بسم الله الرّحمن الرّحيم
نظرات في آيات الله الكريمة
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ، وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ). الآية (11) من سورة المجادَلة أو المجادِلة بفتح الدال أو كسرها.
لقد اعتاد كثير من المسلمين، حتّى العلماء منهم، وخطباء المساجد أن يستشهدوا بجزء من هذه الآية الكريمة على أهمّيّة العلم، ومكانته وقيمته، وما يعود به العلم على صاحبه من رفعة ومكانة عالية بين الآخرين. فيقولون: (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ)، وهذا الاستدلال مبتور؛ لأنّه يبدأ بفعل مضارع مجرور؛ والفعل لا يجرّ أبدًا؛ وإنّما الجرّ علامة من علامات الأسماء.
ولو قالوا: (يَرْفَعُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) برفع الفعل المضارع، لكان الكلام صحيحًا لغةً، ولكنّه يخالف نصّ القرآن الكريم وضبطه، فجاء ضبط الفعل المضارع في المصحف بكسر العين في (يرفعِ).
وكلّ من يبدأ بـِ (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) لا يعرف علم الوقف والابتداء في القرآن الكريم، فكما أنّه يجب على المسلم أن يتلو القرآن تلاوة صحيحة، لا لحن جليًّا فيها، أي لا خطأ في اللّغة، فكذلك عليه أن يعرف من أين يبدأ القراءة في الآية، وأين يقف في القراءة، فلا يجوز للقارئ أن يبدأ بجواب الشّرط دون أن يسبقه بفعل الشّرط، كما في هذه الآية الّتي فيها فعل الطّلب (فانشزوا) وهو مجزوم بحذف النّون، وجواب الطّلب (يرفعِ) مجزوم بالسّكون، وحرّك بالكسر لالتقاء السّاكنين. هذا من حيث قواعدُ اللّغة، وقراءةُ الآية قراءةً صحيحة.
أمّا من حيث المعنى فإن قولك: (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) لا يعطي معنى دقيقًا صحيحًا، فمن المؤمنين ومن العلماء من لا يرفع الله درجاتِهم، وذلك لأنّهم لا ينتفعون النّاس، فإيمانهم لأنفسهم، وعلمهم لأنفسهم، لا ينتفع به أحد.
وأمّا إذا قلنا: (وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ)، فيصبح المعنى صحيحًا دقيقًا؛ أي انشزوا يرفع الله درجات المؤمنين والعلماء. و(انشزوا) هنا تعني كما جاء في تفسير الجلالين: (قوموا إلى الصّلاة، وإلى فعل الخير)، وبذلك يرفع الله درجاتكم، فخير النّاس أنفعهم للنّاس كما قال المصطفى عليه السّلام. والعلماء الّذين يكتمون علمهم، ولا ينفعون النّاس بعلومهم، يلجمهُمُ اللهُ بلجام من نار يوم القيامة؛ لكتمانهمُ العلم. وأمّا الّذين يفيدون النّاس ويعلمونهم وينفعونهم بعلمهم فأولئك الّذين يرفع الله درجاتهم في الدّنيا والآخرة. ففي الدّنيا ينالون محبّة النّاس، ويثنون عليهم، وفي الآخرة يجزيهم الله خير الجزاء، ويرفع درجاتهم إلى عليّين.


موسى أبودويح