ابو العبد
07-04-2011, 05:45 PM
السلام عليكم
هذه المقالة وصلتني هذه المقالة على الخاص وطلب الاخ الكريم الذي ارسلها ان اضعها على صفحات المنتدى حتى تكون محور نقاش
تحياتي للجميع
قراءة إسلامية في الثورات العربية
.
تأخر هذا المقال كثيرًا عن الظهور، وقد كان بعض الزملاء يلومني على عدم الكتابة في الموضوع من وجهة نظري، وها أنا الآن قد تفرّغت لطرح رؤيتي حول الأحداث وملابساتها ودلالاتها المستفادة. وسأقوم بقراءة شمولية لا تهتم بالتفاصيل بقدر ما تهتم برصد الخطوط العريضة لهذا التحول في العقلية الجمعية في المنطقة العربية، واستخراج الدلالات المستفادة والدروس التي ينبغي للصحوة أن تعقلها جيّدا.
.
منشأ روح التحرّر:
.
لقد سادت روح من التحرر العام عند الشعوب العربية من الظلم والاستبداد والفساد، والبحث عن العدالة الاجتماعية وتحسين الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية. ونحن نحسب أنها تشكّلت بفعلٍ تراكميّ خلال السنوات الماضية، بعد زيادة الضغظ والظلم على هذه الشعوب من قبل أنظمتها، وتهافت سمعة هذه الأنظمة حتى وصلت إلى الحضيض، وبعد توسّع نطاق تأثير العولمة والتطوّر السريع في أدوات التواصل ووسائل نشر الأفكار والخبرات عبر الشبكة العنكبوتية، وبالأخصّ عبر شبكات التواصل الاجتماعي. ولا نزعم أن هذه الشبكات كانت المؤثّر الوحيد في وصول هذه التراكمات إلى فعل “الغليان” ومن ثمّ إلى فعل “الفوران”، إنما كانت مؤثّرة بدرجة نراها كبيرة، سبقتها وواكبتها ممارسات اجتماعية وسياسية توعويّة من قبل جمعيات ونقابات وتكتلات (شبابية في غالبها) متأثرة بالواقع الحضاري المنفتح في العالم الغربي، وقد انعكس ذلك في المطالب الكبرى للثورات، حيث ارتكزت على تحقيق مشاركة الأمة في الحكم، وإيجاد مناخ الحريات، وتحسين الأوضاع الاقتصادية، وإرساء أسس العدالة الاجتماعية، والقضاء على الفساد، وهي مطالب – بالإضافة لكونها مشروعة – نابعة من تأثّر واضح لما عند الشعوب الغربية المتقدمة من حرية ومشاركة للأمة وحقوق وضمانات ملموسة، وعدالة اجتماعية ورخاء اقتصادي.
.
غياب المفاهيم الصحيحة:
.
ولقد ارتكزت هذه “الهبّات” (بتعبير أدقّ) على نزع السيادة المطلقة التي تفرّد بها الحاكم الواحد أو الحزب الواحد، وردّها إلى سيادة الشعوب، وهنا كان غياب مفهوم “سيادة الشريعة” أو “تحكيم الشريعة”، على اعتباره “أولا”: المقتضى المباشر لكون هؤلاء المنتفضين مسلمين! أي بدون جعلها مصدر التشريع الوحيد وتحكيمها لا “وجود شرعي” للأمة الإسلامية، فالوجود الشرعي معناه أن تكون شريعة الله هي مصدر التشريع الوحيد للمجتمع، وأن يتمّ تحكيمها في جميع شؤون الحياة. ولقد انقطع الوجود الشرعي للأمة الإسلامية منذ عقود طويلة، وهو تكليف تؤثم الأمة بمجموعها إن لم تقم بالعمل على إعادة تفعيله! فالله تعالى يقول واصفا هذه الأمة: “كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله” (آل عمران: 110)، ويقول عنها: “وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا” (البقرة: 143). فتلك مكانتها؛ أن تكون رائدة للأمم، وأن تدعو بقية الأمم إلى دين الله، وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وهو تكليف لا يجوز لها النكوص عنه، ويقول تعالى: “فلا وربّك لا يؤمنون حتى يحكّموك فيما شجر بينهم ثمّ لا يجدوا في أنفسهم حرجًا ممّا قضيتَ ويسلّموا تسليما” (النساء: 65). فبيّن أن تحكيم رسول الله – صلى الله عليه وسلم – (وهو لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحيٌ يوحى) دون حرج في النفوس وبتسليم مطلق فيما يشجر بين الناس، هذا التحكيم، أمرٌ متعلّق بالإيمان كمبدأ، ونفى – سبحانه – الإيمانَ عمّن يتنكّب عن تحكيم شريعة الله عالما وراضيا ومريدا! فهو أمر جدّ إذًا متعلّق بأصل الإيمان، وهو أهمّ ما في الإسلام، والغاية من بعثة الرسل عليهم السلام: “وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله” (النساء: 64). ولقد تخلّفت الأمة عن هذا التكليف منذ عقود، سبقتها قرون من الانحطاط، وهي اليوم في حالة “اغتراب” تعيشها وغيبوبة فكرية إن صح التعبير، لا تلتفت إلى أن أهم قضية تعترضها هي أنها – ولفترة طويلة – لا تحكّم شريعة الله، بل وتحتكم في حياتها العامة إلى دساتير جلبتها من الأمم الجاهلية الغربية! ولا تجد في ذلك حرجا!
.
ولقد غاب عن هذه الأمة ثانيًا: أن تحكيم الشريعة هو الطريق السليم الوحيد للتخلصّ من كل ما تعاني منه من ظلم اجتماعي واستبداد سياسي وفساد وفقر وتخلّف في جميع الميادين، غاب عنها بعد أن انحرف مفهوم التوحيد في حسّها، جرّاء تغلغل الفكر الإرجائي في عقلها منذ أن نبتت لوثة الإرجاء، وجرّاء تغلغل الفكر العلماني والدعوة إليه من شرائح مؤثّرة في الأمة عملت على إنشائها الدول الاستعمارية في المنطقة لتكون خليفتها في إكمال عملية تضليل الأمة.
.
قراءة في دور الحركة الإسلامية والدلالات المستفادة:
.
ونحن إذ نتحدث عن هذا الاغتراب الذي تعيشه الأمة نلتفت إلى الحركة الإسلامية بجميع أطيافها، حتى نستخلص الدلالات فيما يخص الدعوة الإسلامية.
.
إسبال الشرعية على النظم الجاهلية:
.
ما قبل الثورات، وعلى استمرار سنوات طويلة دخلت فصائل من الحركة الإسلامية في الكيان العضوي للأنظمة الجاهلية لأجل الإصلاح من الداخل، أي شاركت في العملية السياسية في تلك الأنظمة، على اعتبارها أنظمة “مسلمة” يحكمها رئيس مسلم، يمكن التعامل معها لإصلاح المجتمع والدولة، وعلى اعتبار أن الوجود الشرعي متحقق لهذه المجتمعات ولا يبقى سوى إصلاح بعض الانحرافات. وبدلا من أن تقوم هذه الفصائل برفع الالتباس حول هذه الأنظمة، وبيان أنها أنظمة لا تحكم بما أنزل الله فلا تملك أي شرعية للوجود، بدلا من ذلك ساهمت في ممارساتها تلك بزيادة الغبش والالتباس حول قضية “الشرعية” على الشعوب المسلمة، وظهر أثر ذلك في الثورات الأخيرة متمثّلا بخفوت صوت المطالبة بتحكيم الشريعة وسيادة الصوت الذي تقوده نخب مختلفة المشارب تنادي بالحريات والعدالة الاجتماعية والديمقراطية والدولة المدنية، وانقادت الشعوب لهذا الصوت غافلة هي عن حقيقة قضيتها وأساس مشكلاتها. والأنكى من ذلك أن انساقت تلك الفصائل الإسلامية مع مطالب الشعوب الغافلة (بدلا من قيادتها) – بعد الثورة -، ونادت بالنظام الديمقراطي والدولة المدنية كما نادى الشارع متأثرا بقوى المجتمع المدني العلمانية الناشطة في عملية التغيير، رغم ما في هذه الدعوات من مخالفة للإسلام وطبيعة نظامه المتفرد، فكان هذا الانسياق ضربة أخرى تُكال لقضية الشرعية، التي هي شرط أساسي في إعادة الوجود الشرعي للأمة الإسلامية!
.
ضمور الفكر السياسي والانشغال بقضايا الفرد وتبعات ذلك:
.
وفصائل أخرى انخرطت في الدعوة إلى الله مع التركيز الكبير على قضايا الفرد المسلم وإهمال قضية الشرعية وغياب الوجود الشرعي للأمة الإسلامية، فانحسر الإسلام في مفهوم الجماهير المتأثرة بهذه الفصائل عن ميادين السياسة والهموم الكبرى للأمة، وأصبحت مكافحة المخالفات الشرعية – الفردية غالبا – ديدنا وواجبا تقوم به هذه الجماعات غافلة عن المخالفة الكبري وهي تنحية شريعة الله عن الحكم واستبدالها بدساتير جاهلية! فهي كالفصائل الأولى تضفي – من حيث تدري أو لا تدري – الشرعية على هذه الأنظمة إن لم يكن بالمشايعة فبسكوتها عن هذا المنكر الأكبر، وبدعوتها التي انحصرت بشكل كبير في قضايا الفرد كفرد، لا قضايا الأمة كجماعة. وقد ظهرت آثار ممارسات هذه الجماعات وخطابها الفردي في التلكّؤ في الانخراط بالهبات الشعبية أولا، ثم في تخبّطها وحيرتها وتضارب مواقفها أثناء الثورة وبعدها، ثم – وهو الأنكى – في تكشّف الستار على جهلها وبداءتها في عالم السياسية وغياب وعيها عن مخاطر جمّة، فكانت كاليد المعطلة لسنوات يُتاح لها العمل فجأة، فتكون حركتها ضعيفة متخبّطة لا تقوم بما يرجى منها! تماما كالوعي الشرعي السياسي عند هذه الجماعات، إذ تمّ تعطيله لسنوات فبدت سوءاته حين أراد أن يعمل في ظروف ما بعد الثورة! وتبدّى ذلك – على سبيل المثال – في مناداة هذه الفصائل بعدم المساس بالمادة الثانية من الدستور المصري، غافلة عن أنها أولا مادة مخالفة لأصل الإسلام وحقيقة الإيمان، إذ تنصّ – فيما تنصّ – على أن الشريعة الإسلامية هي المصدر “الرئيسي” للتشريع، وليست المصدر “الوحيد”! وهذه عبارة مخالفة لأساس الدين كما هو معلوم بالضرورة. وغافلة ثانيا أن هذه المادة كانت على مدى عقود طويلة، وبقيت شريعة الله منحّاة عن الحكم وصياغة أوضاع المجتمع، فهي شكلية لا فاعلة! ورغم أن هذه الفصائل اهتمت لسنوات طويلة بتجريد مفهوم التوحيد والاهتمام بدقائقه، رغم ذلك غفلت عن هذه المخالفة – مع غيرها من المخالفات – في الدستور المصري، فسبحان الله!
.
أخطاء في تقدير واقع الأمة وحقيقة التغيير:
.
وفصائل أخرى أخطأت في تقدير واقع الأمة الإسلامية ومدى بعدها عن مفاهيم الإسلام منذ أمد بعيد، فقررت أن الأمة تريد تطبيق الشريعة ولكنّ الأنظمة العميلة هي الداء الذي تجب إزالته حتى تنقاد الشعوب للوضع الجديد الذي تقوده الفئة “العاملة”! قرّرت ذلك بعد أن فشلت في قيادة الأمة قيادة فكرية مصحوبة بقوة الشعور الديني، فلجأت إلى تفسير فشلها بأن الضغط الأمني لم يُتح لهذه الفصائل أن تقود الأمة وتباشر عملية التغيير الشامل، فلا بدّ إذًا من تغيير انقلابي يجتث هذه الأنظمة وسرعان ما تنحاز الشعوب لصالح تحكيم الشريعة ولصالح هذه الدعوة. وحكمت على الشعوب بأنها تمتلك المفاهيم الصحيحة – في عمومها – ولكن الإعلام مضلل! وأنها لا تحتاج أكثر من حزب يقودها نحو التغيير المنشود، وأن الأمة مشوقة إلى قيام دولة الخلافة الراشدة، ومتى أتيح لها أن تعبّر عن إرادتها وتزيل هذه الأنظمة فسوف تنحاز بفطرتها لصالح الدعوة إلى الخلافة.. ولكن ما أن جاءت الهبات الشعبية حتى تكشّفت هذه الستائر البالية، وظهرت الحقيقة المرّة.. فالشعوب مغيبة عن المفاهيم الإسلامية الصحيحة – وبالأخص قضية الشرعية – وعن فهم حقيقة التغيير، والفئات المنادية بهذا التغيير الحقيقي ليست من القوة والضغظ بحيث تستطيع أن تقود الأمة، أو أن يظهر صوتها في الإعلام المعتم أحيانا! لقد كان لمفاهيم الإرجاء التي شابت بعض تصورات تلك الفصائل دور في خطأ تقدير حال الأمة، وكذلك بعض الأخطاء الأخرى في تصوّر واقع التغيير، على أنه قاب قوسين أو أدنى، تزييفا – غير مقصود وبحسن نية – لواقع الأمة.
.
والآن..
.
والآن بعد أن تكشّفت تلك الحقائق ماذا يمكننا أن نتعلم من دروس الثورات غير ذلك؟ في الحقيقة إن أمامنا درسا عظيما علمتنا إياه تلك الثورات، وهو درس ينبغي أن تلتفت إليه فصائل الحركة الإسلامية وتقوم بموجب هذا الالتفاتة الكريمة منها بتصحيح انحراف في الفهم، واستكمال نقص في العمل. لقد قلنا في بداية المقال إن هذه الهبات سببتها عملية “تراكمية” ولم تكن أسبابها وليدة أيام قليلة، فقد كانت هناك عوامل شتى فاعلة تقوم بتعبئة الجماهير نحو هذه الوجهة خلال سنوات طويلة، عملت عليها فئات مجتمعية، وأثرت في نضوجها ظروف من الفساد والظلم والاستبداد والقهر، وساعدت في انسيابها وسائل الاتصال والتواصل الحديثة. كانت هناك مفاهيم أساسية هي التي أدخلت الحراك الشعبي مرحلة الغليان ثم مرحلة الفوران، قامت على ترسيخ هذه المفاهيم شرائح – حزبية وغير حزبية – في الوعي العام عند الشعوب، حتى وُجد رأي عام تحمله قواعد شعبية غالبة في المجتمع، يتميّز هذا الرأي – بشكل أساسي – بأفكار مثل:
.
- نزع الشرعية عن الأنظمة الجبرية الحاكمة.
- وجوب ردّ السلطة والسيادة للشعب لا غيره.
- وجوب تحقيق مناخ الحريات، وإزالة الظلم والفساد وإرساء قواعد العدالة الاجتماعية والديمقراطية.
- رفع حالات الطوارئ والحكم البوليسي.
.
كانت هذه هي الأفكار المحورية التي ارتكزت عليها الهبات الشعبية، بعد أن وصلت إلى حالة الغليان ثم الفوران.
هذه المقالة وصلتني هذه المقالة على الخاص وطلب الاخ الكريم الذي ارسلها ان اضعها على صفحات المنتدى حتى تكون محور نقاش
تحياتي للجميع
قراءة إسلامية في الثورات العربية
.
تأخر هذا المقال كثيرًا عن الظهور، وقد كان بعض الزملاء يلومني على عدم الكتابة في الموضوع من وجهة نظري، وها أنا الآن قد تفرّغت لطرح رؤيتي حول الأحداث وملابساتها ودلالاتها المستفادة. وسأقوم بقراءة شمولية لا تهتم بالتفاصيل بقدر ما تهتم برصد الخطوط العريضة لهذا التحول في العقلية الجمعية في المنطقة العربية، واستخراج الدلالات المستفادة والدروس التي ينبغي للصحوة أن تعقلها جيّدا.
.
منشأ روح التحرّر:
.
لقد سادت روح من التحرر العام عند الشعوب العربية من الظلم والاستبداد والفساد، والبحث عن العدالة الاجتماعية وتحسين الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية. ونحن نحسب أنها تشكّلت بفعلٍ تراكميّ خلال السنوات الماضية، بعد زيادة الضغظ والظلم على هذه الشعوب من قبل أنظمتها، وتهافت سمعة هذه الأنظمة حتى وصلت إلى الحضيض، وبعد توسّع نطاق تأثير العولمة والتطوّر السريع في أدوات التواصل ووسائل نشر الأفكار والخبرات عبر الشبكة العنكبوتية، وبالأخصّ عبر شبكات التواصل الاجتماعي. ولا نزعم أن هذه الشبكات كانت المؤثّر الوحيد في وصول هذه التراكمات إلى فعل “الغليان” ومن ثمّ إلى فعل “الفوران”، إنما كانت مؤثّرة بدرجة نراها كبيرة، سبقتها وواكبتها ممارسات اجتماعية وسياسية توعويّة من قبل جمعيات ونقابات وتكتلات (شبابية في غالبها) متأثرة بالواقع الحضاري المنفتح في العالم الغربي، وقد انعكس ذلك في المطالب الكبرى للثورات، حيث ارتكزت على تحقيق مشاركة الأمة في الحكم، وإيجاد مناخ الحريات، وتحسين الأوضاع الاقتصادية، وإرساء أسس العدالة الاجتماعية، والقضاء على الفساد، وهي مطالب – بالإضافة لكونها مشروعة – نابعة من تأثّر واضح لما عند الشعوب الغربية المتقدمة من حرية ومشاركة للأمة وحقوق وضمانات ملموسة، وعدالة اجتماعية ورخاء اقتصادي.
.
غياب المفاهيم الصحيحة:
.
ولقد ارتكزت هذه “الهبّات” (بتعبير أدقّ) على نزع السيادة المطلقة التي تفرّد بها الحاكم الواحد أو الحزب الواحد، وردّها إلى سيادة الشعوب، وهنا كان غياب مفهوم “سيادة الشريعة” أو “تحكيم الشريعة”، على اعتباره “أولا”: المقتضى المباشر لكون هؤلاء المنتفضين مسلمين! أي بدون جعلها مصدر التشريع الوحيد وتحكيمها لا “وجود شرعي” للأمة الإسلامية، فالوجود الشرعي معناه أن تكون شريعة الله هي مصدر التشريع الوحيد للمجتمع، وأن يتمّ تحكيمها في جميع شؤون الحياة. ولقد انقطع الوجود الشرعي للأمة الإسلامية منذ عقود طويلة، وهو تكليف تؤثم الأمة بمجموعها إن لم تقم بالعمل على إعادة تفعيله! فالله تعالى يقول واصفا هذه الأمة: “كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله” (آل عمران: 110)، ويقول عنها: “وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا” (البقرة: 143). فتلك مكانتها؛ أن تكون رائدة للأمم، وأن تدعو بقية الأمم إلى دين الله، وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وهو تكليف لا يجوز لها النكوص عنه، ويقول تعالى: “فلا وربّك لا يؤمنون حتى يحكّموك فيما شجر بينهم ثمّ لا يجدوا في أنفسهم حرجًا ممّا قضيتَ ويسلّموا تسليما” (النساء: 65). فبيّن أن تحكيم رسول الله – صلى الله عليه وسلم – (وهو لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحيٌ يوحى) دون حرج في النفوس وبتسليم مطلق فيما يشجر بين الناس، هذا التحكيم، أمرٌ متعلّق بالإيمان كمبدأ، ونفى – سبحانه – الإيمانَ عمّن يتنكّب عن تحكيم شريعة الله عالما وراضيا ومريدا! فهو أمر جدّ إذًا متعلّق بأصل الإيمان، وهو أهمّ ما في الإسلام، والغاية من بعثة الرسل عليهم السلام: “وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله” (النساء: 64). ولقد تخلّفت الأمة عن هذا التكليف منذ عقود، سبقتها قرون من الانحطاط، وهي اليوم في حالة “اغتراب” تعيشها وغيبوبة فكرية إن صح التعبير، لا تلتفت إلى أن أهم قضية تعترضها هي أنها – ولفترة طويلة – لا تحكّم شريعة الله، بل وتحتكم في حياتها العامة إلى دساتير جلبتها من الأمم الجاهلية الغربية! ولا تجد في ذلك حرجا!
.
ولقد غاب عن هذه الأمة ثانيًا: أن تحكيم الشريعة هو الطريق السليم الوحيد للتخلصّ من كل ما تعاني منه من ظلم اجتماعي واستبداد سياسي وفساد وفقر وتخلّف في جميع الميادين، غاب عنها بعد أن انحرف مفهوم التوحيد في حسّها، جرّاء تغلغل الفكر الإرجائي في عقلها منذ أن نبتت لوثة الإرجاء، وجرّاء تغلغل الفكر العلماني والدعوة إليه من شرائح مؤثّرة في الأمة عملت على إنشائها الدول الاستعمارية في المنطقة لتكون خليفتها في إكمال عملية تضليل الأمة.
.
قراءة في دور الحركة الإسلامية والدلالات المستفادة:
.
ونحن إذ نتحدث عن هذا الاغتراب الذي تعيشه الأمة نلتفت إلى الحركة الإسلامية بجميع أطيافها، حتى نستخلص الدلالات فيما يخص الدعوة الإسلامية.
.
إسبال الشرعية على النظم الجاهلية:
.
ما قبل الثورات، وعلى استمرار سنوات طويلة دخلت فصائل من الحركة الإسلامية في الكيان العضوي للأنظمة الجاهلية لأجل الإصلاح من الداخل، أي شاركت في العملية السياسية في تلك الأنظمة، على اعتبارها أنظمة “مسلمة” يحكمها رئيس مسلم، يمكن التعامل معها لإصلاح المجتمع والدولة، وعلى اعتبار أن الوجود الشرعي متحقق لهذه المجتمعات ولا يبقى سوى إصلاح بعض الانحرافات. وبدلا من أن تقوم هذه الفصائل برفع الالتباس حول هذه الأنظمة، وبيان أنها أنظمة لا تحكم بما أنزل الله فلا تملك أي شرعية للوجود، بدلا من ذلك ساهمت في ممارساتها تلك بزيادة الغبش والالتباس حول قضية “الشرعية” على الشعوب المسلمة، وظهر أثر ذلك في الثورات الأخيرة متمثّلا بخفوت صوت المطالبة بتحكيم الشريعة وسيادة الصوت الذي تقوده نخب مختلفة المشارب تنادي بالحريات والعدالة الاجتماعية والديمقراطية والدولة المدنية، وانقادت الشعوب لهذا الصوت غافلة هي عن حقيقة قضيتها وأساس مشكلاتها. والأنكى من ذلك أن انساقت تلك الفصائل الإسلامية مع مطالب الشعوب الغافلة (بدلا من قيادتها) – بعد الثورة -، ونادت بالنظام الديمقراطي والدولة المدنية كما نادى الشارع متأثرا بقوى المجتمع المدني العلمانية الناشطة في عملية التغيير، رغم ما في هذه الدعوات من مخالفة للإسلام وطبيعة نظامه المتفرد، فكان هذا الانسياق ضربة أخرى تُكال لقضية الشرعية، التي هي شرط أساسي في إعادة الوجود الشرعي للأمة الإسلامية!
.
ضمور الفكر السياسي والانشغال بقضايا الفرد وتبعات ذلك:
.
وفصائل أخرى انخرطت في الدعوة إلى الله مع التركيز الكبير على قضايا الفرد المسلم وإهمال قضية الشرعية وغياب الوجود الشرعي للأمة الإسلامية، فانحسر الإسلام في مفهوم الجماهير المتأثرة بهذه الفصائل عن ميادين السياسة والهموم الكبرى للأمة، وأصبحت مكافحة المخالفات الشرعية – الفردية غالبا – ديدنا وواجبا تقوم به هذه الجماعات غافلة عن المخالفة الكبري وهي تنحية شريعة الله عن الحكم واستبدالها بدساتير جاهلية! فهي كالفصائل الأولى تضفي – من حيث تدري أو لا تدري – الشرعية على هذه الأنظمة إن لم يكن بالمشايعة فبسكوتها عن هذا المنكر الأكبر، وبدعوتها التي انحصرت بشكل كبير في قضايا الفرد كفرد، لا قضايا الأمة كجماعة. وقد ظهرت آثار ممارسات هذه الجماعات وخطابها الفردي في التلكّؤ في الانخراط بالهبات الشعبية أولا، ثم في تخبّطها وحيرتها وتضارب مواقفها أثناء الثورة وبعدها، ثم – وهو الأنكى – في تكشّف الستار على جهلها وبداءتها في عالم السياسية وغياب وعيها عن مخاطر جمّة، فكانت كاليد المعطلة لسنوات يُتاح لها العمل فجأة، فتكون حركتها ضعيفة متخبّطة لا تقوم بما يرجى منها! تماما كالوعي الشرعي السياسي عند هذه الجماعات، إذ تمّ تعطيله لسنوات فبدت سوءاته حين أراد أن يعمل في ظروف ما بعد الثورة! وتبدّى ذلك – على سبيل المثال – في مناداة هذه الفصائل بعدم المساس بالمادة الثانية من الدستور المصري، غافلة عن أنها أولا مادة مخالفة لأصل الإسلام وحقيقة الإيمان، إذ تنصّ – فيما تنصّ – على أن الشريعة الإسلامية هي المصدر “الرئيسي” للتشريع، وليست المصدر “الوحيد”! وهذه عبارة مخالفة لأساس الدين كما هو معلوم بالضرورة. وغافلة ثانيا أن هذه المادة كانت على مدى عقود طويلة، وبقيت شريعة الله منحّاة عن الحكم وصياغة أوضاع المجتمع، فهي شكلية لا فاعلة! ورغم أن هذه الفصائل اهتمت لسنوات طويلة بتجريد مفهوم التوحيد والاهتمام بدقائقه، رغم ذلك غفلت عن هذه المخالفة – مع غيرها من المخالفات – في الدستور المصري، فسبحان الله!
.
أخطاء في تقدير واقع الأمة وحقيقة التغيير:
.
وفصائل أخرى أخطأت في تقدير واقع الأمة الإسلامية ومدى بعدها عن مفاهيم الإسلام منذ أمد بعيد، فقررت أن الأمة تريد تطبيق الشريعة ولكنّ الأنظمة العميلة هي الداء الذي تجب إزالته حتى تنقاد الشعوب للوضع الجديد الذي تقوده الفئة “العاملة”! قرّرت ذلك بعد أن فشلت في قيادة الأمة قيادة فكرية مصحوبة بقوة الشعور الديني، فلجأت إلى تفسير فشلها بأن الضغط الأمني لم يُتح لهذه الفصائل أن تقود الأمة وتباشر عملية التغيير الشامل، فلا بدّ إذًا من تغيير انقلابي يجتث هذه الأنظمة وسرعان ما تنحاز الشعوب لصالح تحكيم الشريعة ولصالح هذه الدعوة. وحكمت على الشعوب بأنها تمتلك المفاهيم الصحيحة – في عمومها – ولكن الإعلام مضلل! وأنها لا تحتاج أكثر من حزب يقودها نحو التغيير المنشود، وأن الأمة مشوقة إلى قيام دولة الخلافة الراشدة، ومتى أتيح لها أن تعبّر عن إرادتها وتزيل هذه الأنظمة فسوف تنحاز بفطرتها لصالح الدعوة إلى الخلافة.. ولكن ما أن جاءت الهبات الشعبية حتى تكشّفت هذه الستائر البالية، وظهرت الحقيقة المرّة.. فالشعوب مغيبة عن المفاهيم الإسلامية الصحيحة – وبالأخص قضية الشرعية – وعن فهم حقيقة التغيير، والفئات المنادية بهذا التغيير الحقيقي ليست من القوة والضغظ بحيث تستطيع أن تقود الأمة، أو أن يظهر صوتها في الإعلام المعتم أحيانا! لقد كان لمفاهيم الإرجاء التي شابت بعض تصورات تلك الفصائل دور في خطأ تقدير حال الأمة، وكذلك بعض الأخطاء الأخرى في تصوّر واقع التغيير، على أنه قاب قوسين أو أدنى، تزييفا – غير مقصود وبحسن نية – لواقع الأمة.
.
والآن..
.
والآن بعد أن تكشّفت تلك الحقائق ماذا يمكننا أن نتعلم من دروس الثورات غير ذلك؟ في الحقيقة إن أمامنا درسا عظيما علمتنا إياه تلك الثورات، وهو درس ينبغي أن تلتفت إليه فصائل الحركة الإسلامية وتقوم بموجب هذا الالتفاتة الكريمة منها بتصحيح انحراف في الفهم، واستكمال نقص في العمل. لقد قلنا في بداية المقال إن هذه الهبات سببتها عملية “تراكمية” ولم تكن أسبابها وليدة أيام قليلة، فقد كانت هناك عوامل شتى فاعلة تقوم بتعبئة الجماهير نحو هذه الوجهة خلال سنوات طويلة، عملت عليها فئات مجتمعية، وأثرت في نضوجها ظروف من الفساد والظلم والاستبداد والقهر، وساعدت في انسيابها وسائل الاتصال والتواصل الحديثة. كانت هناك مفاهيم أساسية هي التي أدخلت الحراك الشعبي مرحلة الغليان ثم مرحلة الفوران، قامت على ترسيخ هذه المفاهيم شرائح – حزبية وغير حزبية – في الوعي العام عند الشعوب، حتى وُجد رأي عام تحمله قواعد شعبية غالبة في المجتمع، يتميّز هذا الرأي – بشكل أساسي – بأفكار مثل:
.
- نزع الشرعية عن الأنظمة الجبرية الحاكمة.
- وجوب ردّ السلطة والسيادة للشعب لا غيره.
- وجوب تحقيق مناخ الحريات، وإزالة الظلم والفساد وإرساء قواعد العدالة الاجتماعية والديمقراطية.
- رفع حالات الطوارئ والحكم البوليسي.
.
كانت هذه هي الأفكار المحورية التي ارتكزت عليها الهبات الشعبية، بعد أن وصلت إلى حالة الغليان ثم الفوران.