاء الذات مقدم على بقاء غيرها _فطرياً_ عندما تهدد مصلحة غيره بقاء الذات، ولهذا السبب لا بد أن تُبحث مصلحة الإنسان على مستوى النظام الذي يكفل بقاء الجنس البشري وليس بقاء الفرد أو الفئة المرتبط بقاؤه ببقائها كالأسرة أو العشيرة أو القوم؛ لأن ترك تقرير المصلحة لميول الفرد وحده وحبه للبقاء سيؤدي إلى إفناء غيره وتهديد مصلحة الإنسان كجنس .
    وهذا يقودنا إلى البحث فيمن يقرر المصلحة التي تضمن بقاء النوع الإنساني وليس الفرد أو العرق أو القوم، وما يصلح لإنسان يصلح لكل إنسان في كل زمان ومكان بصرف النظر عن تبدل الأشكال المادية المحيطة به وبخاصة وأن سلوك الإنسان ينتظم وفق مفاهيمه وليس بفعل التاريخ أو الأشكال المادية التي يتعامل معها. فحاجة الرجل للمرأة وحاجته للتملك والأكل والشرب لم تتغير بتغيُر أشكال الحياة والتقدم العلمي وأساليب العيش. وبالنظر إلى السلوك المجرّد للإنسان نجد أن ما يحكم عليه بالحسن يعتبره مصلحة فيُقدِم عليه وما يصفه بالقبيح لا يعتبره مصلحة فيُحجم عنه مما يعني أن المصلحة هي التي تعيّن موقف الإنسان من الأفعال والأشياء، إلا أن ربط المصلحة بميول الفرد وبالواقع يجعل المصلحة تتغير بتغير الميول والواقع، كما يجعلها ترتبط بفرديته لا بنوعه مما يُهدد بقاء النوع بل وبقاء الفرد ذاته؛ لأن ما يرجوه لنفسه يرجوه غيره لنفسه، وفي هذه الحالة يصبح عامل القوة هو الذي يُقرر المصلحة فتنتفي العدالة من الأرض وتنقلب المجتمعات إلى غابة إن لم يُقوّض تضارب المصالح الوجود البشري كله. فلو فرضنا أن منع تعدد الزوجات مصلحة مجتمعية لتعرضت بعض المجتمعات للفناء بسبب الحروب التي تذهب بأرواح الرجال وهو ما حصل في ألمانيا أثناء حرب الكاثوليك والبروتستانت حيث انخفض عدد سكان ألمانيا إلى النصف تقريباً مما دعاهم للعودة إلى تعدد الزوجات وهو ما أقروه في مؤتمر فرانكونيا المنعقد في شباط/فبراير 1650 بمدينة نورنبيرغ، ولذلك لا بد من عزل ميول الإنسان وحُسن الأشياء وقبحها لذاتها عن التدخل في تقرير المصالح وإسناد الحكم على المصالح لجهة لا تقصر عن معرفة المصلحة أو ترجوها لنفسها، وهذا لا يتأتي لبشر .
    وذلك أن الإنسان مفطور على الشعور بالعجز والنقص والاحتياج لغيره، ولا يتحقق إشباع هذا الشعور إلا بالخضوع لنوع يختلف عن الذات البشرية، إذ لو كان ذلك الغير من نوع الذات لبقي الإنسان يدور كالثور في ساقية لا تُخرجه من حريق الشعور بالعجز والنقص والاحتياج. ولهذا تَجسّدَ مركز القداسة _عبر التاريخ_ في عبادة كل ما يُعبر عن قوة تفوق قدرة الإنسان كعبادة الشمس والنار والحجارة، وهو ما يُفسر توقف الإيمان بالأنبياء ورسالاتهم على المعجزات لإنها تعبر عن قدرة فوق قدرة البشر وتعكس صورة النوع الذي يستحق القداسة وهو نوع يتصف بخصائص يفتقدها الجنس البشري المحدود. وربما هذا ما دعى فرويد وعلماء النفس إلى اختراع "عقدة أوديب" و "عقدة إليكترا" للتعبير عن شعور الإنسان بالعجز والنقص والاحتياج حيث عزوا القضية إلى خرافة أسطورية من تراث اليونان بدل أن يردوها إلى أصلها وهي الحاجة الفطرية للخالق.
    التعديل الأخير تم بواسطة أبو أسيد ; 21-05-2015 الساعة 02:19 PM

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2015
    المشاركات
    18

    افتراضي

    وكون الإنسان فيه ميل طبيعي للخلود عبّر عنه بتخليد ذاته في الرسوم والقصص والنحوت فمن الطبيعي أن يستسلم وينقاد لمن يعتقد بأنه وحده القادر عن تأمين حاجة الإنسان للاطمئنان والخلود، ولذلك لا يصلح الإنسان أن يكون الجهة التي تقرر المصلحة لأن شعوره بالنقص مرتبط بالحاجة لغير نوعه في العلم والمعرفة والقدرة لأنه غير قادر على تأمين بقائه أو خلوده سعيداً بعد الموت لأن معرفة مصيره بعد الموت هو الذي يحل الجزء الأهم في العقدة الكبرى لديه وهو الذي يعطي قيمة للحياة. ولعل ميل الإنسان فطرياً إلى الخلود هو الذي جعل النصارى يؤمنون بفلسفة الفداء والصلب وقيامة المسيح لأنهم يعتقدون بأنه خلص البشرية من الموت الأبدي بموته على الصليب وقيامته بعد الموت، ولذلك يقولون بأنه "دمر الموت بالموت" ومنح الحياة لمن في القبور. فإذا كان الإنسان يبحث فطرياً عن الخلود فمن يستطيع تحديد المصلحة ويضمن أنها تكفل خلوداً مطمئناً بعد الموت؟
    لا شك أن الإنسان يقصر عن معرفة إن كانت المصلحة في الدنيا تتفق مع حبه للخلود بعد الموت وبخاصة وأن غايته من الخلود هي السعادة وليس أي خلود!. ولهذا كان لا بد أن يُعيّن المصلحة في الدنيا من يحدد عواقبها بعد الموت، وكان لا بد من تقدير المصلحة وفق ما يمليه تفسير الوجود أي بحسب التصور الكلي لما قبل الحياة وما بعدها وعلاقة الحياة بما قبلها وما بعدها وهو ما يُسمّى بالعقيدة. ولذلك كانت العقيدة هي التي تحل العقدة الكبرى لدى الإنسان، وبما أنه قد ثبت عقلاً وجود خالق للحياة وثبت بالعقل وجود علاقة له بالكون والإنسان والحياة وثبت وجود حياة أخرى بعد الموت بالدليل النقلي المرتكز إلى أصل حسي هو القرآن فلا بد أن يُترك تقدير المصلحة إلى العقيدة وليس إلى العقل وبخاصة وأن العقل البشري محدود ولا يملك تحديد المصلحة بدليل أنه يكتشف شيئاً جديداً كل يوم، ويبرز عجزه عن معالجة شؤون الإنسان في التجديد الدائم للتشريعات البشرية والتي لا تعدو عن كونها آليات دفاع عن بقاء المبدأ وتحصين المنتفعين به وترحيل المشاكل لتخدير الناس كما هو حال المبدأ الرأسمالي، فالنظرة الرأسمالية إلى التملك والاستهلاك والادخار _مثلاً_ هي نظرة بشرية خادمة لطبقة دون غيرها ولا تُجسّد حقوق الأفراد بوصفهم أجزاء من كل وإنما بصفتهم الفردية أو الفئوية ولو على حساب منظومة العلاقات المجتمعية وما يقتضيه النوع الإنساني من بقاء. وكذلك الحال في نظرتها "المالتوسية" إلى الموارد والتي حدّتْ من النمو السكاني للقارة الأوروبية لتسلطها على مفهوم الرزق وأثرت في توحش الاستعمار وسعي الغرب الرأسمالي إلى إشعال الحروب لنهب موارد الآخرين وإبادتهم. وهذا بخلاف الإسلام الذي يقرر بأن الرازق هو الله وأن الموارد لا تنضب ما بقيت نفس على قيد الحياة. ولذلك كانت حرمة التملك في الإسلام لما هو ملك للدولة والجماعة لها قيمة على صعيد إلغاء الطبقية المجتمعية، وكانت حرمة الكَنْز تحرك المال وتخلق فرص العمل وتعالج البطالة وكانت حرمة الاحتكار تخلق التنافس وتخفض الأسعار وكان ذلك كله يسهم في تمكين المجتمع من اشباع الحاجات الضرورية ويدفعه نحو امتلاك الكماليات .
    ثالثاً: إن الذي يُعيّن موقف الإنسان من الأفعال والأشياء من كونها مصلحة أم مضرّة هو المدح والذم عليها وليس على الحسن والقبح فيها؛ لأن الحسن والقبح في الأفعال والأشياء هو وصف لواقعها أو تعبير عن ميول الإنسان نحوها، والمدح والذم ليس بالشيء المحسوس حتى يحكم العقل فيه؛ لأنه ليس جزءاً من تكوين المصلحة أو من تكوين الميول نحوها، ولو كان جزء من تكوينها لما اختلف الناس في تحديدها، فإذا تُرك الحكم عليها لميول الإنسان أو لما تحققه من نفع أو تدفع من ضرّ ستأخذ طابعاً فردياً أو فئوياً فتختلف أحكام الناس ويحصل الخلاف بينهم ويهدد بقاءهم. ولذلك كانت النظرة الرأسمالية الليبرالية إلى الإنسان بأنه كائن اقتصادي خاطئة وقاصرة؛ لأنها تنطلق من فلسفة "الحق الطبيعي" التي بني عليها نظرية "العقد الاجتماعي"، وهذه النظرة باطلة لأنها عالجت غريزة حب البقاء في الإنسان على حساب بقاء النوع مع أن حب بقاء النوع هو الباعث على المشاعر الجماعية. وبعبارة أخرى، كانت النظرة الرأسمالية للإنسان معالجة له بصفته الفردية أو الفئوية لا بصفته الإنسانية. ونتيجة لذلك عُرّف المجتمع لديهم بأنه مجموعة من الأفراد وليس أفراداً تربطهم علاقات دائمية فارتبط من جراء ذلك تقدير المصلحة بالأفراد وهذا باطل ومدمر، وما بُني على باطل فهو باطل .
    إن العقل هو المقياس لفهم الوجود وتكوين العقيدة التي تعتبر القاعدة الأساسية للنظرة إلى الحياة وما قبلها وما بعدها وعلاقتها بما قبلها وما بعدها، والعقيدة هي التي تبلور المفاهيم والمقاييس والقناعات كالخير والشر والهدى والضلال والحُسن والقبح. والعقل أيضاً هو أداة لفهم النصوص الشرعية وليس الحاكم عليها بالصواب والخطأ. وهو الذي يحكم على الفعل والشيء من كونه يُشبع حاجة الإنسان أو لا يُشبع، لكنه لا يملك القرار في كيفية الإشباع ، فإذا كان بمقدوره أن يقرر بأن الاتصال الجنسي يُشبع غريزة النوع، لكن تنظيم كيفية الإشباع بالزواج أم بالصحبة والمخادنة ليس له وإنما لمن يعلم مصلحة الخلائق كلها، ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير .

+ الرد على الموضوع

تعليمات المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك